ثقافة السرد

“سترة الشيطان”

Dino Buzzati , “ La Giacca Stregata”
كتبها: دينو بودزاتي (1906-1972)
ترجمها من الإيطالية: محمّد وليد قرين.

رغم أن الأناقة في كيفية اللباس تعجبني إلا أنني لا أكترث عامة بما إن كانت السترات التي يلبسها الناس متقنة الصنع أم لا. ولكني تعرّفت ذات مساء على رجل خلال حفل استقبال في منزل بميلانو. كان يبدو رجلا أربعينيا. كانت سترته الجميلة تجعله يسطع ويشعشع بأتمّ معنى الكلمة.
أجهل هويّته. كانت المرة الأولى التي ألتقي به. عندما قدمنا أنفسنا لبعضنا البعض، لم أستطع حفظ اسمه، مثلما يحدث دائما. ولكن في لحظة ما، أثناء السهرة تلك، وجدت نفسي بجانبه، وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث. كان يبدو رجلا مهذبا ومتحضرا، إلا أن هالة من الحزن كانت تحيط به. قمت بمدح أناقته. ربما كانت مني حميمية مبالغ فيها. تجرأت أخيرا على أن أسأله من اسم خيّاطه. آه، ليت الله جعلني أبكما في تلك اللحظة كي لا أسأل الرجل المجهول.
ابتسم الرجل ابتسامة غريبة ، وكأنه كان يتوقع سؤالي. أجابني قائلا:
– قريب حتّى واحد ما يعرفه. بالصّح هو معلّم من الكبار. ويخدم غير كي تنفح له. ما يخدمش لكامل الناّس.
فقلت:
– معناتها بلي أنا…؟
– أوف، جرّب زهرك. اسمه كورتيتشلّا، ألفونسو كورتيتشلّا. يسكن في شارع فرّارا، في الرقم 17.
قلت:
– يكون غالي.
– جاب لي ربّي غالي. بالصّح والله ما على بالي. صنع لي هذه السترة قبل ثلاثة أعوام. لم يبعث لي الحساب بعد.
– قلت لي كورتيتشلّا؟ شارع فرّارا، رقم 17، أليس كذلك؟
– أجل، بالضبط، ردّ عليّ الرجل المجهول. ثم تركني والتحق بجماعة أخرى.
في شارع فرّارا، رقم 17، وجدت منزلا يشبه كل المنازل، وكانت شقة ألفونسو كورتيتشلّا تشيه بقية شقق الخيّاطين الكثيرين. هو من فتح لي الباب. كان شيخا قصير القامة أسود الشعر. ولكن لا شك أن شعره كان مصبوغا.
لم يصعّب الخيّاط كورتيتشلّا عليّ الأمور. بل كان يبدو متحمّسا لكي أصبح زبونه. تفاجئت. فسّرت له كيف كنت قد حصلت على عنوان بيته. امتدحت قُطعته، وطلبت منه أن يصنع لي بدلة. اخترنا مشاطا رماديا ثم أخذ مقاساتي. اقترح أن يأتي إلى بيتي لكي أقيس البدلة. سألته عن سعرها فأجابني قائلا:
– لسنا على عجلة من أمرنا. سوف نجد دائما موضع اتفاق.
ففكرت في أول الأمر: “يا له من رجل طيّب”. إلا أنّني أدركت لدى عودتي إلى البيت، أن الشيخ القصير كان قد نفث في نفسي انزعاجا- ربما بسبب ابتساماته المتكررة والعسلية- بحيث أنني لم أكن أرغب البتة في الالتقاء معه من جديد. لكني كنت قد طلبت البدلة، التي كانت جاهزة بعد مرور عشرين يوما.
عندما تسلمت البدلة، قستها لمدة بضعة ثوان أمام المرآة. كانت تحفة حقيقية. ولكني لم أكن أريد البتة ارتدائها. لا أدري لماذا. ربما بسبب ذكرى الشيخ القصير التي كانت تزعجني.
مضت أسابيع قبل أن أقرر أخيرا ارتداء البدلة.
لن أنسى أبدا ذلك اليوم. كان يوم الثلاثاء من شهر أبريل، وكانت السماء تمطر.
حينما ارتديت البدلة- السترة، البنطلون والصدرة- سُعدت بأن ألاحظ أن البدلة لم تكن ضيقة عليّ، على عكس ما يحدث دائما مع الألبسة الجديدة. إن هذه البدلة كانت تلائمني على أتم وجه.
ليست من عادتي أن أضع شيئا في جيب السترة اليميني، إذ أنني أضع وثائقي في الجيب اليساري. هذا ما يفسّر أنني لم أدرك أنّ هناك ورقة في جيبي اليميني إلا بعد انقضاء ساعات، عندما أدخلت يدي بالصدفة في جيبي اليميني. كنت حينها في المكتب. أممكن أن تكون تلك الورقة هي حساب الخيّاط؟
كلّا. كانت ورقة نقدية تمثل عشرة آلاف ليرة.
وقفت مندهشا فاغر الفم. لست أنا الذي كنت قد وضعتها هناك. من جهة أخرى كان من السخيف التفكير في مزحة من الخياط كورتيتشلّا. وكان الأمر أسخف بكثير إن فكرت في هدية من خادمتي، التي كانت الشخص الوحيد الذي اقترب، باستثناء الخياط، من البدلة. أيمكن أن تكون الورقة النقدية مزوّرة؟ نظرت إليها بعكس الضوء، وقارنتها بأوراق نقدية أخرى. كلّا، بل كانت ورقة حقيقية، وكان من المستحيل أن يكون الأمر غير ذلك.
كان التفسير الوحيد الأقرب من الحقيقة هو أن كورتيتشلّا كان قد وضعها في جيبي سهوا. ربما كان زبون قد أتاه ليدفع له عربونا، ولم يكن عند السيد كورتيتشلّا حافظة نقوده. وكي لا يترك الورقة النقدية تنبو عن مكانها في المحل، كان كورتيتشلّا قد دسّها في جيب سترتي المعلقة على ماثل. أجل، من الممكن أن تحدث أمور كهذه.
ضغطت على الجُرَيْس لأستدعي كاتبتي. كنت بصدد كتابة رسالة موجّهة إلى السيد كورتيتشلّا أعيد إليه فيها النقود التي لم تكن ملكي.
إلا أنني أعدت إدخال يدي في الجيب. أعجز عن تفسير السبب الذي دفعني إلى فعل ذلك.
“ماذا يجري يا دكتور؟ ألست بخير؟” سألتني كاتبتي التي كانت قد دخلت المكتب في تلك اللحظة.
لا بد من أن وجهي كان قد أصبح شاحبا مثل الموت. كانت أصابعي قد لقيت في جيبي أطراف ورقة نقدية أخرى لم تكن موجودة قبل بضعة لحظات. قلت:
– لا لا، لا شيء. أشعر بدوار في رأسي منذ أيام. قد أكون متعبا نوعا ما. بإمكانك الإنصراف يا آنسة. كنت بصدد أن أملي عليك رسالة، ولكن سنقوم بذلك لاحقا.
لم أتجرأ على إخراج الورقة النقدية من جيبي إلا بعدما غادرت كاتبتي المكتب. كانت ورقة أخرى تمثل عشرة آلاف ليرة. جرّبت إذًا حظي مرة أخرى واستخرجت من جيبي ورقة نقدية ثالثة.
أخذ قلبي يخفق بشدة. انتابني الشعور بأنني أتواجد، لأسباب غريبة، في قصة عجيبة مثل تلك القصص التي تُحكى للأطفال والتي يعتقد الجميع أنها خرافيّة.
غادرت المكتب وعدت إلى المنزل، متذرّعا بأنني لست بخير. كنت بحاجة إلى أن أبقى وحدي. لحسن الحظ، كانت الخادمة القائمة بشؤون المنزل قد غادرت المنزل. غلقت الأبواب وأنزلت مغاليق الشبابيك وبدأت أستخرج من جيبي الأوراق النقدية الواحدة تلو الأخرى. كنت أفعل ذلك بسرعة قصوى، وكأنّ تلك الأوراق المتواجدة في جيبي لن تنفد قطّ.
اشتغلت بأعصاب متوترة ومتشنجة، خاشيا أن تزول الظاهرة العجيبة من لحظة إلى أخرى.
​ ​
كنت أتمنّى لو واصلت استخراج الأوراق النقدية على هذا النحو خلال المساء والليل كلّهما ، إلى غاية أن أجمع الملايير، إلا أن قوّتي ضعفت في الأخير.
أمامي كانت الأوراق النقدية متراكمة بشكل مدهش. الأهم كان الآن أن أخفيها، كي لا يراها أحد. أفرغت حقيبة قديمة مملوءا بالبُسُط ووضعت في قعرها الأوراق النقدية، منظّمة على شكل كومات صغيرة، والتي كنت أعدّها الواحدة تلو الأخرى. كان المجموع يعادل ثمانية وخمسون مليون ليرة.
أيقظتني خادمتي في الصباح التالي. اندهشت لمّا وجدتني مستلقيا على السرير محتفظا بملابسي. حاولت أن أضحك، وشرحت لها أنني كنت قد أفرطت نوعا ما في الشراب مساء البارحة وأن النعاس كان قد خطفني فجأة.
أحسست بقلق جديد حينما اقترحت عليّ خادمتي أن أنزع بدلتي لكّي تنظفها قليلا على الأقل.
أجبتها بأن عليّ أن أخرج فورا وأنه لم يكن لدي الوقت لأغيّر ملابسي. ثم سارعت إلى الذهاب إلى متجر ألبسة جاهزة لكي أشتري بدلة أخرى ذات نسيج مشابه لبدلتي العجيبة. كنت أنوي ترك البدلة الجديدة في أيدي الخادمة، أمّا “بدلتي أنا”، التي كانت ستجعل مني في ظرف بضعة أيام رجلا من بين أعظم رجال العالم، فكنت أنوي إخفائها في مكان آمن.
لم أكن أفهم إن ما كنت أعيش في حلم ما، إن ما كنت سعيدا أو إن ما كنت بالعكس أختنق تحت وطأ حتمية لا تُقاوم. في الشارع، وتحت المظلّة، كنت أجتسّ باستمرار جيبي العجيب.
كنت أتنفس منشرح الصدر كل مرة أدخل فيها يدي في جيبي وأشعر بطقطقة الأوراق النقدية التي كانت تطمئنني.
ولكن صدفة غريبة جعلت نشوتي تفتر ، إذ بين صفحات جرائد الصباح كان يرد خبر سرقة حدثت بالأمس. كانت الشاحنة الصغيرة المدرّعة التابعة لمصرف تنقل إلى مقر البنك المركزي حصيلة دفعات اليوم بعد أن مرّت بفروع المصرف. وفي طريقها كانت قد تعرضت في شارع “بالمانوفا” لهجوم أربعة سارقين قاموا بسرقة ما كانت تنقله. عندما هرع الناس إلى مكان الحادث، أطلق أحد السارقين النار لكي يشق طريقه هاربا، وكان على إثرها قد قتل شخص كان مارّا من هناك. ولكني صدمت بالأخص بحصيلة غنيمة السارقين: كان هؤلاء قد سرقوا ثمانية وخمسون مليون ليرة، وهو نفس المبلغ الذي كنت أمتلكه.
هل كان من الممكن وجود علاقة بين ثرائي المفاجئ وضربة السارقين، التي حلّت في نفس الوقت تقريبا؟ كان التفكير في ذلك أمرا لا يتقبّله العقل، علما أنني لست شخصا متطيّرا. مع ذلك تركني الخبر الذي قرأته في الجرائد في حيرة كبيرة.
كلما تحصلنا على شيء ما كلما رغبنا في المزيد. كنت غنيّا من قبل بفضل عاداتي المتواضعة، إلّا أن وهم قضاء حياة ترف فاحشة كان يستحوذ عليّ. وفي مساء ذلك اليوم، رجعت إلى عملي، ألا وهو استخراج أوراق نقدية من جيب بدلتي. لكني حينها كنت أقوم بذلك بهدوء أكبر وبأعصاب أقل توترا. انضمت إلى الكنز الذي كنت قد جمعته سابقا مائة وخمسة وثلاثون مليون ليرة.
لم أتمكن من النوم في تلك الليلة. هل كان السبب هو الشعور بخطر وشيك؟ أو الضمير المضطرب لشخص تحصّل دون استحقاق على ثروة هائلة؟ أو نوعا من الندم الغامض؟ قفزت من السرير عند أولى أضواء الفجر. ارتديت ملابسي وهرولت إلى الخارج بحثا عن جريدة.
انقطعت أنفاسي من أثر الاندهاش عندما قرأت الخبر التالي في الجريدة التي اشتريتها: كان حريق فظيع ناجم عن مستودع مازوت قد دمر نصف مبنى في شارع سان كلورو الواقع في قلب المدينة. من جهة أخرى، كانت النيران قد التهمت خزنات وكالة عقارية مشهورة، وكانت هذه الخزنات تحتوي على أكثر من مائة وثلاثون مليون ليرة. زيادة على ذلك، كان عنصران من الحماية المدنية قد لقيا مصرعهما خلال ذلك الحريق.
هل يجب الآن أن أحصي جرائمي واحدة بواحدة؟ أجل، لأنني كنت أدرك حينها أن النقود التي كانت السترة تهديهم إلي كانت وليدة الجريمة، وليدة الدم، وليدة اليأس، وليدة الموت. كانت نقودا مصنوعة في جهنّم. ولكن في قرارة نفسي كان هناك مكر العقل الذي كان يرفض ساخرا تقبل أي فكرة تلمّح إلى مسؤوليتي في هذه الأحداث المرّوعة، وكان إغراء الربح السريع والسهل يستحوذ عليّ من جديد، وإذا أدخل يدي- كم كانت العملية سهلة- مجددا في جيبي وتضغط أصابعي بلذة شديدة أطراف الورقة النقدية المتجددة. الدراهم، الدراهم الرائعة.
كنت قد اشتريت في ظرف زمن قصير فيلا كبيرة، وذلك دون أن أرحل من الشقة القديمة كي لا ألفت الانتباه.
كنت أمتلك مجموعة من اللوحات رائعة، وأسوق سيارات فخمة، وبعد أن غادرت المؤسسة لــ”أسباب صحية” كنت أسافر في كل مكان من العالم صحبة نساء حسناوات.
كنت أدرك أن كلما كنت أستلم الدراهم من السترة، كان يحدث في العالم شيء محزن وفظيع. ولكن لم تكن العلاقة بين تلك الأحداث الفظيعة والسترة واضحة المعالم ترتكز على أدلة متينة. وبالتالي بدأ ضميري ينحطّ كلما استلمت على أوراق نقدية جديدة. وماذا عن الخياط؟ تلفنت له لأطلب منه الحساب، ولكن لم يجبني أحد. ذهبت إلى شارع فرّارا، ولكن قيل لي هناك أنه رحل إلى الخارج وأنهم يجهلون إلى أين. كل شيء إذن كان يتآمر من أجل أن يبين لي أنني، دون أن أدرك ذلك، كنت قد وقّعت عقدا مع إبليس.
إلى غاية أن تم العثور، في المبنى الذي كنت أسكن فيه منذ عدة سنين، على جثة امرأة ستينية متقاعدة اختنقت بالغاز. كانت قد انتحرت بسبب تضييعها للثلاثون ألف ليرة التي كانت قد استلمتها البارحة (والتي وجدتها عندي).
كفى، كفى. كان يجب أن أتخلص من السترة، كي لا أقع في قعر الهاوية. لم أكن بصدد إعطائها لناس آخرين، لأن الأحداث الفظيعة كانت ستستمر (من كان يقدر على مقاومة إغراء السترة وسحرها ؟). كان تدمير السترة أمرا ضروريا لا بد منه.
أخذت السيارة وبلغت واد نائيا يقع في منطقة الألب. أوقفت السيارة عند فرجة الغابة قم اتجهت نحو الغابة. كان المكان خاليا. بعدما اجتزت الغابة وصلت إلى حصباء “المورينا” وهناك، بين صخرين عاليين وضخمين، أخرجت السترة الرهيبة من محفظة الظهر. صبّيت عليها البنزين وأشعلت فيها النار، وفي دقائق معدودات لم يبق من السترة إلا الرماد.
إلا أن عند آخر اختلاج للنيران المشتعلة، أصدى من ورائي صوت يقول: “راح الحال، راح الحال. لقد فات الأوان، لقد فات الأوان”. بدا لي الصوت صادرا على بعد اثنين أو ثلاثة أمتار. اجتاحتني حالة من الرعب، والتفتّ بسرعة تشبه السرعة التي يقفز بها الثعبان من مكانه. ولكني لم أر أحدا.
قمت باستطلاع المكان ، قافزا من صخرة إلى أخرى قصد اكتشاف هوية الشخص الملعون الذي أرعبني. لا وجود لأحد. لم يكن هناك إلا الحجر.
رغم الرعب الذي شعرت به، نزلت إلى الواد مرتاح البال. أخيرا كنت حرا وغنيا والحمد لله. ولكن عند فرجة الغابة لم أجد سيارتي. كانت قد اختفت. ولدى عودتي إلى المدينة، كانت فيلاتي الفخمة قد تبخّرت هي كذلك. حل مكانها مرج برّي فيه أعمدة تسند لافتة مكتوب عليها: “أرض ملكية البلدية للبيع”. لم أفهم أيضا كيف نفدت تماما إيداعاتي المالية في المصرف، ولا كيف اختفت رزم الأسهم الضخمة التي قمت بإيداعها في خزاناتي العديدة.
الريح، لم أجد سوى الريح في الحقيبة القديمة.
عدت الآن إلى عملي مثقل البال. أتدبر أمري بصعوبة كبيرة. والأغرب في الأمر هو أن لا أحد يبدو مندهشا بإفلاسي المفاجئ.
لكني أعرف أن هذه القصة لم تنته بعد. أعرف أن جرس باب شقّتي سوف يرن في يوم من الأيام، وسوف أذهب أنا حينها لأفتح الباب وأجد منتصبا أمامي، بابتسامته المقرفة والخبيثة، الخيّاط الملعون القادم من أجل تصفية الحسابات الأخيرة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق