حوارات هامة

كاتب الأطفال التونسى عماد الجلاصى:

((على الكاتب أن يفرض وجوده ويجتهد بنفسه و إمكاناته للوصول إلى الطفل))

حاوره: محمد المطارقى

يحمل بين جوانحه ذلك الطفل المدهش الذى نبت على روائع الحكايا .. التى قمن بنسجها نسوة العائلة.. حكايات لها أجنحة ملونة استطاعت أن تحلق به فى الآفاق البعيدة.. ولأنه طفل مهيأ لأن يصبح يوما ما أحد الحكائين المهرة، الذين بمقدورهم أن ينسجوا من حبات الروح إبداعات طازجة ومبهجة تخفق كما العصافير الملونة لتطرح أغنيات للبراءة، والسعادة.. والحياة بوجهها الوضىء.. فقد صار لصيقا لصفحات الكتب يمارس عشقه الدائم ويحلم بأن يصبح يوما ما أحد المبدعين الذين يشار إليهم بالبنان.. و القلوب أيضا.
هانحن برفقة صديقنا المبدع عماد الجلاصى ليطوف بنا فى رحلة ماتعة فى سماء تونس الخضراء.. انه أحد مبدعينا المخلصين الذىن أضافوا إلى مكتبة الطفل العربى العديد من الأعمال الإبداعية.. كما شارك فى تأسيس، وإعداد أكثر من مجلة موجهة للأطفال.. فضلا عن عمله كمعلم ثانوى مما يمنحه الفرصة للتعامل عن كثب مع مرحلة من أهم مراحل الطفولة، وهى مرحلة اليافعة والتى تتطلب مهارة فى التعامل، والكتابة أيضا.
وهاكم الحوار:

الطفولة بلا شك تعد أجمل مراحل العمر لما تحمله من طزاجة وبراءة.. والنظرة المدهشة للعالم… ترى كيف كانت طفولة الأديب وكاتب الأطفال عماد الجلاصى؟

– في البداية أعبّر عن امتناني لهذه الاستضافة…اسمي عماد الجلاصي كاتب تونسي متخصّص في أدب الطّفل وأستاذ تعليم ثانوي اختصاص لغة عربية، متزوّج وأب لثلاثة أطفال…بدأت رحلتي مع القصة مشافهة من خلال القصص التي ترويها نسوة العائلة…وبعدها في نادي الطفولة بحيّنا مع المنشطة السيدة ميساء التي قضينا معها صيفا كاملا مع قصة “علي ولد السلطان” ترويها لنا يوميّا لمدة ساعة على الأقلّ وكان لها قص عجيب…ثمّ تطوّرت العلاقة مع هذا الأدب في المدرسة في حصص المطالعة بتبادل الكتب…

الأديب ـ كما هومعروف ـ ابن بيئته، تسهم فى تكوينه وتشكيل ملامحه من حيث المكان، الشخصية، المواقف والأحداث. ترى إلى أى مدى بلغ تأثير البيئة المحيطة بالمبدع وكاتب الأطفال عماد الجلاصى؟

– نشأت في منطقة بالعاصمة التونسيّة تُسمّى “باردو” فيها مجلس النواب ومتحف الآثار التونسية على مر العصور وحديقة الحيوانات وهي عوالم تجذب كل طفل وتجاورنا دار للشباب فيه مختلف الأنشطة الثقافية وقد تعلقت بالمسرح والرسم والتصوير الفوتوغرافي …من هذه البيئة التقطت الكثير من التفاصيل وطوّعتها أو فاجأتني عند الكتابة…

حدثنا عن الحالة الصحية لأدب وثقافة الأطفال بتونس.. وأهم الأسماء التى طرحت نفسها بقوة.. ؟

– عرف أدب الطفل في تونس مرحلة التأسيس في الستينيات من القرن العشرين، ومرحلة الانتعاش والازدهار في السبعينيات، ومرحلة التراجع والركود إلى حدود الألفيّة الثالثة وتشهد هذه المرحلة انتعاشة طيّبة لعدّة عوامل منها تغيّر نظرة الكتاب والروائيين الذين توجّهوا لليافعين بكتاباتهم، واهتمام الجامعيين به سواء في لجان التحكيم أو النّقد ومن الأسماء المرحوم محمد الفاضل بن سليمان وحافظ محفوظ والميزوني البناني ونافلة ذهب وابراهيم الدرغوثي ومحمد آيت ميهوب …

أهم المجلات التونسية.. وإلى أى مدى استطاعت أن تعلن عن نفسها فى محيط الطفل؟

– للأسف واجهت أغلب المجلات التونسيّة صعوبات جعلتها تختفي واحدة تلو الأخرى فهي غائبة عن جيل كامل تقريبا وتعرف الآن عودة لأعرق مجلة وهي “عرفان اليوم” وظهور مجلة جديدة اشتركت فيها المؤسسة الأمنية مع الكاتب “عماد الجلاصي” والرسام “رضوان الرياحي” لتقريب رجل الأمن للطفل وبناء ثقافة تواجه التّطرّف والإرهاب. وقد لقيت قبولا فاق التوقعات عند الجمهور التونسي خاصة في معرض الكتاب الأخير بتونس .

أهم القضايا التى تشغلك دوما كأحد المهتمين بأدب وثقافة الطفل؟

– أهمّ مشكلة نواجهها غياب النّقد الذي يهتم بأدب الطفل لانّ الكاتب يحتاج إلى تطوير أدواته والناشر إلى تعديل بوصلته في اختيار النص الجيد وتقدير الكاتب المبدع…و القارئ والمربي سينتبه إلى جيّد الأعمال وهذا هدفنا…على أغلب دور النشر أن تعتمد على لجنة قراءة.تتجاوز مجرد التدقيق اللغوي لتراجع مستويات مختلفة ..فبعض الخفايا والتفاصيل تحتاج الى خبراء متخصصين. كذلك من الحرفية تحديد الفئة العمرية على كل قصة وما يناسبها شكلا ومضمونا بإيجاز حتى يستأنس الولي الحائر بها عند الاختيار ! أما على مستوى الشكل والإخراج نلحظ في السوق قصصا جيدة برسومات مشوهة وأخرى لوحات رائعة بنصوص ضعيفة فالتقاء “الكاتب” “بالرسام” إنجاز يحدث الفارق بين دور النشر !

من المؤكد أن ثمة فروقا لافتة بين “طفل الأمس..وطفل اليوم”.. و”كاتب الأمس .. وكاتب اليوم” ..برأيك إلى أى مدى وصل أدب الطفل (بين اليوم والأمس) على المستوى الابداعى، وأيضا على مستوى التلقى؟

– دعني أصارحك سيّدي الكريم أنّ كاتب اليوم يواجه تحدّيا أكبر من كاتب الأمس لجذب الطفل إلى الكتاب والمطالعة فطفل الأمس يكتفي بها لأنّها وسيلته الوحيدة أمّا طفل العصر الرّقمي والألعاب والكرتون والعوالم المدهشة بأحدث تقنيات الإبهار فإنّه لا يأتيك إلاّ إذا كنت قادرا على انتشاله ولو للحظات …مع الملاحظة أنّ طفل اليوم مازال ينبهر أمام صفة ظننا أنها خفت بريقها وهي صفة “كاتب” وهذا ما ألمسه عند اللقاءات في المدارس والورشات في المعارض …على الكاتب أن يفرض وجوده ويجتهد بنفسه و إمكاناته للوصول إلى الطفل وهذه خلاصة تجربتي المتواضعة.

من أين تستلهم أفكارك الفنية.. وكيف يتم معالجتها إبداعيا؟

– أفكاري ألتقطها من واقعي بعالمه الحقيقي والافتراضي كل ما تسمعه أو تشاهده يمكن أن يكون قصّة، تلتقط ما يوافق ذوقك ومزاجك و حدسك من خبرتك لتعيد إنتاجه بلعبة تستمتع بالقيام بها ثمّ تشكّلها أحداثا ولغة وشخصيّات…وتعرضها على دائرتك الضيقة العائلة ثم الأصدقاء لتختم ببعض تلاميذك من الأطفال …فالقصّ ورشة تحتاج فيها إلى الاستشارات وتكره الانغلاق والنرجسيّة.

ماهى رؤيتك للمشهد الإبداعي والثقافى الذى نعيشه الآن فيما يخصّ الطفل.. وهل الطفل فى حاجة الى الاهتمام والمزيد من الجهد؟

– نعيش مشهدا على نقائصه مبشّرا بالخير والتفاؤل طبعي، لذلك نحن مطالبون بان ندافع عن ذلك الطفل الذي هو مستقبل الوطن العربي وأفقه المنير…بان نجنّبه مزالق التطرّف والإرهاب وأن ينشأ عقلانيّا مضيفا متعلما وعالما وفنّانا يقبل على الحياة ويقبل الاختلاف والتعايش مع الآخر…إن تخلّينا نحن المثقّفين عنه سيستقطبه الغلاة والأشرار…ويا خيبة المسعى

يعلن البعض عن موت الكتاب الورقى.. وأن الفضاء الالكتروني يتماهى مع قارىء جديد يتسق فى تكوينه النفسى والعقلى مع عالم افتراضى تفاعلى..يكون فيه عنصر فاعل ومشارك بل ومنتج إن لزم الأمر.. بينما يرى آخرون أن الكتاب لايزال بعافية.. وسيظل صامدا برغم كل التحديات.. لأيهما ـ برأيك ـ تنحاز.. ؟

– كتبت منذ سنوات قصة نشرتها في مجلة “العربي الصغير” الكويتية بعنوان “قُريص وورقة” تناولت فيها الصراع بين الرقمي والورقي وكنت منحازا للورق وإن كنت أرقن قصصي على الحاسوب…فالكتاب سيبقى وسيستفيد من الحواسيب معرفة وإخراجا …وقد قابلت مختصّين في الألعاب الالكترونية من جنسيّة فرنسيّة وعبروا عن قلقهم من قلة حركة اليد عند الطفل أثناء اللعب والاكتفاء بإصبع واحد…في حين أن الكتاب يحرّك الحواس جميعها…

مابين المؤسسات الحكومية والخاصة..إلى أى مدى استطاعت دور النشر أن تسهم بدورها فى إثراء مكتبة الطفل؟

– المسألة نسبيّة تختلف من بلد إلى آخر وأرى أنّ دور النّشر الخاصّة تجتهد أكثر من المؤسسات الحكوميّة التي تراجع إنتاجها كمّا وكيفا…بدليل أنّ الجوائز العربية تذهب إلى دور النشر الخاصّة غالبا.
هل للإعلام دور فى تحقيق الغاية الإبداعية وتسويق المنتج، وتلميع الكاتب، واجتذاب القارئ.. وما الطرق التى ينبغى اتخاذها فى هذا الشأن ؟

– أعرف أنّ دور النشر الغربيّة منذ سنوات ترفض التعاقد مع كتّب لا يملكون صفحة في مواقع التواصل الاجتماعي لأنّها تدرك قيمة حضور الكاتب وتأثيره في القرّاء الذين لا يكتفون بالمنتج بل بصاحبه أيضا…باولو كويلو مثلا له قرابة 20 مليون متابع في صفحته على الفيس بوك، لذلك لا مفرّ لكاتب الطفل من التفاعل مع الانترنيت و عرض مشاغله وإنتاجه في هذا الفضاء .وقد نجحت نسبيّا من خلال صفحتي وصفحة فريق أدب الطفل في الفيسبوك أن أجعل أدب الطفل من اهتمامات أصدقائي …كما أنّ التحرك الميداني من خلال لقاء الأطفال بدل التقوقع في الصالونات والندوات المغلقة…مهم جدا…وعلى الكاتب أن يطور من نفسه ومن وسائل اتّصاله…
هل توجد خطوط حمراء (محاذير) عند الكتابة للطفل؟

– بالطّبع في المضامين خاصة وهي محاذير متفق عليها كالسخرية من اللون والدين والعاهات وتمجيد العنف والتّطرّف وتوظيف الجنس والممنوعات كالمخدرات…هذا الخطّ الأوّل ولكن توجد محاذير أخفى كبث روح اليأس والعجز والتشاؤم ، أو تحقير صورة المرأة وامتهانها بتقليص دورها وشيطنتها أحيانا وغيرها من المحاذير التي تتعارض مع تكوين شخصية الطفل الذي نريد..وهذا الأمر يحتاج إلى معالجة نقديّة

بما توصى كاتب الأطفال الذى التحق بقافلة المبدعين حديثا؟

– عليه بتطوير نفسه وألاّ يكون إلاّ ذاته وأن يحبّ ما يفعله باعتباره متعة شخصيّة تسعده قبل غيره، وأن يصبر على مشقة الرحلة، وليكن مثله عميدنا يعقوب الشاروني…مسيرة أوصلته إلى العالميّة.


وأخيرا رسالة تود تقديمها فى نهاية هذا الحوار؟

من تونسيّ شغفه أدب الطّفل إلى الحبيبة مصر هذه الأيقونة التي ندين لها ولعنا بالأدب والفنّ وتربّنا على أقلام عظمائها…روحها الإبداعيّة مكوّن أساسيّ في وجداننا…دمتم منارة للثقافة ومودّتي للمبدعين العرب .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق