قراءات ودراسات

السّماتُ الأسلوبيّة في شعر : هيام الأحمد

* د . وليد العرفي

يتسمُ شعر الشاعرة هيام الأحمد بالشفافية والسلاسة ، فقصيدتها تنساب انسياباً تجعلك تسير معها من دون أن تشعر بالتعب أو الملل ، بل هي تنقلك عبر ضفاف وآفاق ساحرة لا تشعر بحركة انتقالها إلا عندما تبلغ مرحلة السكون ، فتعلم أنك انتهيت من رحلة القصيدة التي تأخذك إلى عوالمها التي تتفيأ ظلال الرومانسية المتصوفة التي تحترق في أتون حروفها، وهي تتواشج في عناصر من طبيعتها الأنثوية التي تنفتح على أكثر من فضاء، فلغة الشاعرة : هيام الأحمد تسعى في أقبية الروح ، وهي تُفتّش عن دلالاتها المتجدّدة التي تفرد لها أجنحة من الخيال، وريشاً من الواقع، فتتساوق لديها المفردات مثلما تتلاحم التراكيب في أسلوب من التنميق الذي يزداد ألقه ببريق العفوية والصدق في البوح و التعبير ، فقراءة قصيدة هيام تجعل المتلقي يهيم في عوالمها التي تتوزع في أقانيم الحب والطبيعة والإنسان تلك الأقانيم التي تجد الشاعرة نفسها شمعة تضيء ظلمتها ، ففي حديثها عن الذات تبرز ذات الشاعرة من خلال علاقتها بالآخر الذي يُمثّل لها البعد الآخر المُكمّل لها في مسار الحياة عبر ثنائية الوجود تقول:
أسائلُ في ليالي الحزن نجماً ضياء البدر شعشعَ أم سناكا
يجيبُ وقد تملَّكهُ جنونٌ أما في العشق مجنونٌ سواكا ؟
بلى أهوى النسائمَ حين رفَّتْ تداعبُها بـرفـقٍ وجـنتاكا
ويعزفُ لحنَ حبّكَ نبضَ قلبي كأنَّ هواهُ نفخٌ من هواكا
فدعْني فيه أنشدُ أغنياتي أقبلّهُ إذا الشَّوقُ اعتراكا
وقد اعتمدت الشاعرة على وسائل في أدائها التعبيري التي جعلت من قصيدتها ذات خصوصية وميزة فارقة، وسنبين أبرز السمات الأسلوبية التي اعتمدت الشاعر عليها في تشكيل قصائدها، ومن تلك التقنيات :
أولاً ــ أسلوب التكرار ، والتكرار في الشعر: (سمة كالجوهر ملازمة، ومظهر كالركن دائم لا يستقيم قول شعري إلا به ، ولا تتحقق طاقة شعرية دونه، ولا يصلح للقصيد نسب إلى الشعر إلا بتوفره )، وقد رأى لوتمن: أن البنية الشعرية ذات طبيعة تكرارية حين تنتظم في نسق لغوي ، والتكرار ليس الهدف بحد ذاته، وإنما جمالية التكرار تتأتى من أسلوبه، وقد أشار بالي إلى أهمية هذا الجانب في اللغة عندما فهم الأسلوبية على أنها علم الوسائل اللغوية من زاوية نظر وظيفتها الانفعالية والتأثيرية.
ويكون التكرار حسب عمر البغدادي بأن يكرر المتكلم اللفظة الواحدة باللفظ أو المعنى،
وسننظر في شعر الشاعرة: هيام الأحمد من خلال نوعين من التكرار هما : تكرار الحرف، وتكرار الكلمة
أولا تكرار الحرف : وهو من ( أبسط أنواع التكرار أو أقلها أهمية في الدلالة) وعلى الرغم من قلة أهمية التكرار الصوتي إلا أنه يشكّل: ( صيغة خطابية رامية إلى تلوين الرسالة الشعرية بمميزات صوتية مثيرة هدفها إشراك الآخر المتلقي في عملية التواصل الفني ، ولذلك يُعدُّ التلازم الحرفي من أعم خصائص الخطاب الشعري في البنيات التشاكلية ،
فهو وفق هذا التصور يعمل على: (تهيئة السامع للدخول في أعماق الكلمة الشعرية )،
نلحظ أن تكرار الحرف في شعر هيام يأتي وفق انسيابيّة موظّفة، ومن الملاحظ تكرار حرف الراء في أغلب قصائدها ــ في حدود اطلاعي ــ ومن ذلك ما نجده في قصيدتها الرائية التي تتحدث فيها عن اللغة العربية المميّزة التي تنم ُّ عن شاعريّة تهيم باللغة، وقد تجلّى ذلك الهيام سبكاً ولغةً، وإيجازاً في توصيل المعنى ، ومن أبياتها في القصيدة تقول:
مالت عليَّ وقدها الأزهارُ والخدُّ نورٌ ضمّهُ النّوَّارُ
الله يا لونَ السّماءِ بثغرِها لو تمتمَتْ منها الحروفُ تغارُ
لغتي وما في الكونِ مثل جمالِها من أي مسك صاغها العطَّارُ؟!
من كلّ حرفٍ سوفَ تقطفُ زهرةً كلُّ الشُّهورِ بروضِها آذارُ
ويبدو ذلك أيضا في قصيدتها التي اتخذت من حرف الراء روياً لها فقد تكرر
أربع مرات في بيت واحد، كما تكررت كلمة دمار ثلاث مرات، وتكرر في البيت التالي، و لم يخلُ, بيت منه في هذه القصيدة التي تقول فيها :
بلادي والحروبُ تعيثُ فيها دمـارٌ في دمـارٍ في دمـار
وكفُّ الحربِ لو رقّتْ لحالي تصـبُّ على جـراحي زيتَ قارِ
فـآهٍ ثـمَّ آهٍ ثـمَّ آهِ لعلَّ الآهَ تُطفىءُ بعض نارِ
أيمّم ُشطرَ وجهِكَ كلَّ صبحٍ كأنَّكَ مـعـبدٌ فيهِ مـزاري
لقدْ وأدوا الطّفولةَ ويحَ قلبي فعذراً منكِ دمعات الصَّغارِ
أنا المتبولُ عشقاً في هواها فكيفَ أخونُ عشقي أو أواري
كأنّي في ثنايا العيشِ ميْتٌ يسلّمُني احتضاري لاحتضارِ
فقررْتُ المماتَ على ثراها وغير الموتِ لا يمحو قراري
فقد تكرر حرف الراء المكسور الذي جاء روياً في القافية، وهو حرف يشي بدلالات النهايات الحزينة، وهو ما يتساوق والمنحى العام للقصيدة التي تتناول مأساة وطن، ولعلّه ليس من قبيل المصادفة أن يتوافق تكرار حرف الراء في أغلب مواضع تكراره، فقد جاء في كلمة الاستهلال :
( أداري ) كما في أغلب أبيات القصيدة عبر تعاقب عمودي وأفقي ، إذ تكرر في البيتين الأولين (3) ثلاث مرات في كل بيت، ثم يبلغ ذروة التكرار في الأبيات الثالث حتى السابع (4) أربع مرات في كل منها، وكذلك على المستوى التعاقبي العمودي، فقد تكرر في مستهل الأشطر الشعرية في البيت الأول والثالث والرابع والحادي عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وبذلك يكون حرف الراء حرف استهلال وختام، وهو ما يؤكد حجم المأساة وحالة الانكسار التي تعيشها الشاعرة إزاء واقع كل ما فيه يبعث على الأسى والحزن، ويفجر ينابيع الفجيعة التي تجدها الشاعرة ماثلة أمامها حقيقة وواقعاً
وقد توزعت نسب تكرار الحروف في الأبيات كلها وفق التالي:

الحرف
تكراره
ر
20
م
16
ح
7
هـ
10

ومن خلال جدول التكرار الحرفي السابق نلحظ أن أعلى نسبة تكرار حققها حرف الراء ، وهو حرف مجهور مع صوت الهاء والحاء ، وهما احتكاكيان يضيق فيهما مجرى الهواء نتيجة اهتزاز الأوتار الصوتية بينما انفرد تكرار حرف الميم ، وهو من الأصوات الشفوية ، كما تكرر حرف الحاء والهاء والميم ، وقد أدى هذا التكرار وظيفته التعبيرية في تأكيد الحالة المأساوية التي تعبر الشاعرة عنها مثلما تفيد فجائعية المشهد الموصوف الذي ارتكز إلى حالة ثبات أفادته دلالة التعاقب للأسماء التي جاءت في تراتبية متغلغلة وفق تداخل بين الخبر وشبه الجملتين ، وهو تداخل يعكس حالة الأسى الذي تعيشه الشاعرة أمام مشاهد الخراب التي ترى وتعيش ، وهو خراب لا يقتصر على المستوى العمراني وحسب ، وإنما هو خراب يهدّ النفس من الداخل ، وهو ما راحت ترسمه بريشة القلب ساكبة حبر الدمع على ألوان اللوحة التي ترسم من خلالها مشهد الموت الذي يتراءى أمام عينيها مثلما يسكنها حالة وجدانية تحسها وتكوى بنارها .
تكرار الكلمة : وهو أحد تقنياتها الشعرية الذي تحاول الشاعرة من خلاله أن تستثمر كل طاقات الكلمة ، لتستنطق حروفها ، كما تستنفد إيحاءاتها القريبة والبعيدة في آن معاً
وتُعدُّ الكلمة اللبنة التي تتشكل عبر تواليها في ترتيب معين العبارة التي تفيد معنى ما في السياق النظمي للقصيدة سواء أكانت متوازية أفقيا أم متعاقبة عموديا ، وهذه الألفاظ إما أن تكون أسماء ، فتفيد صفة السكون وما تحيل عليه من ثبات ، أو تكون أفعالاً تفيد الحركة والتجدد والاستمرار ، فهي بتواتر تواردها وفق السياق تعمل على تحقيق وظيفتها التي تحاول التعبير عنها وفق الهدف الذي يريده مبدعها من خلال اللغة المستخدمة ، والأسلوب الذي يستخدمه في سبيل الوصول إلى إنشاء عملية التواصل مع الآخر الذي هو أساس وغاية اللغة ، وبذلك يكون للتكرار وظائفه التي تختلف باختلاف المقصد والتوجه ، فهو يسلط الضوء على نقطة حساسة في العبارة ، ويكشف اهتمام المتكلم بها ، وهو بهذا المعنى ذو دلالة نفسية قيمة تفيد الناقد الأدبي الذي يدرس الأثر ويحلل نفسية كاتبه) فـ : (تكرار الكلمة مفتاح للفكرة المُتسلّطة على الشاعر)
ومن أنماط تكرار الكلمة ما كان بين الاسم النكرة والمعرفة كما في قولها :
عشقا ــــــــــــــــــــــــــــ عشقي
و
احتضار ــــــــــــــــــــ احتضاري
بين الفعل والاسم كما في :
يجاورني ــــــــــــــــــــــــــــــــــ جاري
تكرار التجاور بين الأسماء : دمار في دمار في دمار ، وآه ئم آه

التناص وهو من الظواهر اللغوية التي تؤكد أنه ما من نص يولد من فراغ ذلك أن الإبداع عمل تراكمي يعيد صياغته الفكر المُتجدّد ، ومن أنماط التناص :
أوّلاً ــ الاقتباس : وهو أن يعمد الشاعر إلى آية من القرآن الكريم ، فيقتبس منها اللفظ ، أو المعنى ومنه ما نجده في قول الشاعرة هيام الأحمد :
يا مَنْ يظنُّ السّوءَ فيمَنْ حولَهُ والظنُّ إثمُ الإنسِ في القرآنِ
فقد أحالت على آية إن بعض الظن إثم الظن في قوله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ))
ثانيا ــ التضمين :
ومن هذا القبيل قولها :
فقرأْتُ فاتحةً لموتِ قصائد في الصَّدرِ ترقصُ رقصةَ الحيرانِ
فالبيت يتعالق مع قول الشاعر:
لا تحسبوا أنَّ رقصي بينكم طرباً فالطَّيرُ يرقصُ مذبوحاً منَ الألمِ
ثالثاً ــ تقنية التضاد : وهو أحد أنواع علم البديع ، ويؤتى به بهدف إبراز المعنى وتوكيده وتجلية مقصده ذلك أن الأشياء تعرف بأضدادها ، وهو ما نجده في قصيدتها النونية ، وقد ورد في صيغ متباينة منها ما جاء بين :
الفعل الماضي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واسم الفاعل
ورويت ــــــــــــــــــــــ ظامىء
في قولها :
ورويْتُ ظامىءَ وردِنا ببراءةٍ زادَ العفافُ على مدى الأزمانِ
و هاج ــــــــــــــــــــــ خامد في قولها :

إنْ هاجَ بحرُكَ في الحياةِ لمرّةٍ تلقاهُ دوماً خامداً بركاني

وبين مشتقين مفرد وجمع كما بين :
صغير ـــــــــــــــــــــــــــــ كبائر
إثمٌ صغيرٌ أرتئيهِ كبائراً لولا الخوافي كيفَ بالطّيرانِ
وبين المشتق وأسلوب التعجب من مثل السعيد ــــــــــــــــــــــ ما أشقاني تقول :
أنت السعادة نلتَ بعضَ عبيرها أنتَ السَّعيدُ تقولُ ما أشقاني !
وبين ما ينتمي إلى التذوق : المرارة ـــــــــــــــــ علقم في قولها :
وسقيتْهُ عذبَ الشَّرابِ مكوثراً مزجَ المرارةَ علقماً وسقاني

إنَّ المتمعنَ في شعر الشاعرة : هيام الأحمد يجد متعة في قراءة قصيدتها التي لا تحتجب خلف رمز ، أو تختبىء وراء ضبابية دلالة ، بل هي تُسلّم نفسها بحبّ لا تتملك النفس إزاء هذا التسليم إلا أن تحتضن تلك القصيدة التي تنبض عذوبة ، وتترقرق منسابة كجدول صفت مياهه ، وقد تملكتك الرغبة في أن تنهل منه ، فلا تكاد ترتوي من شرابه .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “السّماتُ الأسلوبيّة في شعر : هيام الأحمد”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق