قراءات ودراسات

الكتابة والتخييل في رواية “صديقتي اليهودية” لصبحي فحماوي

د. محمد عز الدين التازي

مدخل:
في مدخل هذه القراءة، أحب أن أفتح أفقا، أو آفاقا ممكنة، لقراءة رواية “صديقتي اليهودية”، للروائي والقاص المبدع صبحي فحماوي، وفي هذا الصدد، أقترح عدة مداخل نقدية لقراءتها، ويمكن توصيف هذه المداخل، أو القراءات الممكنة، على النحو التالي:
القراءة الأولى: هل هي رواية تنتمي إلى الأدب العربي الفلسطيني باعتبارها تُبَئِّرُ محكياتها في صلب الوعي الشقي الذي يعيشه ساردها جمال قاسم، المنشغل بالقضية الفلسطينية ومعاناة الفلسطيني والعربي من نظرة الآخر المنحازة إلى الكيان الإسرائيلي؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن تصنيفها ضمن الأدب الروائي الفلسطيني، الذي أصبح له كتابه الكبار من أمثال غسان كنفاني، جبرا إبراهيم جبرا، أميل حبيبي، يحيى يخلف، أفنان القاسم، وآخرين اشتغلوا بالكتابة بفلسطين، حتى وهم ينتمون إلى بلدان عربية أخرى، فالجرح الفلسطيني هو جرح عربي، جعل العديد من الكتاب والمثقفين العرب يحملون شعار فلسطين كدولة علمانية يمكن أن تشكل نواة لعالم عربي تسوده العلمانية باعتبارها حلا لمشاكل التفرقة الدينية والطائفية، وكان ذلك حلما للمثقفين العرب، الذين تحدوا من خلاله الصرعات المذهبية الدينية والطائفية، لكنهم لم يصحوا منه إلا على تمزق الوحدة الفلسطينية، التي كانت، رغم تعدد الفصائل من منظمة فتح إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، تمثل وحدة فلسطين، فلم يكن الصراع السياسي والإيديولوجي بين الفلسطينيين والفلسطينيين، بل كان صراعا استطاع العدو الإسرائيلي أن يخترقه، في تحقيق اختلاف جذري بين الفصائل حول تحرير الأرض الفلسطينية أولا، أو قيام دول فلسطين التي عليها أن تحرر الأرض عن طريق المفاوضات، ومن ثمة جاءت معاهدة أوسلو، التي وقعها ياسر عرفات مع العدو الإسرائيلي، بحضور الرئيس الأمريكي الذي كان يحمل صفة راعٍ لاتفاقية السلام.

في منحى وعي الرواية بالقضية الفلسطينية، وتقدم العديد من الحوارات التي لها طبيعة المناظرة والحجاج العقلي كما عرفا في تاريخ الأدب العربي، وحيث يحضر الصوت الفلسطيني في صوت شخص الرواية وساردها جمال قاسم،( في رواية فحماوي- صديقتي اليهودية-) المدافع عن هويته وانتمائه إلى فلسطين وقضيتها أمام أناس يكرهون صورة العربي والفلسطيني، مما يجعله معرضا للدفاع عن هويته الفلسطينية، وعن أرض فلسطين التي احتلها الغزاة الإسرائيليون بعد أن قامت سلطات الانتداب البريطانية بتسليم الأسلحة الخفيفة والثقيلة للإسرائيليين المحتلين…تسترجع الرواية هذه اللحظات من تاريخ فلسطين، وتشهد عليها روائيا، فتتملك الوعي الفلسطيني وتسعى إلى تشخيصه عن طريق المواجهة مع أعداء فلسطين، ممثلين في جمال قاسم، واليهودية المكسيكية يائيل آدم التي أصبحت صديقته بعد أن تفهمت القضية الفلسطينية. فمنذ عنوان الرواية، “صديقتي اليهودية” تتأمل القراءة المحمولات الدلالية والإيحاءات التي يوحي بها. فهناك “الأنا”، وهناك صديقة هذا “الأنا” “اليهودية، فمن هو “أنا” ولماذا تكون الصديقة يهودية مكسيكية؟ الأنا عربي من الأردن، يحمل الهوية الفلسطينية، اسمه جمال قاسم، و”الصديقة اليهودية” يهودية من المكسيك، فأية علاقة يمكن أن تقوم بينهما؟
الرواية تبرر هذه العلاقة بأنهما يشتركان برحلة تنطلق من لندن نحو سبع دول أوربية عبر حافلة، وعن طريق الصدفة يجلس العربي الآتي من الأردن، والذي يحمل هوية عربية أردنية فلسطينية في مقعد يوجد بجوار اليهودية المكسيكية، لتبدأ علاقة الصدام والتنافر بينهما. ومن ثمة يحضر في الرواية قطبان للصراع، يمثل الأول منهما “أنا” البطل السارد جمال قاسم، المدافع عن الهوية الفلسطينية وعن حق الفلسطينيين في أرضهم، كما تمثل القطب الثاني صديقته اليهودية المكسيكية يائيل، المؤيدة لقيام دولة إسرائيل وحق الشعب اليهودي في أن يكون له وطن.

الحوارات التي تسجلها الرواية بين جمال ويائيل تشهد على توضيحه لقضية فلسطين، وعلى محاولته لإذابة الجليد الحائل بينه وبين صديقته، ومن ثمة تتحول الكراهية إلى مودة، وسوء التفاهم إلى تفاهم. تقول يائيل:
“تعرف يا جمال، لقد ارتعبت منك في بداية الحديث، وخفت أن تطلع لي في الليل، بصفة عربي إرهابي مرعب، ولكن حوارنا وقصصك التي ذكرت، جعلتني أتعرف على إنسان رقيق المشاعر، فأثق بك، وأتفاعل معك، وبناء عليه، أرجو أن تبقى إلى جواري في هذه الحافلة، وأن ترافقني إلى كل الأماكن التي نتحرك فيها طيلة رحلتنا. . . ” (الرواية ص 86) وكأن الرواية بهذا التقارب بين جمال ويائيل، وشحنات العواطف المتبادلة، توحي بأمرين:
أولهما: هو أن الحوار بين الفلسطينيين واليهود هو أحد السبل الممكنة لوقف هجرة اليهود إلى فلسطين، بل وعودتهم من فلسطين – التي هي ليست بلدهم- إلى ديارهم الأوروبية.
وثانيهما: هو أن التعايش غير ممكن بين الفلسطينيين والإسرائيليين بصفتهم مجموعات من المحتلين وليسوا مجرد مهاجرين كما هاجر الأرمن والشركس والشيشان إلى دولة اسمها فلسطين. لذلك تبدو العلاقة بين جمال ويائيل المكسيكية علاقة رمزية ترمز إلى توتر العلاقة بين الفلسطيني والإسرائيلي.. وفي الرواية من المواقف التي تفتح أفق الممكن، في إطار عودة الفلسطينيين إلى وطنهم في فلسطين وعدم اعتراف بما تسمى دولة إسرائيل.
القراءة الثانية: تفترص في الرواية أنها رواية أطروحة، بمعنى أنها تحمل خطابا روائيا فوقيا تسعى إلى تشخيصه روائيا من خلال الشخصيات والأحداث والمواقف والمرجعيات التي تسند هذه الأطروحة وتوجهها؟
معلوم أن رواية الأطروحة، هي نوع روائي يندرج ضمن جنس الرواية، ومن مقوماته أنه يقوم على فكرة مسبقة، ثم تأتي الكتابة الروائية لتشتغل على التفاصيل وتشخيص المدارات التي يدور حولها الصراع بين شخصيات محتملة، يمكن أن تكون حاملة للوعي، أو ممثلة له، أو مدافعة عنه، لكن الأطروحة في الرواية، ليست هي موضوعها ومضمونها وحسب، بل هي ما تدافع عنه، وتتبناه كوعي اجتماعي وثقافي وإيديولوجي، وهو الوعي الذي يحرك البنية الأساس للرواية، كما يحرك بنياتها الصغرى، وذلك للدفاع عن أطروحة معينة، وهذا النمط من الكتابة الروائية لم يوجد إلا مع صعود وعي إيديولوجي وثقافي نتج عن تطور في الوعي الإنساني مع ظهور الشيوعية والفكر الماركسي وتأثيرهما في خلق أدب عمالي يحمل الوعي الثوري وينتمي إلى الجماهير ويعبر عنها ويلتقي معها في أفكارها وأحلامها ومعاناتها…وإذا كانت الرواية قد اشتغلت على أطروحة مفادها تعرض الأرض الفلسطينية للاحتلال الإنجليزي ثم الغزو الإسرائيلي، وتكفل بطل الرواية بالدفاع عن القضية، وعن وحق الفلسطيني في أرضه ووطنه، فإن المواجهة بين الإسرائيليين والفلسطينيين تظهر في الرواية ممثلة في الصراع بين جمال قاسم الحامل للوعي الفلسطيني ويائيل اليهودية المكسيكية الحاملة للوعي الإسرائيلي، ولا شيء يدل على أن الرواية قد خططت لهذا الصراع واستثمرته في أطروحتها أكثر من كونها قد جعلت عربيا واحدا ينضم إلى رحلة جميع أفرادها أوربيين، وهو بصفته عربيا يواجه العدوانية والعنصرية الغربية، واتهام العربي بأنه إرهابي، وعليه أن يقاوم داخل هذا المجتمع الصغير وأن يتعايش مع الشخصيات الممثلة لوعي مسبق يظهر فيه العربي إرهابيا، ولذلك يستمر بطل الرواية وساردها في الرحلة التي يقوم بها عبر الحافلة التي تٌقِلُّ العديد من السياح نحو سبع دول أوربية. وما يدل أكثر على الرواية قد خططت لأن تكون رواية أطروحة هو الحوار بين جمال قاسم يائيل، اللذين يجلسان في مقعدين متجاورين، لتركز الرواية على هذا الجوار الذي يتطور مع المضي في الرحلة إلى توتر وصراع، ثم إلى مواقف أخرى يحل فيها السلام والوئام بين الفلسطيني واليهودي المكسيكي، وليس بين الفلسطيني والإسرائيلي المحتل، وحيث تتجاهل الرواية بقية الشخصيات التي تشارك في الرحلة، وتجعل بؤرتها المركزية مُتَبَئِّرَةً حول الشخصيتين المركزيتين جمال ويائيل.
القراءة الثالثة: تحيل على أن الرواية هي رواية سياسية تحفل بخطابات سياسية مباشرة، نظرا لتعدد الخطابات السياسية التي تستحضرها، وبنوع من المباشرة التي تخرج بالسرد الروائي من منحاه التشخيصي للأحداث والشخصيات التي تقوم بالفعل الروائي والأزمنة والفضاءات التي تقع فيها الأحداث.
إن من يقرأ العديد من المقاطع في الرواية ـ وهي تشغل العديد من صفحاتها ـ يشك في أنه يقرأ رواية، ويحسب نفسه أمام كتابة مقال يشتغل على التحليل السياسي ويستشهد على الأفكار والمواقف ببعض الشواهد، كما يحيل على منظرين وفاعلين سياسيين، مما يقلص من حضور “الروائي” وهو ما يجعل من الرواية رواية، ومن إمكانات الصنعة الروائية التي أساسها بناء التفاصيل الحكائية التي تخدم موضوعها…في هذا السياق، نخرج من قراءة “صديقتي اليهودية” إلى لحظة تأمل تجعلنا نتساءل: “هل هناك رواية سياسية؟”. سبق لي أن حضرت لقاء مع الروائي العالمي ألبيرتو مورافيا، فسأله أحد الصحفيين: “هل هناك رواية سياسية؟”، فأجاب وهو يحمل كأسا كان أمامه في يده وقال: “هذه الكأس نصفها ممتلئ ونصفها الآخر فارغ، ولا شك أننا لا نستطيع أن نفصل بين ما في الكأس من فراغ أو امتلاء. كذلك الأمر في مسألة الأدب، فأنا لا أفصل بين السياسة وبين الحياة الاجتماعية، لأن كلا منهما يتفاعل مع الآخر، ولا يوجد بدونه”.
وفي أحد لقاءاتي مع الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف سألته: “هل هناك رواية سياسية؟”. فأجاب: “الروايات التي تصنف بأنها روايات سياسية هي روايات فجة، ضعيفة من حيث قوتها كرواية، وهي تقدم خطابا سياسيا مباشرا، أما الروايات التي تحمل عمقا إنسانيا كبيرا مثل” الحرب والسلم” فهي لا تسمى روايات سياسية، أو روايات عن الحرب، وذلك لأنها لا تنتج خطابا سياسيا مباشرا، ولا تُسمي الحرب، وإنما تُشخص كيف يعاني الناس من السياسة في أحداث وتفاصيل، وتشخص مظاهر الحرب دون أن تسميها”.

د. محمد عز الدين التازي

مع استحضار هذين الرأيين لِعَلَمَيْنِ كبيرين في كتابة الرواية العربية والعالمية، نقرأ النصوص السياسية المباشرة في رواية الأديب العربي صبحي فحماوي، ولن نجعل منهما معيارا أدبيا للحكم على قيمة أدبية أو وعي روائي، إلا أن هذه القراءة تطرح سؤالا أساسيا يتعلق بكتابة الرواية، وهو: “كيف يمكن للروائي أن يجعل السياسة في روايته ليست خطابا جاهزا، وأن يجعلها وعيا موجها لحياة المجتمع وأفراده وقيمة فاعلة في وعي الشخصيات، التي لا تكون مجرد حاملة للوعي، وإنما هي ممثلة له، عبر التشخيص، وتبويء الأحداث في بيئة مجتمعية لها أفكارها ومواقفها من الحياة والكون، وهي لا تعبر عنها بصورة خطاب سياسي مباشر، بل إن التشخيص الروائي هو ما يجعل من حياتها داخل مجتمع من المجتمعات، وتفاصيل عيشها، ونمط وعيها بالعالم، يستدعيان وجود عالم روائي لا تحضر فيه الخطابات السياسية المباشرة وإنما يحضر فيه العيش فيما تقوم السياسة بما مؤثرات على الحياة اليومية للمواطن.
تحضر في رواية “صديقتي اليهودية” خطابات سياسية فوفية، تنطق بها الشخصيات الروائية، وخاصة على لسان السارد، أو على ألسنة أخرى، وهي تشكل عبر مقاطع كبرى، منبثة على جسد الرواية، وهي تقدم خطابات فوقية يمكن أن نتابعها عبر القراءة، منذ حضورها الأول الذي يفاجئ القارئ والقراءة في الصفحة السادسة في الكتاب، وهي الثانية في مفتتح الحكي الروائي، وحيث تقدم المسؤولة عن الرحلة جمال قاسم لغيره من زملائه فتصفه بأنه هو العربي الوحيد في الرحلة، وبمجرد ما تقدمه المسؤولة عن الرحلة تقول امرأة غاضبة: “صدام حسين”، حيث يقع لها نوع من الخلط الذهني بين جمال وصدام، أو أنها لا تملك وعيا ثقافيا بالعربي وتاريخه الحضاري والثقافي، ومن ثمة فهي، كأوربية تنتمي إلى السلوك الغوغائي الذي ينتمي إلى الدهماء وعديمي الثقافة، وهم ممن سمعوا عن اسم يربطونه بأضعف درجة من ثقافتهم ووعيهم بالعالم. لذلك يقول السارد إن توترا قد ساد الحافلة بمجرد سماع صوت الغوغائية التي اعتبرت أن زميلها في الرحلة يتماهى مع صدام حسين، دون أن نعرف الصورة الحقيقية التي تملكتها عنه، وهي صورة مصطنعة، صنعها الإعلام الغربي والأمريكي عن قائد عربي أخطأ في احتلاله للكويت فقدم المبرر لتحرير الكويت والاحتلال الأمريكي للعراق.
تتوالى الصفحات التي تشغل في الرواية حيزا كبيرا، وكلها تُعطل السرد، وتنامي الأحداث، بخطابات سياسية، ولعل كاتب الرواية، الروائي العربي المتميز صبحي فحماوي قد أراد أن يُكسبَ روايته هوية سياسية وثقافية، مما جعله يجعل من الرواية ذريعة لبث هذه الخطابات، والشواهد في الرواية على ذلك كثيرة.
على سبيل النظر في رواية الأديب صبحي فحماوي، وبعد أن قدمنا في هذه القراءة بتقديم قراءات ممكنة، تفتح أفق تلقي الرواية، نسعى في الختام إلى تقديم بعض الملاحظات التي تتصل بالجانب الأدبي للرواية:
• الملاحظة الأولى: نمطية الشخصيات وتمثيلها لوعيين مختلفين، كما سبقت الإشارة. ورغم تفردها من خلال السمات الشخصية التي وسمتها بها الرواية، فهي تبقى في وضع يمثل وعيا من أنماط الوعي وموقفا من المواقف، ولذلك، فوظيفتها في الرواية، ليست وظيفة شخصيات تعيش تفاصيل الحياة، بكل إيحاءاتها ورموزها، بل إن وظيفتها هي أن تكون حاملة لوعي معين، وممثلة له، كقطب من قطبي الصراع.
• الملاحظة الثانية: الاستطراد، الذي يجعل السارد في حالة استحضار لأفكار ومواقف ومشاهدات وتجارب عاشها، مما يُعطل تنامي المحكي الروائي ويُحول الرواية إلى جماع من الأفكار والمواقف والمشاهدات التي لا تخدم وحدة العمل الروائي، بل تقوم بتشتيت القراءة وتعبها وهي تسعى إلى القبض عن موضوع الرواية، فنجد أنها رواية لا موضوع لها، ولها كل الموضوعات. ومن مظاهر هذا لاستطراد: * أن رحلة بطل الرواية جمال قاسم عبر الحافلة إلى سبع دول تدعوه لأن يسترجع رحلات أخرى سبق أن قام بها ـ كما سبقت الإشارة ـ بما حفلت به من مشاكل مع شرطة المطارات، بوصفه عربيا يتعرض للشكوك التي تؤدي إلى مضايقات عديدة. وفي هذا المنحى تصطنع الرواية للسارد جمال قاسم مسرودا له، هو الشابة يائيل آدم التي تجلس بجواره في الحافلة.
• التعرض لتيتانيك الباخرة التي جَدَّفَ مصممها على الله عندما أنجز تصميمها وقال إنها باخرة كجبل والله نفسه لن يستطيع إغراقها، فكان غرقها.
• التعرض لسقوط الأندلس: “هل سبب انهيار الأندلس، منارة الحضارة الأوربية في القرون الوسطى هو كون وزراء ملوك الطوائف العرب ومستشاريهم من يهود الخزر الذين عملوا على إفسادهم، وذلك بتزيين الدكتاتورية والمجون في عيونهم، وذلك ما دمر بنيتهم الاستراتيجية؟” (الرواية ص 100). والأمثلة والشواهد كثيرة.
• الملاحظة الثالثة: تتعلق بثقافة السارد، لا يكتفي بمهمة السرد بضمير المتكلم ليعبر عن تجربته في الرحلة، موضوع الرواية، بل إنه يسعى إلى توسيع صفحات الرواية، ولا أقول محكيها، أو عوالمها، باستحضار ثقافته ومدركاته ووعيه بالعالم من خلال العديد من اللحظات التي تجعل الرواية حافلة تتغذي باستحضار نصوص خارجية تتعالق مع النص السردي، وهي نصوص متنوعة، تُثَقِّفُ الرواية بثقافة بطلها وساردها، وفي تنوعها تحضر الإحالة على مرجعيات ثقافية وأدبية. ومن تلك النصوص الخارجية التي اعتبرناها تنتمي إلى ثقافة السارد، ولا تشكل حضورا تناصيا، أننا نقرأ في ص 22 من الرواية: “قال المؤرخ الفيلسوف اليهودي الأمريكي نعوم تشومسكي إن نبوخذ نصر لم يسب يهودا، وإذا كان فعلها، فقد يكون سبى قادة فلسطينيين كنعانيين، معارضين لانضمام بلاد الشام إلى مملكته. ويقول المؤرخ العراقي فاضل الربيعي إن نبوخذ نصر سبى اليهود المعارضين له في بلاد اليمن”.
كما تتابع الرواية عبر صفحاتها استحضار أقوال لروجيه غارودي وأنيس منصور وزياد الرحباني وغسان كنفاني وماركس وإنجلز والملياردير المصري محمد الفايد، كما تستحضر أشعار المعري وأبي ماضي وأمرئ القيس وغيرهم، وعلى امتداد صفحاتها بما يجعل منها حقلا لتجمع الأفكار والثقافات والأشعار وجمهرتها بما يقطع على السرد الروائي المتابع للأحداث تدفقه ومساره نحو النهاية المحتملة، وبذلك ف “صديقتي اليهودية” رواية مؤكد على أن الرواية ليست جنسا أدبيا خالصا، وأنه يُدخل في جسده نصوصا خارجية قد ترقى إلى مستوى التناص وقد تبقى مجرد نصوص منفردة ومعزولة عن أية وظيفة تناصية.
• الملاحظة الرابعة: تتعلق بالسرد الروائي، فهو ينبني في رواية “صديقتي اليهودية” على مجموعة من الأحداث، كلها تتمحور حول الرحلة عبر حافلة لزيارة سبع دول أوربية تقع في شمال أوربا، وكما كل رحلة، تكون لها بداية ومسار ونهاية، مما يجعل السرد الروائي متجها نحو التدرج في الأحداث وسيرها عبر الزمن الروائي نحو المسار الخطي للأحداث، وهو مسار يحفل بطولية السرد، ويحيل على شكل الرواية التقليدية، بينما أشكال أخرى تحيل على الرواية الحداثية، أو الرواية الجديدة، التي تقوم بتشظية الأحداث وبنينتها ضمن نسق روائي متحرر من خطية السرد. ولا يهمنا في هذه القراءة لرواية “صديقتي اليهودية أن نصنفها ضمن الرواية التقليدية أو الرواية الحداثية، لأن التصنيف والنمذجة من شأن مؤرخ الأدب، لا من شأن قارئ متحرر من أي توجه نقدي أو سلطة تستعلي على النص الروائي، بل إن قراءته هي قراءة استكشافية تسعى إلى توصيف النص الروائي، لا الحكم عليه أو تصنيفه في مدرسة أو تيار أدبي.
• الملاحظة الخامسة: أن الرواية تنبني على الرحلة داخل الرحلة: يقول بطل الرواية وساردها: “هذا ما حصل معي وأنا مسافر على متن طائرة سويسرية من زيوريخ إلى جنيف، إذ كان يجلس إلى جواري رجل يمني. بعد توزيعها الطعام على المسافرين عادت مضيفة لتقدم كرات الخبز الساخن. . . مع أن هذه القراءة ليست مغرضة أو مادحة للرواية، فهي تبقى مجرد تأمل قرائي في رواية، ما يعجب القارئ فيها هو أنها تجعله أمام قضية حيوية هي قضية فلسطين، والدفاع عن الحق الفلسطيني في العيش فوق أرضه، وكما قال أحد الخامات اليهود: “لو عدنا إلى ما قبل الأربعينات، وإلى ما قبل قيام دولة إسرائيل لوجدنا المسلمين واليهود والمسيحيين يعيشون في وئام وسلام، فلماذا لا تسقط دولة إسرائيل ويعود ما كان كما كان؟” هذا الحاخام اليهودي لم يكن يعرف أن التاريخ لا يُعيد نفسه، وأن الكتابة الروائية لا تُغير الواقع، لكنها تشهد عليه، وتساعد على فهمه من زوايا متعددة، وأنماط من الوعي متباينة. ومع ذلك فإن صوغ الكتابة الروائية لوعيها بالعالم يتحقق من خلال تشخيص المواقف في أحداث دالة على أبعادها التي تحفل بالكثير من المواقف والجماليات وتحضر في الصوغ الروائي للعالم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق