قراءات ودراسات

ذاكـرة مـوت فـي حالـة مـوت

رواية “وطـن مـن زجـاج” لـلجزائرية ياسـمـيـنة صالح

القاهرة: محمد العشري..

“كيف نحب وطناً يكرهنا؟”، سؤال يدفع القارئ إلى أن يتحسس وطنه، وينكأ الجرح بقوة، حين يجد أن الأوطان العربية متشابهة في غمر مواطنيها بالكراهية، حيت تجري الحوادث بلا منطق أو مبرر في سياق القتل العمد لكل رأي معلن أو مكتوب…

من تلك الرؤية السوداوية تبدأ الكاتبة الجزائرية ياسمينة صالح روايتها “وطن من زجاج”، الصادرة لدى “الدار العربية للعلوم” في بيروت.

رؤية سوداوية

ترسم ياسمينة صالح جغرافيا لجزائرها، واضحة المعالم والتضاريس، عشية الحصول على الاستقلال، كجسد مزقته أيادٍ مخربة، فقتلت فيه الملايين، مرةً بمسائل روتينية: “حين تتعطل حياتك بسبب مشكلة إدارية تافهة وحين تتوقف أحلامك كلها بسبب مشكلة سياسية”، ومرات بالرصاص، والاغتيالات الموسعة، التي تستهدف الصحافيين خصوصاً. تطل في المشهد السردي شخصية عمي العربي المحورية، التي تعيش وتتغذى على الحكايات. سيرة بلد يختصرها ذلك العربي في جلساته اليومية في المقهى، من دون ان يمل تكرارها على آذان من سمعوها منه آلاف المرات، ومن دون أن يدرك أنه واحد ممّن همّشهم الوطن فـ”أخذ منه رجله وتركه عاجزاً عن المشي والحلم أيضاً”، مع بساطة التعويضات التي كانت تأتيه كل شهرين في حوالة مالية، وحوافز هرع إليها الذين اكتشفوا نضالهم في آخر لحظة. تتوقف الكاتبة عند تلك الأيام الفاصلة، وخصوصاً آخر يوم من أيام الثورة: “حتى الذين خانوا الوطن تحولوا إلى مناضلين مميزين واستثنائيين، لأن الذاكرة لا تحفظ كل الأسماء ولا الوجوه”.ربما تصدم القارئ الرؤية السوداوية، والاتكاء على السياسة بشكل موسع، في تضخيم التفاصيل السردية لكاتبة شابة لم تعش تلك الحوادث، لكنها ترسبت في ذاكرة طفولتها، وتلقّت آثارها وتداعياتها، احباطاتها وقسوتها. الكاتبة نموذج لجيل شاب، لا يجد فرصة للحياة بحرية في وطنه، ولا الوقت للحلم والحب. وهذا هو الدافع القوي الى القبض على لحظات وعي الذات المنسحقة في واقع أليم، مما يمنح مشروعية لتلك الرؤية، ويجعلها قابلة للكتابة. ففي سعيها إلى رسم جدارية ضخمة لحوادث متواترة أودت بحياة الكثيرين، لا تنسى الكاتبة أن تضع في أماكن بارزة من تلك اللوحة علامات فارقة، ترشد القارئ إلى الإنسان، إلى مشاعره وأحلامه، في مقابل التوحش فيه، ورغبته في القتل والخراب، واستغنائه عن روحه من أجل مبادئ مزيفة، تضلله، ولا يصل إلى فهم الهدف منها إلا بعد فوات الأوان: “وجاء الاستقلال ولم يأته أحد من الرفاق القدامى! كان وحيداً ومعزولاً، هو الذي برجل واحدة وبذراع شبه مشلولة فهم أن مستقبله لن يكون إلا في ذاكرته الشخصية”.حال الانطفاء الذاتي، ثم الاختفاء من المشهد السردي لشخصية عمي العربي، كمعادل لاختفائه من الحياة، تقود الشخصيات في الإطار السردي لتتعرف إلى ذواتها، حيث تبدأ ياسمينة صالح الفصل الثاني بسؤال: “من أنا؟”، فتستدرج به القارئ ليطأ تلك الأرض الملغومة بالموت، في بذورها وجذورها، حيث يسعى صوت الراوي للتعرف الى نفسه من خلال الجدّ الحاج عبد الله، شبه الإقطاعي، الذي يفقد مهابته وأمواله يوماً بعد آخر، بتواطؤ من رئيس البلدية: “يصطحبني جدّي معه في نزهاته اليومية متباهياً بالأرض ومنتقداً والدي الذي كان يصفه بالغبي لأنه ظل حزيناً ووفياً لامرأة أحبها عن واجب الحب… امرأة ماتت وهي تضعني للحياة”. ولا يلبث الأب أن يهرب ويختفي تحت إلحاح الجدّ لتزويجه من أخرى. وبعد أن يُسلَب الجدّ كل شيء حتى البيت، يموت تاركاً إياه وحيداً على مشارف الشباب، ودراسته الجامعية، وأحلام طفولة عاشها في كنف عائلة المدرس، الذي لمح نبوغه فرعاه، مربياً فيه إحساساً مرهفاً في التعامل مع الحياة، وقد ساعدته في ذلك شخصية النذير المنطلقة وأخته

بارقة أمل

تضيء ياسمينة صالح الجانب الآخر بمرآة عاكسة، من خلال شخصية المهدي، زميل الدراسة الجامعية، لتعكس ملامح فساد السلطة، والشارات العسكرية، باعتباره أحد أبناء هؤلاء المسؤولين: “كان المهدي يمشي مصحوباً بحارسين شخصيين. كانت له سيارته الخاصة وشقته الخاصة التي لم يكن الجيران يجرؤون على الشكوى ضد الصخب والعيش الرغيد الذي يمارسه مع نساء كن يأتين إليه راغبات في سلطة وهمية”. وفي لقطات موحية تدعم الكتابة الرؤية السردية المتمثلة في العجز الذي تعيشه تلك السلطة، حيث يعاني المهدي شذوذاً جنسياً، فكان يجلب النساء ليوزع منهن على حراسه وضيوفه، ويبقى هو متفرغاً لعشيقه المتمثل في شخصية النبيل: “وحين ينام الجميع، وحين تكون الخمر قد أتت على عقولهم، يدخل معه إلى غرفة النوم”.تجمع صالح شخصياتها الروائية عبر صفحات الجرائد، من خلال العمل الصحافي. فيلتقي السارد بصديق طفولته النذير، حين يقرأ اسمه في جريدة مستقلة ظهرت حديثاً وكان هو يعمل في جريدة يومية، ومعه يصدران صحيفة “مدى الجزائر”، حلم النذير، أخذت على عاتقها منذ عددها الأول فضح المستتر، ليلقى النذير مصيره المنتظر رمياً بالرصاص، وهو في زيارة أمه المريضة. وتشتد الأزمة حين يعرف أن حبيبة طفولته وأحلامه، أخت النذير، التي كبرت في صدره، قد سُلبت منه، وخُطبت إلى ضابط يتباهى بشاراته العسكرية: “ها أنتم تنقرضون في وطن تعتقدون أنكم تدافعون عنه عبر صحافة يعشش فيها الدود”. وكما مات النذير مات المصور كريمو، ومات كثيرون. تلك الحوادث الدامية تدفعه إلى الكتابة الأجرأ، من أجل رصاصة ينتظرها في كل لحظة لتخلصه من آلامه، وتنهي حياته المسلوبة، وأحلامه التي شاخ من أجلها من دون أن يعرف امرأة أخرى. وحين يجدها، فإنه يجدها تنمو في أحضان رجل آخر، من ذوي الأحذية الثقيلة، فيصير الوطن ساحة حرب، ويشعر بالرعب وصور القتلى تصله إلى مقر الجريدة، ليخرجه الموت إلى الحياة حين تقع عيناه على وجه مغتصب حبيبته، ضمن عشرات القتلى في انفجار سيارة مفخخة أمام المديرية العامة للأمن: “كان وجه الضابط أمامي يتأملني بنظرة بدت لي مقصودة”. عند هذا الحد من الخراب والعنف تنبت بارقة أمل، تبثها ياسمينة صالح في قلب الراوي، فتأتي متوافقة مع نمو الحوادث، من دون افتعال، وتعيده إلى المسار الطبيعي، وتصالحه مع الحياة، لكنه يجد أن الوقت لم يعد مناسباً لكتابة افتتاحية تتصدر تلك الحادثة. هنا يهرع إلى أم النذير ليرتمي في أحضانها ويجهش ببكاء يغسل تلك الدماء المتناثرة في كل مكان. يفتح ذراعيه لحبيبته، ليحتضن أحلامه الهاربة، ويعيدها إلى مخزنها في صدره، لأجل أن ينتصر الحب على سوداوية الكون والمدينة والأشياء، ولأجل أن ينتصر بالحب على القتلة..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق