ثقافة المقال

السخرية في شعر المعتقل المتوكل طه نموذجا

فراس حج محمد*

ولد المتوكل طه في مدينة قلقيلية بفلسطين المحتلة عام 1958، حاصل على الدكتوراه في الأدب والنقد. عمل صحفيا وما زال منذ سنوات، وكان يرأس اتحاد الكتاب الفلسطينيين، أصدر قبل الانتفاضة ديوانين هما: “الخروج إلى الصحراء” 1983 و ” مواسم الموت والحياة “، وصدر له أثناء الانتفاضة ديوان “زمن الصعود 1988، وقصيدة “فضاء الأغنيات ” 1989، وهي مطوله  شعرية . وله كذلك العديد من الدراسات في الأدب والنقد. تقف هذه المقالة عند لمحات من السخرية في ديوان المتوكل طه “فضاء الأغنيات”، ذلك الفن الذي خصصت له دراسة كاملة في شعرنا الفلسطيني بعنوان (السخرية في الشعر الفلسطيني بين عامي 1948-1993)، واستكمالا للبحث أقف عند الشاعر المتوكل طه لأتابع ما بدأته منذ سنوات في بحث هذه الظاهرة حيث يشكل هذا الديوان ـ ربما ـ مثالا لهذا الفن في شعر الانتفاضة، وخاصة شعر المعتقلات لنرصد من خلال هذه الوقفة تجليات السخرية في هذا الديوان، موضوعاتها وأشكالها.

 

تصلح هذه القصيدة/ الديوان أن تمثل نوعا جديداً من السخرية، وهي الشعر الساخر في المعتقلات الإسرائيلية في زمن الانتفاضة، وقد غلب على القصيدة طابع المباشرة وتسجيل الوقائع اليومية، ولا تخلو القصيدة أيضاً من تصوير حياة المعتقل، وما يعانيه المعتقلون من قمع وإرهاب.

تظهر السخرية في بعض مقاطع القصيدة، ويتعدد المسخور منه في هذه القصيدة، فقد سخر من الجندي الإسرائيلي وأدواته القمعية، كما سخر من الأنظمة العربية التي لم تحرك ساكنا لنصرة الشعب الفلسطيني الذي يقدم أطفاله ضحايا للحرية والتخلص من الاحتلال، ويجد الدارس كذلك السخرية من الحلول الجزئية التي كانت تنادي بها بعض الجهات.

كتب الشاعر قصيدته تلك في فترة الاعتقال الإداري الثالث ما بين شباط وآب من عام 1989 في معسكر الاعتقال الصحراوي/ أنصار “3” في النقب، وهذا يعني أن الشاعر قد نظم القصيدة على فترات، فهل أثر ذلك في القصيدة وجوها النفسي؟

يبدو في القصيدة أن انفعال الشاعر كان يعلو مرة، وينخفض مرة، وتسيطر عليه أحيانا أجواء من الكآبة والحزن، وأحيانا تفعم روحه بالتفاؤل والأمل، إنها تحمل مشاعر إنسان عاش حياة لا تخلو من هوان، وكان يؤمن بحتمية النصر، لذا فقد وجد عنده مثل هذا الاضطراب في الحالة النفسية.

وقد تنوعت لذلك الموسيقى في هذا النص، فقد نظمه الشاعر على ثلاثة أبحر وهي: الكامل والوافر والرمل، وقد كان للبحر الكامل النصيب الأوفر، فقد غلب البحر على معظم مقاطع القصيدة، وتمتاز هذه الأبحر بالغنائية والانسيابية وتحتمل توهج العاطفة وتكونها، وتكسب النص خفة ومرونة في النظم.

تختلف النبرة الساخرة من مقطع إلى آخر؛ فقد امتزجت أحياناً بالحماس الثوري، وبعدم الاكتراث بالعدو عدةً وعدداً، الذي قد تراجع أمام أعمال الانتفاضة البطولية، وأصبحت قوته شبيهة بالسراب، ومن هنا كانت السخرية قائمة على المفارقة:

يهد في صخور الكف بركان اللهيب

ويلهبون الأرض تحتك

لا مجال أمام رعبك

غير أن تمضي بعيداً

في الصحاري والسراب.

ويستنكر الشاعر أن يكون هناك سلام بين القاتل والقتيل، ما دام أن القاتل لا يكفّ عن سفك دماء الضحية، لذا فإنه يتساءل ساخراً:

هل فرقوا بين الحلال أو الحرام ؟

أو انثنوا لما تعزمن المشافي

من شظايا الانتقام

وهل يكون السلم ما بين القتيل

وبين قاتله الغصوب.

ويحاكم المتوكل طه بكل هدوء وروية أعمال الآخر رداً على الانتفاضة، فلا يرى فيها أعمالاً بطولية، فليس بطلاً أن ينتصر الجندي على المرأة فيغتصبها، وليس بطولة أن يسجن عجوزاً، وأن يقتل طفلاً،أو يهدم بيتاً، ويخاطب الشاعر الآخر راداً عليه رداً لا يخلو من سخرية مريرة وتهكم لاذع:

وتقول في فخر لأمك:

قد سجنت اليوم امرأة عجوزاً

أو تقول لأختك الكبرى:

اغتصبت مؤخراً بعض النساء

وأنني أغلقت مدرسة.

ويرى الشاعر أن كل هذا إلى زوال، لذا فانه يتابع رده، فيعلّم هذا المحتل حكمة، لا بد أن الشاعر قد آمن بها، فيقول:

تعلم في هدوء

كيف يورق غصن زيتون

بصحراء الخراب.

ويرتد المتوكل طه إلى الماضي، فيراه ماثلاً أمامه، فقد مارس اليهود على الشعب الفلسطيني كل أساليب التعذيب والمذابح والمجازر، التي ارتكبتها النازية من قبل في حق اليهود، إنه أمر يدعو إلى المفارقة الساخرة، فيذكر الشاعر من يخاطبه من اليهود بذلك إن نسي:

هل تنسى؟!

فكيف تقيم لي أوشفتس في الصحراء؟

وكيف تشرد الأزواج؟

كيف تحّرق الأبناء؟

هل تنسى؟؟

أم الدنيا بعرفك دائماً للخلف ؟!.

وثمة سخرية أخرى في النص تتمثل في السخرية من الحلول التي يراها الشاعر هزيلة، حيث كانت تنادي بالانتخابات البلدية، فهذه المجالس –من وجهة نظره-  لم تعد أكثر من مجالس للأنس والتشليح، فيتساءل بسخرية قائلاً:

وأين الحل غير رجوعنا للمسخ

في أثواب تبرير وتزويرٍ

توقعه انتخاباتٌ

وبعض مجالس للأنس والتشليح؟!

وتطال سخرية المتوكل طه العرب، فيعيب عليهم هروبهم، وقد وصلنا إلى باب القدس، لذا فانه لا يؤمن فيهم، فإنهم قد (خلوا) اليهود، ليحولوها إلى (أورشليم)، ومن ثم ليبنوا هيكلهم المزعوم:

وكيف نقول: أنا عند باب القدس

والعربان قد هربت

وخلّتها لتصبح أورشليم الهيكل المزعوم

لا تأمن لهم وهم سبايا العصر.

وتمتزج السخرية أحيانا من العرب بالهجاء، وتعلو النبرة الخطابية، ويغدو النص أكثر مباشرة، فتظهر ألفاظ الهجاء، فالمملوك الأجير أصبح ملكاً على العرش، وذاك ملك ممكيج، وهنا تأخذ السخرية الهجائية غايتها:

هل أصدق عرش مملوك أجير

أو أباطرة الشام

وياقة الملك الممكيج

ولا يرى المتوكل طه في المتاجرين بالقضية الفلسطينية من العرب سوى:

نعل سنلبسه لنقطع بعض أوحال المراحل.

هكذا تبدو السخرية في شعر الانتفاضة وشعر الاعتقال خاصة، فتكون عند المتوكل طه أشبه بمناسبة للتفريغ النفسي والعاطفي المحتقن نتيجة تجربة إنسانية في معتقل لا يرحم سجانُه، ولا يرأف به الساسة المتحكمون، لا شك أنها ستحول الشعر عامة والسخرية بشكل خاص إلى ما يشبه عملية التطهير النفسي عبر سلسلة من الكلام العاطفي المشتعل الذي يبعده ـ ربماـ عن فنية السخرية، أو لا يلتزم بمفردات هذا الفن وأبجدياته؛ فأبجدية الحجارة تفرض نفسها على سواها لتكون هي القصيدة والفعل معاً.

*كاتب من فلسطين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق