ثقافة السرد

أسرى الشرانق

معمر طاهر الشريف

عندما تتشابك خيوط الممكن والمستحيل في ذهن الإنسان ، ويُذِيبُ واقعه ما يجوز و ما لا يجوز في خليط متجانس …و حينما يعجز عقله عن تفكيك ما يحدثه تصرفه وتصرف غيره من قنابل موقوتة ، تهدد وجوده بالانفجار في أية لحظة …حينها يحمل جسده البالي المتهالك ، ويجر ذيول خيبته وهزائمه وانكساراته ، ويغادر بعيدا دنيا البشر …ويحاول أن يستريح من ضغوط أيامه ولياليه المزدحمة المثقلة بالأسى والتوتر واليأس …ويرضى بغيبوبة لذيذة تنسيه أنه إنسان …وتنسيه من يمارس حياته البشرية معهم …ولا يجد غير الطبيعة ملاذا و أنيسا وصاحبا ومحاورا …فينخرط في صفاء هداياها المغرية ليبلغ مراد النفس ومبتغاها مجانا وبدون مقابل ….لا يدفع شيئا …لكنه قد يفوز بالكثير … !!!
وصلتُ إلى الغابة المحاذية التي تكلّل هامة قريتي الصغيرة ، حاثا الخطى لاستغلال وقتي الذي نويت أن أقضيه في محيط سحرها كاملا غير منقوص …اخترتُ المكان الذي سيكون متكأ لخلوتي …وحدي هنا ..أحتكر لنفسي ما لذ وطاب وأبهى وأمتع …جمال أخاذ و آسر يحيط بي من كل جانب …ارتميت في خضرة إحدى المروج على ظهري مسترخيا …ومددت يداي ورجلاي إلى أقصى ما يمكنها التمدد …وحدقت في الأفق الرحيب البعيد …والهدوء المطبق يحتويني …
فتحت أزرار قميصي عن آخرها تحت شجرة أرز كبيرة ،وتركت النسمات الجبلية المنعشة تعبث بقفصي الصدري فيزداد انشراحه كلما تتابعت حركاته صعودا وهبوطا …
التهمت رئتاي الهواء الصافي النقي بشَرَهٍ لا يوصف كأنني لم أتنفس بعمق في محيط وجودي منذ شهقة مولدي .. كلما بالغت في التنفس أكثر أحسست بالهواء يتسلل إلى أعماقي فينعشها ، وينسيني وجودي وواقعي فأتماهى في المطلق العميق ، الذي لا يؤطّره حدٌّ …فأغدو كقطرة طَلٍّ تتوق إلى معانقة المحيط دون خوف من كثافة زرقته الداكنة …
سافرت عبر سواد عيني المطبقتين محاولا أن أجلو كُنْهَ حقيقتي وحقيقة غيري من البشر، بين ما يريدون وما يحققون …وما يتمنون وما يجدون …وما يزرعون ويجنون و فاجأني قول الخيام ماثلا بشموخ في محيط وعيي يترنم :
صفا لك اليومُ ورقّ النسيم وجالَ في الأزهار دمعُ الغيوم
ورجّع البلبلُ ألحانــَــــــــــــــــــه يقول هيا اطرب وخَلِّ الهموم
وباشرت أنا بدوري في حصد ما أمكن من نشوة في محيط هذا الحيّز الساحر ، منتهى ما أبتغيه هو أن أفرغ ما في النفس من هموم وغيوم وضباب …واترك داخلها يستريح …لأني على يقين لا يخامره شك بسيط ، أنها ستمتلئ ثانية إلى أقصاها بعد حين ….ولست أدري بماذا ..؟ والبشر مثلي قد يصل الكثير منهم إلى توفير مال قارون ، بيسر ولين …لكنهم يعجزون عن شراء بسمة عميقة، وانتشاء طاغ يحس بهما الجائع عندما يجد طعاما ….ومتسولا عندما يجد غطاء ….ومهموما عندما تغادره همومه بعد نكد …
فماذا يفيد هذا اللهث المحموم على شرك الامتلاك وتفتيت النفس والروح معا لتقوية الأرقام ومضاعفتها …ومراد النفس من هذا كله هو الامتلاك ذاته لا لشيء أخر غيره …تطاولا وتعاظما …
والآخر المسكين يطارد أملا ضائعا بين متاهات المستحيل ليمسك بلحظة حياة عادية ولا يستطيع ..فيغدو كونه داكنا كبقايا دخان أسرته أقبية الكهوف المظلمة ذات لحظة طائشة …ونسته هناك …..
فسيان في نظر الحياة بين معدم لا يملك شيئا …وبين من يملك كل شيء تكديسا وتخزينا وكنزا وتقتيرا …
وأحسست ثانية بصوت الخيام ينتحب بحرقة في داخلي :
زخارفُ الدنيا أساسُ الألم وطالبُ الدنيا نديمُ النَّدم
فكن خَلِيّ البال من أمرها فكلُّ ما فيها شقاءُ وهَمّ
بعد أن بلغتْ درجةُ انتشائي بخلوتي ذروتها في هذا المحيط الطبيعي الفاتن …ملتهمة هواءه … هدوءه …مناظره الساحرة الآسرة ..استفقت وتحسست ما يحيط بي فلم أجد غير نسائم الهواء المنعش تتلاعب بقمم أشجار الصنوبر ، فتنعش الأذن بألحانها الشجية …وشجرة الأرز فوقي تعلوا خشخشتها حينا وتخبو ..كأنما تعزف دورها في هذه المقطوعة العذبة التي تؤديها أركان الغابة بأكملها ….والأغصان تتراقص لتمارس لعبة الكر والفر مع أشعة شمس الأصيل التي بسطت نفوذها الطاغي على المكان ….
تذكرت ملامح ذاك الذي استوقفني فوق الممهل الكبير عند مخرج القرية باتجاه الغابة …. حافي القدمين ….لا أثر للأزرار في قميصه الذي أذهب البلى والغبار ، وما يلامسه من أطعمة وسوائل ، لونه الأصلي ….. أكمام تتدلى ……وسروال قصير ، يظهر من خلاله مكشوف الساقين والركبتين ….شعر منفوش ..وعينان جاحظتان ….
حالما بلغت مركبتي ذروة الممهل ، فاجأتني قبضة يده على الزجاج ، وهو يلح في الطلب :
” قارّو ” …قارّو ….
ويشير مقربا باطن سبابته والوسطى من يده اليمنى إلى فمه ويجذب أنفاسا
قلت : أنا لا أدخن …
وأسررت في نفسي : وكيف تُقنع مثل هذا المولع بما يحتاجه اللحظة أن طلبه ليس في حوزتك ؟…وما يبحث عنه لا تستطيعُ أنت توفيره له ، خاصة في هذه الظروف …حتى ولو حاولت إقناعه فعبثا تحاول …
أخرجت قطعة نقدية من فئة مئة دينار ، ووضعتها في يده ….تأملها …قلبها في يده ،وحدق في وجهي جيدا وأردف :
“قارّو “….
ما احتوته الدنيا من كنوز ، وما انطوت عليه من خيرات في هذه اللحظة ، لا تساوي عنده مقدار ” قارّو” وأعليت صوتي لينتصر على صوت محرك السيارة وقلت :
ماكانش ….
ابتعدَ عني وشفتاه لا زالتا تتمتمان بطلبه :
..قارّو …قارّو …
القطعة النقدية توفر له أكثر من سيجارة واحدة قد توفر له علبة بأكملها ….لكنه لم يأبه بها …لم تُفرحه ، لم تُغير مزاجَه …لم يأخذها وينزوي بعيدا وهو يفرح وينتشي كما يفعل غالبا صغارُ العقلاء وكبارُهم …..لا شيءَ يغري في العالم المجنون سوى ما يحتاجه اللحظة ….لا يتطلع المرء إلى سواه ….لا يحتاج غيره …..ولا يقبل بأكثر مما يُريد ….
واصلتُ طريقي …
القطعة النقدية حتما سيرميها على قارعة الطريق أو في وسطها أو في أي مكان آخر كعادته دائما عندما يتلقى مثل هذه القطع من الناس ….لأنه لا يحتاجها في مثل هذه اللحظات التي يريد فيها سيجارة فقط ..
هو نفسه هذا الذي يسميه البشر مجنونا يفاجئني في الكثير من المرات في مقاهي المدينة الكثيرة ويبلغ طلبه هذه المرة أقصاه ….يريد فنجان قهوة وسيجارة …حتى ولو أعطيته مالا كثيرا فسوف لن يكترث ولن تفتر تقاسيم وجهه عن ابتسامة فرح وقبول …حتى ولو وضعت شيئا مما في جيبك في يده فسوف يرميه أمامك ……أو يتركه يتسلل منها إلى الأرض ……يحتاج فقط أن تضع قيمة فنجان القهوة والسيجارة في يد النادل أو على مصرف المقهى …يشعل سيجارته ويلتهمها بشره ….و يفرغ ما في الفنجان من قهوة في جوفه برشفة أو رشفتين …ويتابع مص سيجارته بنهم كبير …وينفث دخانها في الهواء بزفرات متتالية …ويخرج مسرعا ليمارس ذرع الطرقات والأزقة …لا يكل ولا يمل …..لا يتوقف إلا عندما يريد شربة ماء …أو طلب كسرة خبز مما يجود به أصحاب المطاعم …أو استراحته المعهودة لاحتساء فنجان قهوة …وتدخين قارّو
اعتدلت في جلستي تحت شجرة الأرز الكبيرة التي احتوتني ظلالها وسط الغابة ونشطت نفسي وجدّت في طرح أسئلتها المعتّمة المعهودة …
لماذا يتهافت الكثير من بني البشر على المال ، ويفنون العمر من أجل امتلاكه وتنميته وتضخيمه حتى يتعاظم ويطغى على الذات ….فيعميها حينا ويبطرها ويطغيها حينا آخر…. والحياة عند البعض لا تتعدى قيمتها ثمن سيجارة ، وقد يكتفون باللاشيء إذا لم يجدوا شيئا …الوجود يساوي فقط ثمن “قارّو “…أو ما تحتاجه في أقصى ظروفها ثمن قهوة ساخنة …وقارّو موقد يتصاعد في الأفق دخانه ….؟
وهل العالم الذي يسبح هذا المجنون فيه ، هو عالم اللاوعي الذي يريد العقلاء شراءه بالخمر والمخدرات بما أوتوا وبما يكنزون من ذهب وفضة في بيوتهم والبنوك ……وقد تمتد أيديهم لواذا إلى مجوهرات حريمهم إن ضاقت بهم السبل وتقطعت بهم الأسباب وحال حائل بينهم وبين ما يشتهون ….والذي لم يشتر عالمه اللاواعي الذي يريد الولوج فيه بمثل هذه المحرمات …أليس هو الذي يرضى عنه عندما تخدره فكرةٌ ما …أو اقتناعٌ ما ….أو توجهٌ ما ….أو تقليدٌ ما في الحياة …يمارس فيها جنونه بشموخ الواعي العاقل ……الجنون أصيل في البشر .ما لم يُهدَ إلى صاحبه ليمارسه بلا مقابل وبلا ذنوب ….اشتراه بأمواله الكثيرة …ومارسه بأكوام من الذنوب والخطايا والألم كذلك …؟
ولماذا نمارس فعل الهروب المحموم من تجمعاتنا المريضة …بعيدا عن عالم العقلاء ….ونهرع إلى العالم اللاواعي الذي توفره الطبيعة ….ونمارس طقوس الصمت لنفهم كل شيء …بعد ما أتْعَبَنا الحديثُ والنداءُ والصراخُ ولم نفهم شيئا …
هذا الانزواء عن الجمع هو أعظم فرصة مواتية لممارسة طقوس الصمت المقدس الذي يغوص فيه صاحبه إلى أعماق الأعماق ليكتشف معاني الحياة الحقيقية في أقصى تجلياتها …ويمسح عن نفسه كل ما علق بها من أوضار الجشع و التكلف والخديعة والنفاق التي تعج بها دنياه المجنونة …
لملمت شتات ذاتي المبعثرة من فوق أديم المروج الخضراء …وأعدتها إلى ما كانت عليه ..واسترجعت تركيز تفكيري في ما يحيط بي …فوجدت ما غادرته قبل قليل ، وأخذني شرودي بعيدا عنه ، لا زال مستمرا …حفيف الشجر …خشخشة الأوراق المرمية يعبث بها نسيم المساء ، وحفلات الطيور وأصواتها تنتقل من مكان إلى آخر في حيز الغابة الشاسع …وجدائل الشمس تحجبها الأغصان تارة وتطويها ثم ترميها على الأرض وتزرعها مفرقة تارة أخرى … غير أنني أحسست بخفة تسري في أوصالي ..وموجات الهواء المنسابة إلى صدري تزداد قوة وعذوبة … طاردة ما في قارورات نفسي من طاقات سلبية مدمرة ، تخرجها وترميها بعيدا عن الروح ..وتغسل بالنقاء والطهر الأغوار …
غادرت المكان تاركا كل هواجسي وتوتري وضغوطاتي القديمة مبثوثة في أفق الطبيعة المفتوح ..وهيأت نفسي طائعا لاستقبال الجديد منها في ما سيأتي من أيام ….وانحدرت إلى الأقبية المغلقة التي تغزو دوائر كل المدن ، وعدت إليها مطأطئ الرأس راضيا لأعبئ قارورات توتري ، وقلقي ، الطافحة بالشحنات السلبية من جديد …

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “أسرى الشرانق”

  1. شكرا للقائمين على المجلة…خاصة في وقت العزوف عن القراءة بين بني امة إقرأ..
    استمتع بقراءة كتابات اخي و زميلي معمر…تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق