قراءات ودراسات

(وردة الشــعر و خنجـر الأجـداد – دراسـة في الشـعر العمـاني الحديـث)

للدكتور ضياء خضير

تقديم: داود سلمان الشويلي

((لم يكن مجرد كتاب لنقل أراء نقدية من هنا وهناك أو التعليق عليها، بل كان كتابا ينم عن وعي تام بعملية الكتابة؛ الكتابة التي فقد لبّها كثير ممن يدعي النقد والعلم والأدب، كانت هناك محطات بالكتاب لتأثيرها في نفسي أكررها أكثر من مرة حينا، وأُسمعها من يجلس جنبي حينا آخر.)).
د.طالب المعمري “الغلاف الأخير”

كل كتاب، مهما كانت المادة التي يضمها، يطرح فيما يطرحه مجموعة من القضايا المهمة ويقف عندها، يدرسها ويحللها ويقول كلمتها فيها. والكتاب الذي سأقدمه في هذه السطور يقدم مجموعة من القضايا التي أعدها من ميزاته العامة، وحسنات تأليفه. وقد كان كتاب الدكتور ضياء خضير(وردة الشــعر و خنجـر الأجـداد – دراسـة في الشـعر العمـاني الحديـث) من هذه المؤلفات التي تطرح تلك القضايا بعد الانتهاء من قراءته.
وأولى القضايا التي يطرحها هي ليست قضية يطرحها الكاتب وإنما تأتي من خلال دراسة كاتب آخر لمنهج المؤلف في تأيفه للكتاب الآنف الذكر وقد حملتها مقدمة الكتاب.
أما القضية الاخرى فقد وردت في الفصل الثاني من الكتاب عن قصيدة التفعيلة التي يعدها المؤلف غائبة عن الساحة الشعرية في عُمان.
والقضية الثالثة هي أن شعراء قصيدة النثر على خلاف الشعراء في العالم، وفي الوطن العربي، ولدوا من رحم المؤسسة الدينية، فكيف آلت بهم الأمور بعد ذلك؟
والقضية الرابعة هي وجود الشاعر العراقي عبد الرزاق الربيعي بين شعراء عُمان في كتابة قصيدة النثر، وهو العراقي الذي تفتحت قريحته الشعرية في العراق وله جمهوره فيه.
***
وعن القضية الاولى فإنه قلما نكتب عن المنهج الذي اتبعه دارس ما عند دراسته أي جنس أدبي. وكثيراً ما نتجاوز هذه الفقرة عند تقديمنا للكتاب الذي يضم الدراسة. وكتاب الدكتور ضياء خضير المعنون (وردة الشــعر و خنجـر الأجـداد – دراسـة في الشـعر العُمـاني الحديـث) في طبعته الثالثة، يضم دراسة عن منهج المؤلف وهو يدرس الشعر العُماني كتبها الدكتور سالم سعيد العريمي بعنوان (منهج الدكتور ضياء خضير الموضوعاتي في نقد الشعر العماني) والتي فيها يلقي الضوء على المنهج الذي إتبعه الدكتور ضياء في دراسته للشعر العماني.

يقول الدكتورسالم سعيد العريمي: ((يعد المنهج الموضوعي من المناهج النقدية الهامة في التعامل مع النص الشعري، ويهدف إلى استقراء الموضوعات الأساسية الواعية واللاواعية في العمل الأدبي، وتحديد أبعادها الدلالية المختلفة، والكشف عن البنى التي تشكل النص من خلال استخلاص الفكرة العامة عبر الدلالات الأساسية التي يمنحها إيانا النص الأدبي، وتحويل ذلك إلى وحدات دلالية تضيء النص الشعري، وتكشف عن رؤاه المختلفة.)). من هذا المنطلق يبدأ بدراسة المنهج الذي اتبعه الدكتور ضياء في دراساته عن الشعر العُماني. وهذا المنهج يمتاز بـ : الثقافة النقدية. القدرة الموضوعية. القدرة على ولوج النص. التقنية النقدية. استخدامه للمصطلحات النقدية. قدرته على الاختزال النقدي.
ومما يعدّه العريمي من مساويء هذا المنهج هي: قلة النواحي التحليلية. الصرامة النقدية. القسوة النقدية.
ونحن نعد بعض هذه المساويء في المنهج الموضوعي هي من ميزاته التي يجب أن يتسلح بها الناقد في رؤيته لأي عمل إبداعي يروم دراسته، وقد استخدمها الناقد الدكتور ضياء خضير، كالصرامة النقدية والقسوة في كتابه هذا، وهما اللّذان تفتقد لهما أغلب دراساتنا النقدية.
إذن، المنهج النقدي الذي اتبعه الدكتور ضياء هو منهج صارم وقاسي في تعامله مع النص. والقسوة والصرامة ليست هي ظلم النص وصاحبه، بقدر ما هي صرامة وقسوة يمكن ان نسميهما بـ “الصرامة والقسوة الابداعية “. وسيتضح ذلك عند قراءة دراسات الكتاب.
الفهرس الذي وضعه المؤلف في بداية الكتاب هو من تأثير هاتين الميزتين “الصرامة والقسوة” فنقرأ فيها :
– التمهيد.
– الشعر العماني الحديث، عقدة التراث والحداثة.
– الفصل الأول: القصيدة الجديدة والقصيدة القديمة: تكامل أم صراع من أجل البقاء؟
-الفصل الثاني:قصيدة التفعيلة، أو الوسط الذهبي المفقود في الشعر العماني الحديث.
– شعراء قصيدة التفعيلة:
– هلال العامري، قصيدة التفعيلة المكتملة.
– حسن المطروشي، الحلم الرومانسي المنفرد.
– سعيد الصقلاوي، غنائية متأخرة.
– سعيدة خاطر، إيقاع الكلمات وإيقاع الحياة.
– ناصر البلال، ابن مدينة صور العمانية وشاعرها.
– يونس البوسعيدي – هاجس الماء والمرايا.
– الفصل الثالث :قصيدة النثر في عمان، الأصول والبدايات.
– شعراء قصيدة النثر:
– سيف الرحبي، حين تصبح الكوابيس أشعارا.
– زاهر الغافري، صورة الوجود الناقصة ونزهة في مرآة.
– سماء عيسى، ما يبقى يؤسسه الشعراء.
– محمد الحارثي، المكان والزمان الآخر، ورحلة الذات في المرآة.
– هلال الحجري، سيرة ذاتية وشعرية خاصة.
– طالب المعمري، حضور ماثل للغياب وحدود المجاز الشعري.
– علي المخمري – شعر الطفولة وطفولة الشعر.
– خميس قلم – صورة العيار والشاطر الذي تحول إلى شاعر.
– عبد الرزاق الربيعي – ليل الأرمل.
ويبيّن الناقد الدكتور ضياء خضير في التمهيد كيف ان الشعراء العمانيين الجدد لم يهتموا بالتراث الشعري العربي العُماني، ومن هذه الفرضية يدرس الشعر العُماني الجديد.
***
كان الناقد صارماً في تناوله للشعراء العُمانيين، فقسم الشعراء الذين اتخذهم نموذجاً للدراسة الى فئات.
– الفئة الاولى: هم الذين يكتبون قصيدة التفعيلة.
– الفئة الثانية: هم الذين يكتبون قصيدة النثر.
ومن الطريف أن نجد من الناحية الاحصائية ان كتّاب قصيدة النثر يعادلون مرة ونصف كتاب قصيدة التفعيلة، على الرغم من أن هذا الاحصاء لا يفيد العملية الابداعية، وإنما هي للمعلومات فقط. وقد تحدّث الناقد عن القصيدة شبه المفقودة في الشعر العُماني، وهي قصيدة التفعيلة التي بقيت مرتبطة مع القصيدة العمودية، عندما أنهى الفصل الاول المعنون بـ (القصيدة الجديدة والقصيدة القديمة تكامل أم صراع من أجل البقاء ..؟) فقال :(( ولئن كان الموقف من قصيدة التفعيلة قد اتخذ، مع مرور الوقت، شكلا أكثر تساهلا وقبولا من قصيدة النثر، فإن ذلك لا يعني أنها درست كما يجب. مع العلم أن هذه القصيدة غير موجودة، إلى وقت قريب مع الأسف، وجودا فاعلا في واقع الشعر العماني المعاصر، ولم تبرز فيها أسماء كبيرة كثيرة، وظلت مرتبطة بالقصيدة العمودية إلا في استثناءات قليلة. وهو ما دعانا أن نطلق على هذه القصيدة (الوسط الذهبي المفقود) أو الضعيف في الشعر العماني، كما سنرى ذلك فيما بعد.)).
***
والقضية الثانية حملها الفصل الثاني المعنون : (قصيدة التفعيلة، أو الوسط الذهبي المفقود في الشعر العماني الحديث).
يقول الناقد: (( أعني بـ (الوسط الذهبي ) تلك الحلقة الوسطى الواقعة بين القصيدة العمودية وقصيدة النثر المكتوبة خارج العمود الشعري. وهي حلقة نعتبرها مفقودة في الشعر العماني الحديث لأنها لم تقدم أسماء مهمة، أو لا خلاف على أهميتها، كما هي الحال في القصيدة العمودية وقصيدة النثر.)).
أي ان قصيدة التفعيلة الناضجة، والنابضة بالحياة، لم تقدم أسماء مهمة عل خارطة الشعر العربي في عُمان.
وقد درس الناقد قصيدة التفعيلة شبه المفقودة والتي لا ترتقى لأن تكون قصيدة تقف مع قصائد الشعراء العرب في القيمة الابداعية من خلال ستة شعراء عمانيين، وهم: – هلال العامري، حسن المطروشي، سعيد الصقلاوي، سعيدة خاطر، ناصر البلال، يونس البوسعيدي .
***
أما القضية الثالثة فيقدمها الناقد في الفصل الثالث من كتابه الآنف الذكر، إذ يقرر من السطور الأولى:
1- (( لقد خرج أغلب شعراء قصيدة النثر العمانية من بطن المؤسسة الدينية التي لم يصبها التغيير منذ قرون. وبدلا من ان يحاول هؤلاء تطوير القصيدة العمودية بموضوعاتها وأغراضها وأوزانها العروضية الثابتة، أو ينحرفوا عنها قليلا ليكتبوا قصيدة (التفعلية ) على النمط الذي حاوله قبلهم شعراء آخرون من العمانيين والعرب ، نراهم يمارسون في عرف بعض الدارسين ما يشبه محاولة الهرب إلى الأمام. وهم يلوّحون بأيدهم من بعيد، ويخرجون القصيدة الجديدة لقرّائهم فجأة كما يخرج الحاوي أرنبا، عارفين تمام المعرفة أن هذه القصيدة لن تكون مفهومة ولا مقبولة لدى الكثيرين من مواطنيهم ونقادهم إلا بوصفها لونا من ألوان الطرافة التي لا يمكن لهؤلاء المواطنين والنقاد أن ينظروا إليها بجدية كافية. وربما رأوها في حالات اخرى هامشا ضروريا يصلح لتثبيت حق القصيدة العمودية في الوجود والسيادة. وحتى حينما يعرف هؤلاء أن بعض شعراء قصيدة النثر قادرون فعلا على أن يكتبوا القصيدة العمودية بكل شروطها العروضية والمعنوية، فإنهم لا يشعرون بأكثر من الأسف على هذا العبث الذي لا طائل من ورائه. وكأن المسألة تقف لديهم عند حدود نظم شعري جرى تضييعه أو التفريط به، ولا تتصل بوجود رؤية شعرية مختلفة تتطلب شكلا مختلفا،غالبا ما ينتهون برده إلى ( الغموض). فهي نوع من (اليوناني) الذي لا يفهم ، ليس فقط لأن معانيه بعيدة مستغلقة، وإنما أيضا لوجود الإحساس بأن مرجعية هذه القصيدة غير عربية تماما، وأنها اشبه بالترجمة لقصيدة أجنبية منها الى القصيدة المؤلفة أو الموضوعة حسب مواصفات الشعر العربي المعروفة طوال تاريخ هذا الشعر.)).
2 – ((أما فيما يتعلّق بالشعر العماني المكتوب وفق هذه الطريقة فلم يكن بعيدا عن هذه التطورات على الأقل بالنسبة إلى كثير من مثقفيه وشبابه الناهض والمتطلّع إلى كل ما هو جديد. ويمكننا القول إنّ شعراء قصيدة النثر العمانية البارزين قد تأثّروا فعلا بالنماذج الجيّدة من قصيدة النثر العربية والقصيدة الأجنبية المترجمة، وربما المكتوبة بلغة أجنبية في حالات معينة. وذلك أمر بديهي ولا يحتاج إلى فضل بيان لتأكيده أو توضيحه)).
نحن نعرف من خلال سيرورة وصيرورة الشعر العربي الذي يولد من رحم المؤسسة الدينية يحمل معه بذور إبتعاده وتجرده من تلك المؤسسة، فيأخذ القالب الذي صب به شعراء هذه المؤسسة شعرهم ويأتي بجديد الافكار والموضوعات فيه، أي انهم يكتبون الشعر العمودي بأفكار وموضوعات جديدة، إلّا ان شعراءعُمان بدلاً من ذلك كتبوا قصيدة النثر، أي انهم تخلوا عن الشكل وما يضمه من أفكار تابعة للمؤسسة الدينية.
***
بعد ذلك يبدأ الناقد بدراسة نماذج من شعراء قصيدة النثر العُمانية ابتداء من:سيف الرحبي، زاهر الغافري، سماء عيسى، محمد الحارثي، هلال الحجري، طالب المعمري، علي المخمري، خميس قلم . وينتهي بالشاعر العراقي المقيم في عُمان عبد الرزاق الربيعي، الشاعر الذي يمثل اشكالية موضوعية عند دراسة الشعر العماني.
هذا الشاعر قد بدأ كتابة الشعر ونضج شعره وهو في موطنه الأصلي العراق ثم ارتحل الى عُمان فكان فيه شاعراً كبيراً مقتدراً.
إذن الشاعر عبد الرزاق الربيعي هو شاعر عراقي الأسس، عًماني البناء والتشطيب النهائي.
***
بعد هذه الرحلة مع كتاب (وردة الشــعر و خنجـر الأجـداد – دراسـة في الشـعر العمـاني الحديـث) فإننا نشكر للدكتور الناقد والباحث جهده الكبير هذا في التعريف بالشعر العُماني.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق