ثقافة السرد

نتوءات

بقلم: على حزين

عندما قامت من نومها .. وقفت أمام المرآة .. بعدما خرجت من الحمام .. كالعادة بشكيرها علي رأسها.. لكنها لم تطنطن بالغناء مثل كل يوم.. برغم جمال الطقس.. والجو الرائع البديع , والشمس تطل من كل النوافذ , وتمرح خيوطها الذهبية في المكان .. وقفت .. تهيئ نفسها قبل الخروج .. نظرت في وجهها .. فاكتشفت بأن هناك خطوطاً , بدأت تظهر علي وجهها , تجاعيد صغيرة , نتوءات , راحت تظهر بشكل ملحوظ , مسحت وجنتيها بيديها .. ثم شرعت في وضع الطلاء” المكياج ” لتخفي عوامل الزمن .. ثم مسحت تحت عينيها الواسعة , التي طالما سحرت بها قلوب , وسلبت بها عقول .. لم يبقى من سحرها إلا القليل .. تحسست رقبتها , وذقنها بأناملها الطويلة , تلك الرقبة التي كانت تشبه أبريقاً من الفضة , راحت هي أيضا تفقد لمعانها , وبريقها , تتأوه , وهي تدس يدها في صدرها , تتحسس نهدها الصابئ , وكأنها تريد أن تسكت تمرده , وصراخه , وتمسح دموعها الشاكية , الباكية , فرغت من وضع الطلاء , وإعداد وجهها الخمري علي المرآة وقد صففت شعرها الناعم , الذي غزاه بعض الشُعيرِِات البيضاء , ثم قالت : بصوت لا يسمعه غيره أو هي ترتدي باقي ثيابها للخروج

ــ دوام الحال من المحال , فسبحان مغير الأحوال .. وسبحان من له الدوام ..

كانت زهرة يانعة , وثمرة شهية , ووردة متفتحة بهية , تفوح بالعطر وبالعبير , مبهجة للعيون , وكانت في مشيتها تتصنع , وفي نظرتها تتدلل , وكان الكل يطلب رضاها , ويخطب ودها , وهواها , ويتمني لها الرضي لترضي , فكانت تتمنع , وترفض طالب كل ودٍ , وتتمنع علي محبيها , والراغبين فيها , والارتباط بها , حني يأس المعجبين , والمحبين , والمريدين , بعدما تركت في قلوبهم جراح عميقة , وغصة في الحلق , ومرارة في الفراق , لا ينسيها الزمن , فهي تبحث عن الحب العذري , والرومانسية التي تراها في المسلسلات الهندية , والتي تقرئها في القصص , والروايات, لذا رفضتهم جميعاً , بما فيهم أنا , حتى لما سألتها , ذات لقاء بيننا

ــ لماذا ترفضي الارتباط بي .؟!!

قالت : وهي تضحك .. وقد نظرت نحو الأفق البعيد ..

ــ لأنك لست فتي أحلامي المنتظر ..!.

هكذا كانت تقول ليّ , كلما سألتها , ثم تضحك مني , وتتركني , وتنصرف , فانعي حظي , وأتمنى لو لم أكن قد أحببتها , وأتمنى أن لو أنساها , فأنا لست فارس أحلامها المنتظر , ومرت سنين ورائها سنين , تزوجت فيها, وأنجبت , وكبرت , وهي مازالت تنتظر , فارس أحلامها المنتظر , ونسيتها تماماً , أو قل كدت حتى كان هذا الصباح , وأنا في طريقي لإحدى المصالح الحكومية , التقيتها في طريقي تعرفت عليها بصعوبة بالغة , فتاة تناهز الأربعين من عمرها بقليل , ترتدي ثياب متواضعة جداً , وقد فقدت الكثير من بريقها , ورونقها , وجمالها , وأصابع الزمان أبت إلا أن تعلم عليها , اقتربت مني بخطوات ثقيلة , ضعيفة مترددة , فوقفت أنظر إليها , أتأملها , فخلتها وهي قادمة نحوى , كعجوز في سن الأهرامات , أو كأنها مومياء قامت من مقبرتها تواً , أوفرت من إحدى المتحف الدولية , لكنها مازالت تحتفظ بشيء ما من جمالها , ابتسمت لها , وهششت وبششتُ في وجهها , فهي كانت حبي القديم , لا أنسى ذلك , وإحدى أمنياتي التي لم تتحقق , سلمت عليها , وقد وضعت يدها في يدي , وراحت تسألني عن حالي , وأحوالي , وأنا أيضا سألتها بدوري ,عن حالها .؟.. وعينيَّ تنظر في زرقة عينيها لأكتشف أني لم أزل مشدودا نحوها بخيطٍ رفيع , وشيء خفي , برغم طول السنين التي مرت علي البعاد , وبرغم الهالات الداكنة التي صنعها الزمن , ووضعها تحت عينيها , وبدأت تظهر عليها , فلما رأتني , وقد ضعفت أمامها , كما كنت في الماضي .. ابتسمت لي .. ابتسامة رقيقة .. ثم سهمت .. تذكرت يدها .. التي تركتها في يدي , ضغطت عليها برفق , فوجدتها قد فقدت الكثير من نضارتها , ونعومتها , ولينها , وابتسمت لها , ورحت اسألها عن فتى أحلامها ..؟

ــ كيف هو .؟؟ , وكيف حاله ..؟؟ .. وهل …؟!! .. وهل .. ؟!! ..

سريعاً قطعتْ حبل أسئلتي , الذي ألقيته عليها , لتخبرني بأنها لم تتزوج بعد وإلي الآن لم يأتي هذا الفتي المنتظر ..؟.. وبأن العمر قد مر , وفر من بين يدها , وهي كما هي ..؟!.. محلك سر..!!..وبأنها اكتشفت أخيراً بأنها كانت , تجري في مكانها وتنتظر , بل وتبحث عن سراب .. ؟!.. وكيف انتظرته سنين يأتي .. ولم يأتي .؟!. وهيهات هيهات أن يأتي , فالعمر مر , سريعا وفر , وانسل شبابها , وجمالها , وفجأة .. سلت يدها من يدي , وهي تقول لي : بنبرة كلها ألم , وحزن السنين الخوالي …

ــ كنت محقاً . وأنا كنت مخطئة , في حقك , سامحني

ــ ………..

سهمت قليلا , وشردت طويلا , وسرحت بعقلها , وراحت تسترجع أيام الصبا , وأيام كانت تمشي , وتقول ” يا أرض أتهدي ما عليكِ قدي ” وهي تمشي في الشارع , فيمشي خلفها طابور من المعجبين , وكانت تطربها كلمات المدح , والثناء عليها , وعلي جمالها الفتان , فتشعر وكأنها تطير في الهواء , فتصدم رأسها بالنجوم , والكواكب الشهباء, وتذكرت كيف كانت تتعمد أن ترتدي الفساتين التي تبرز كل تفاصيل الجسد , الساحر, بكل هضابه ومنحنياته ومرتفعاته , حتى تجعل كل من يراها , لا يستطيع أن يقاوم جمالها , ولا يمكن تحول عينيه عنها , مهما كان من هو , ومهما بلغ من التحفظ , والوقار, كانت بنظرة واحدة من عيناه كفيلة لتجعله يلقي كل أسلحته , ويستسلم , فان استعصى , أو استصعب عليها , ألقت إليه النظرة مع بسمة , تدك كل قلاعه الحصينة , ويلقي كل أسلحته , وما عليه من وقار, وحشمة , ويخلع ما عليه من هيبة, وتحفظ , فلا يستطيع المقاومة ولا الصمود أمام فتنتها الطاغية.. هززت يدي أمام وجهها .. وحتى لا ادعها تطيل شرودها سألتها :….

ــ من أين جئتِ ,,؟ .. والي أين تذهبين .؟

ــ ……………

ترجع إلي نفسها .. تضحك, ضحكتها المعتادة , التي فقدت رنين صداها الجميل , وراحت تسرد لي , كيف كانت تفكر فيَّ , وكيف ندمت أشدَّ الندم , علي عدم الارتباط بي , وكيف في هذا الصباح , داهمها شعور أكيد , بأنها ستراني اليوم , بالرغم من مرور كل هذه السنين الطويلة ….. و ….. و …..

وكنت أسير , وأنا لجوارها , أستمع لحديثها , وقلبي معها , مشفق عليها , وعقلي في مكان آخر , حتى بدت لي البناية الحكومية التي أقصدها , فتذكرت ما خرجت من أجله .. وقفت فجأة .. استأذنت منها بلطف , مخبراً لها , بأني عليَّ أن أقوم بعمل شيء ما هنا , وقد أشرت لها علي المكان بيدي , هزت رأسها , ثم ابتسمت , وهي تمد يدها لتودعني بابتسامتها الجميلة , نزعت يدي من يدها برفق ورحت أعبر الشارع , وأنا أتفادى زحام البشر , والعربات , وأنا أفكر فيما سأقوم به بداخل المصلحة , وأيضاً أفكر في طلبات المنزل , وما طلبته مني أم الأولاد , وأنا عائد إليها , لأحضره لها معي , من طلبات المنزل , وظلت أقفز , وأسير , وهي واقفة مكانها , تنظر إلي , وأنا أسير للأمام , ولم أنظر خلفي , أو للوراء مرة أخرى ,,,,

**********************

بقلم / على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر

الاثنين 11 / 6 / 2018

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق