قراءات ودراسات

قصيدة قارئة الفنجان للشاعر نزار قباني بين التطريب والمأساة

قراءة في المسكوت عنه .

بقلم د. رحيم عبد علي الغربـــاوي

إن المتلقي على وفق نظرية القراءة والتلقي له الأسبقية في الفهم التأويل ؛ كون النص أُنشئ من أجله ، لذا فمن البديهي أن يحمل في ذاته محتوىً دالاً ، فلابدّ من فهم ذلك النص الذي يتفرج عليه سواء أكان نصاً شعريا أم تمثيلياً , فيكون التفاعل بين صاحب النص أو الممثل ومتلقيه ، ولعل العمل الفني لايحقق مؤداه مالم يخضع للقراءة المتأنية ؛ ليتمكن النص من طرح مافيه من دلالات خبيئة يضمرها في طبقاته العميقة .
والتأويل في طروحات غادامير (1900) ، هو عملية فهم النصوص من خلال قراءة ما ” حدث في التاريخ ، يتمُّ فيه تفاعل النص والمؤول والذات والموضوع تفاعلاً مُتبادلاً في كل عملية فهم ، وهو المسار الطبيعي نحو إطلاق العنان لسيرورة التأويل ، لابدَّ في ذلك من استحضار قوانين النص وقوانين السياق ، وفي هذه السيرورة يكون للأحكام المسبقة دور رئيسي ؛ كونها تشكل الكون الوحيد الذي يجعلنا منفتحين على العالم والنص ” (1) ، إذ تدور عملية التأويل بين ثلاثة أقطاب : ” المؤلف التاريخي , والمؤول الذاتي ، والنص في معناه الكلي ، وهي دائرة يؤطرها السياق التاريخي والثقافي ” (2) .
ولعل التجربة الفنية لدى صاحب النص مستقاة من تجربته الشعورية والسياق الخاص , ففي أحيان كثيرة يرجع الشاعر إلى ما ينعكس في شعوره تجاه الواقع المشوب بالفرح أو الحزن ، العلو أو الانتكاسة ، ولعل الرمز الشعري في النص يحقق مؤداه ، لكن على الرغم من سعة دلالته , فهو مشدود إلى واقع تاريخي يقرره السياق والتجربة الشعرية التي يعبر بها صاحب النص عن أحاسيسه وأفكاره ، فالرمز ” الشعري مرتبط كل الارتباط بالتجربة الشعورية التي يعانيها الشاعر و التي تمنح الأشياء مغزىً خاصاً ” (3)
وشاعرنا الراحل نزار قباني الذي كتب أشعاره بروح شفافة صدحت بالكثير منها حناجرُ المطربين العرب بوصف نزار شاعر المرأة والحب في مفهوم معظم المعجبين به من متذوقين أو وآلهين و محبِّين لكن ، في قصائد له نستمري للنص وجهاً آخر ، فقد وجدناه قد كتب من أجل قضايا العرب المصيرية ، منها قضية العرب الكبرى فلسطين . ويبدو أنَّ قصيدة قارئة الفنجان النبوئية , هي من أكثر قصائده المؤلمة التي ترك نهايتها المأساوية مفتوحة ومتعددة القراءات ، فمنها وما تعارف الناس عليه أنها كُتِبتْ للمحب الوامق المفتون الذي لم يهنأ بحبيبته للنهاية المأساوية التي أنبأته العرَّافة قارئة الفنجان ، إذ لامناص من نهاية حبِّه الذي سيؤول إلى فراق حتمي لامحالة ، فنرى نزار يصف قارئة الفنجان ونبوءتها , وهو يقول بلسانها وبإسلوب قصصي :
جلستْ والخوفُ بعينيها
تتأملُ فنجاني المقلوب
قالت يا ولدي لاتحزنْ
فالحبُّ عليكَ هو المكتوبْ
يا ولدي قد ماتَ شهيداً
من ماتَ على دينِ المحبوب

فنجانُكَ دنيا مُرعبةٌ
وحياتكَ أسفارٌ وحروبْ
ستحبُّ كثيراً وكثيراً
وتموتُ كثيراً وكثيراً
وتعشقُ كلَّ نساء الأرض
وترجعُ كالملكِ المغلوبْ .
فنراه في المعنى المباشر كأنَّ قارئة الفنجان تخاطب رجلاً طلب منها مصيره مما يتلجلج في دواخله ، لكنها لم تؤمِّله بما يروم أو يطمح ، فتنبئه أنه سيعشق ولا يفلح في نيل معشوقته مستقبلاً على الرغم من تعلّقه فيكرر كثرة الحب مرات ومرَّات ، لكنه إزاء ذلك الحب يموت مرَّاتٍ ومرات أيضاً ، ثم أنها تصف فنجانه الذي تقرأه له : من أنه سيعيش دنيا مرعبة ، وأسفاراً ، وحروب ؛ لكنَّ على الرغم من محاولاته في نيل حبيبته إلا أنه سيعود منها كالملك المغلوب الذي يذهب من سوح الوغى ، ولا يجد أمامه سوى الخسران .
ولو قرأنا لا وعي الشاعر والظروف التي أحاطت بالنص لاسيما انتكاسة العرب في حزيران 1967م ، فقد كان الشباب العربي متعطشاً قبل النكسة أنْ تتحرر فلسطين وهو الحلم الأكبر ، لكنهم صُدِموا بالخسارة الفادحة أمام الكيان الصهيوني ، والتي عصفت بالشباب وبمثقفي الأمة وشعرائها , فبرز جيل من الشعراء ينعى مأساة العرب , ويهجو الحكام الذين تسببوا في هزيمتهم الكبرى , ومن بينهم نزار قباني الذي استوقفته ” ظاهرة الإدانة التامة لكلِّ ماهو شرقي وأنَّ تبخيسه قدر الشعب المتخلف لم يمنعه من إدانة كل الملوك والرؤساء يومذاك… فقصائده لم تستثنِ أحداً من مسؤولية العار العربي” (4) ، ولعل هذا الحدث الكبير هو ما جعل نزار قباني يكتب قصيدته قارئة الفنجان وغيرها ، ويتنبأ بما ستؤول إليه القضية الفلسطينية , لكنه لم يبح بذلك , بل كتب نصه ؛ كي تقرأه الأجيال اللاحقة ، ولو أنَّه عُرِف عنه بأنَّه شاعر الحب والمرأة ، ولقد أدين لكتابة شعر الحب والغزل ، من لدن الكثيرين الذي لم يدققوا بالمعاني المستبطنة التي لم يكونوا يتمتعون بالدراية الكاملة لما تحمله القصيدة في إتونها من معانٍ مُغيَّبة ، لكنه عُرف بشاعر الشباب ، فآثر أنْ يكتب بروحهم من دون أن يبث في دواخلهم لواعج اليأس و مرارة الهزيمة ، بل بثَّ في أرواحهم معاني الجمال والإنسانية ؛ لذلك لم نسمع له تصريحاً يفتي بمعنى القصيدة المضمر بوصفها قيلتْ كذلك للأجيال اللاحقة لأنها تخاطب كذلك القادمين الذين سيعشقون بلدهم المضاع ويقاتلون من أجله .
ولعل فلسطين لما حملته من وسامة وجمال وما فيها من أمنيات للقاء بها والعيش في ظلالها راح يتغزل بها كما يتغزل بفتاة يافعة الجمال , فنراه يصفها على لسان قارئة الفنجان بسرد قصصي ، يقول فيها :
بحياتكَ يا ولدي امرأةٌ
عيناها سبحانَ المعبودْ
فمها مرسوم كالعنقود
ضحكتها موسيقى وورود
لكنَّ سماءكَ ممطرةٌ
وطريقكَ مسدودٌ مسدودْ.
فهي أجمل النساء ؛ لكن لا يمكن الوصول إليها لأن طريقها بات مسدودا ، وكأنه يخاطب الشباب العربي على الرغم من أمانيهم الكثار ممن سيتعلقون بحسنها وجمالها إلا أنَّ أنها صعبة المنال وعلى الرغم من أنَّ سماءهم ممطرة إشارة إلى الأمل المعقود لديهم لكن الطوفان هو أعلى منهم كما يرى الشاعر.
ثم نراه يعرض الأسباب التي تحول دون الوصول لتلك الحبيبة النائمة في القصر المرصود من قبل آسريها :
فحبيبةُ قلبكَ يا ولدي
نائمةٌ في قصرٍ مرصودْ
والقصرُ كبيرٌ يا ولدي
وكلابٌ تحرسهُ وجنود
وأميرة قلبك نائمةٌ
من يدخل حجرتها مفقودْ
من يطلب يدها … من يدنو
من سورِ حديقتها مفقودْ
من حاول فكّ ضفائرها
يا ولدي مفقودٌ … مفقودْ .
ولعل الحبيبة فلسطين هي من وقعت أسيرة المحتل ، وفي قصر كبير تحرسه كلاب وجنود مدججون بالسلاح ، فالدخول إلى غرفتها بات مستحيلاً وحتى الوصول إلى حديقتها مفقود ، ويبدو تكرار لفظة ( مفقود ) في بعض مقاطع النص ، هو توكيد لما ستؤول إليه الأمور ، وأنَّ تحريرها أشبه بالمستحيل في عصرنا حسب نبوءة الشاعر , بينما صوَّر فلسطين امرأة في قصر مشيراً إلى أنَّ لها حديقة ل اهتمام المحتل واعتناءهم بها ؛ لما يدَّعون أنها الوطن الموعود , ومن أجله سُبيتْ واتُّخذتْ وطناً وموئلاً لهم ، فلذلك أُسِرتْ من دون أن يمنحوا أصحابها الشرعيين فرصة استردادها , وعلى الرغم من تضحيات واستشهاد الكثير من أبنائها الأصليين , لكن من دون أمل لإنقاذها حسب رؤيا الشاعر .
ثمَّ يختم بقوله عن لسان قارئة الفنجان :
مقدوركَ أنْ تمشي أبداً
في الحبِّ على حدِّ الخنجر
وتظلّ وحيداً كالأصداف
وتظلّ حزيناً كالصفصاف
مقدوركَ أنْ تمضي أبداً
في بحرِ الحبِّ بغير ِ قلوعْ
وتحبُّ ملايين المراتْ
وترجع … كالملك المخلوعْ .
وبهذا نرى أنَّ القصيدة قد استنبطت من أحداث تاريخها موضوعاً لها , لكن الشاعر غلَّفه بما عُرف عنه من أنه شاعر الحب ، ومازالت حناجر المغنين وأوتار الملحنين تغرِّد وتعزف ، وما زالت فلسطين حكراً على غير أبنائها الأصليين على الرغم من المقاومة الشرسة التي تتعرض كلَّ يوم لِلإجهاض على الرغم من أشتد أوارها ، فظل الحبيب وحيداً من غير مناصرٍ بل وقضيته أضحت غريبة كالصفصاف ، فهو المُحبُّ لأرضه ، لكن كمن يبحر للحبيبة من غير قلوع , فآل حسب نبوءة القباني عائداً يجرُّ الحسرات والانكسارات كالملك المخلوع … .
لكننا نرى جذوةً في الأفق من أن المسار الحقيقي لاسترداد فلسطين , هو النضال من أجل الله والحب ، وخير الجهاد هو الجهاد في سبيل الله من أجل تراب الوطن المغتصب .

الهوامش :
(1) الفلسفة الغربية المعاصرة , إشراف د. علي المحمداوي :2/ 1189
(2) المصدر نفسه : 1190
(3) الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية, د. عز الدين إسماعيل : 198 .
(4) النرجسية في أدب نزار قباني , د. خريتو نجم : 382

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق