ثقافة المقال

جدتي الحكيمة تسعديت من ذكريات الطفولة: فصل الشتاء في بني عزيز

كتبت: سليمة مليزي

كانت جدتي الحكيمة تسعديت، حين يأتي الشتاء تهيئ له الزاد وكل ما نحتاجه في عز البرد ، في قريتنا الجميلة بني عزيز التي تقع في صدر جبل سيدي ميمون الشامخ، ويحدها على الجنبات وديان صغيرة يشكلان خطر الفيضانات في فصل الشتاء ،وما تتميز به من قساوة الطبيعة وبرودة الطقس وسقوط الثلوج بكثافة أحيانا يصل الى المترين أو اكثر ، لذالك كل أهل القرية يدخرون المؤن لمدة طويلة، تهيئا لفصل الشتاء، الغريب انني { لم اسمع يوما ان أحدا مات او جرفته السيول إلا نادرا} لأنهم كانوا يعرفون جيدا قساوة الطبيعة، تعلقهم الكبير بخدمة الأرض في الصيف والحرث وغرس الخضر والفواكه في فصل الخريف ، ويجمعون الحبوب والفواكه والكلى للماشية تحسبا للشتاء الطويل، جدتي تسعديت من بين نساء القرية القويات والتي تملك الخبرة والحكمة والخيرات من حدائق وفواكه، وخاصة الفواكه الجافة كاللوز والجوز والرمان، والعسل، والدقيق بكل أنواعه المصنوع من الحبوب الشعير والقمح ، كل الفصول كنت احبها في بني عزيز، كل فصل له ميزاته وجمالها ، أما فصل الشتاء فكانت له حكاية لا تنتهي ، جمالها وطول الليالي التي كنا نقضيها مع جدتي، كان هناك بيتان واحد عتيق والآخر حديث فيه الهاتف وباحة كبيرة تجمع البيتين وفي وسطة الباحة توجد عين فيها الماء لا يتوقف ن السيلان لأنه كان ينبع من خزان المياه الكبير الذي يمد القرية بالمياه الصالحة للشرب، والذي يقع فوق البيت في أرض جدي ،نظرا لكثرة المياه كان الخزان أيضا تندفع منه مياه غزيرة كل الجيران يأخذون حصتهم لسقي الحدائق، كان البيت العتيق مبني من الحجر، وفيه المطبخ التقليدي ، نسيمه البيت الكبير او (النوالة) ويقولون انه أيضا كان بمثابة مستشفى كل أحفاد جدتي ولودا فيه، فيه رف كبير توضع فيه اواني الطبع مع خزانة جميلة لونها بالأبيض والفيروزي الفاتح، رغم وجود فرن انجليزي كبير مصنوع من {الفونت} وهو يستعمل للتدفئة وللطهي ولتسخين ماء للحمام ،يستعمل بالحطب، ألا أن هناك فرن خاص للطهي يمشي بالغاز،

كانت جدتي تعالج في البيت العتيق الأمراض المستعصية التي كان الطب الحديث يعجز عن معالجتها ، من الأطفال الرضع الى المصابين بالكساح الى النساء اللواتي تأخرن في الإنجاب ، و كانت تداوي أمراض الضغط والسكري بالحجامة ، الكل كان يشهد لها ولقدراتها الحكيمة في العلاج ، كانت تأتي بالأعشاب من الحديقة الكبيرة كنا نسميها { الجنان }، وأتذكر كان بيت آخر جميل مصنوع من الحجر والقرميد وارضه مصنوع أيضا بالحجر يسمى ( الكوري ) كانت توضع فيه المؤن للشتاء و تعلق فيه كل من البصل والثوم والفلف والرمان والجوز واللوز وأيضا السمن الذي يوضع في أناء من الفخار ، وكانت تبيت فيه النعجة الوحيدة التي كانت تمدنا بالحليب ، كنتُ أحب كثيرا الشتاء ، خاصة عندما يقترب وقت سقوط الثلج ، عندما تتلبد السماء بسحب رمادية داكنة اللون ، ويشتد البرد ، ويعم الضباب على القرية ، ويأتي الهدوء ما قبل العاصفة الثلجية ، ندرك أنها عاصفة ثلجية ستهب على القرية ، وكم كنت أحب ذالك المنظر الجميل ، من بعيد تتراءى الأشجار وكأنها تلبس فستان شفاف ، واذا ساد الهدوء في ليلة باردة جدا نعرف أن الثلج سيسقط ، كانت أمي تضع خرطوم المياه أمام الباب في الفناء الكبيرة ، وكنا نقضي الليل نسامره بالقصص الشعبية ، والخرافية المستوحاة من التراث الجزائري العريق ، التي كانت تحكيها لنا جدتي تسعديت ، من القصص المثيرة والمتشوقة ، السابعة سغرونة ، { واللونجة } بنت الغول ، { وابوعميرة سيد الرجال} ، { وحديدوان} واحيانا كانت أمي تحكي لنا قصص الأنبياء ، حكت لي أمي أن أبي رحمه الله كان متعلما أباً عن جد ، كل ليلة يعمل لهم حلقة ويحكي لهم عن قصص الأنبياء والأحاديث النبوية الشريفة ، وحتى التاريخ ، وغيرها من القصص الجميلة ، كانت أمي تصنع المنسج لحياكة الأغطية و { البرنوس } ، و جدتي تهيئ لنا الفواكه المجفف مع الرمان والعسل من أشهى التحلية ، و(الطمينة) بالعسل ودقيق الشعير تسمى ( البسيسة ) ، كان صوت المنسج يحدث ألفة رائعة في قلوبنا ، وصوت ( الخلالة) التي تشيه المشط وهي كبيرة ينبعث وكانه معزوفة موسيقية .

لا انسى كان الدجاج والبطة الوحيدة الجميلة البيضاء ، التي كنت أحبها، والكلب فقط يباتون خارج البيت، كل واحد له خمه وبيته الجميل ، وأيضا كان لنا بيت جميل معلق خارج صور البيت للحمام ، مقابل الحديقة …أتذكر في تلك الليالي التي يتساقط فيها الثلج ، من أجمل الذكريات التي لا تنسى ،و في الصباح الباكر عندما نفتح باب البيت العتيق نجد الثلج غطى الفناء ويبقى طريق إلى الحمام يصنعه الماء المتدفق من الخرطوم ، و يكون في الشتاء ماء دافئ ، وهذه النظرية التي كانت تحيرني ، كيف يكون الماء دافئ ودرجة الحراة تحت الصفر، لان الماء كان يخرج مباشرة من باطن الأرض ، كم كنت انبهر بجمال الثلج الناصع البياض وهو يثقل أغضان الأشجار ، وهي تتدلى واحيانا يسقط تاركا أثرا جميلا على الثلج المتساقط على الأرض ، أتذكر كانت شجرتين من البرتقال أمام البيت ، وكنا نبحث عن حبات البرتقال التي تساقطت بفعل الثلج وهي مختبئة صانعة فجوة ، من جمال الثلج ، كان يصنع على حافة القرميد أعمدة كالنوازل تتشكل بقطرات الماء الذائب ونظرا لبرودة الطقس تتجمد وتتشكل على شكل { كورني الايس كريم } وكم كنا نحب امتصاصه ، وأحيانا نجد عصفور يطير ويحط فوق الشجر يبحث عن حبات الفاكهة المتبقية بين الأغصان ، وأثار ارجله ترسم أشكالا رائعة الجمال على الثلج .
جانفي 2019

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق