الموقع

ما وراء الانقلاب في سياسة جامعة الدول العربية

د/إبراهيم أبراش

من المعروف أن جامعة الدول العربية تأسست عام 1945 كمؤسسة رسمية جامعة للدول أو الأنظمة العربية،ولن نعود للجدل الذي أثاره القوميون والثوريون وحتى الإسلاميون  عند تأسيس الجامعة وما بعدها حول علاقة تأسيسها بالإرادة البريطانية وكونها محاولة لسحب البساط من تحت أقدام المد الشعبي الوحدوي ،فهذه الشكوك تراجعت نسبيا  في العهد الناصري عندما شعر جمال عبد الناصر والأنظمة الثورية آنذاك انه يمكن توظيف الجامعة العربية ومؤسسة القمة العربية كفضاء لتمرير سياساتها وإصدار قرارات تتجاوب مع رغبات الجماهير العربية المتطلعة للوحدة ،حتى وإن كانت قرارات لا تُنفذ وأقرب للشعارات كاتفاقية الدفاع العربي المشترك والسوق العربية المشتركة ومواجهة المخططات المعادية والأمن القومي العربي وعشرات القرارات والاتفاقات التي بقيت حبرا على ورق.وباتت الجامعة العربية تمثل شكليا أداة من أدوات  العمل الرسمي العربي المشترك على مستوى مناقشة قضايا الأمة تحت ضغط الجماهير ولتسكين هذه الجماهير وسحب البساط من تحت أقدام أية حركة سياسية معارضة تطالب بالمواجهة والصدام المباشر مع من تعتبرهم أعداء الأمة كإسرائيل أو الغرب .

حتى في ظل انقسام العالم العربي ما بين قوى (تقدمية وثورية وقومية)  وقوى (رجعية يمينية) ثم ما بين معسكر (ممانعة) ومعسكر (اعتدال) وحدوث مواجهات حادة تصل أحيانا لدرجة المواجهة المسلحة بين الطرفين في بعض المشاكل –الانقسام أيام حلف بغداد منتصف الخمسينيات،التدخل المصري في الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1958،حرب اليمن بداية الستينيات ، حرب الرمال بين الجزائر والمغرب ثم قضية الصحراء ،الحرب الأهلية اللبنانية 1975 والتدخل السوري في لبنان وما تبعه من تداعيات ،الخلاف حول كامب ديفيد والموقف من القضية الفلسطينية ، حرب الخليج الثانية وما تلاها ،الخلاف حول الموقف من إيران ،مشكلة الجزر الثلاثة التي احتلتها إيران،الحرب الأهلية في السودان ،مشكلة الحوثيين والحراك الجنوبي في اليمن، بالإضافة لمشاكل التنمية والحريات العامة ،الخ– بالرغم من كل ذلك حافظت الجامعة العربية على وجودها واستمرار اجتماعاتها ليس من منطلق قدرتها على مواجهة وحل المشاكل المطروحة بل لإحساس جميع الأنظمة بالحاجة لهذا الإطار ولو شكليا لأنها وجدت فيه إطارا ناجحا في التغطية على أزماتها الداخلية والتغطية عن فشلها وعجزها عن التعامل وبالأحرى حل هذه المشاكل ،حتى باتت الجماهير العربية غير معنية بالجامعة وقراراتها التي لا تنفذ.

كلما كانت تُوجه انتقادات لجامعة الدول العربية ولأمينها العام حول عجزها وفشلها في حل القضايا العربية ولحالة العجز التي تعيشها الجامعة ولصيرورتها مجرد إطار متهرئ يخدم جيش العاملين فيها من رواتب وامتيازات أكثر مما يخدم قضايا الأمة العربية ،كان الرد جاهزا بان الجامعة مؤسسة رسمية تعبر عن سياسات الأنظمة وليس عن رغبات الجماهير وأنها مقيدة بميثاق الجامعة وبما تتوافق عليه الأنظمة وأنها لا تتدخل بالشؤون العربية الداخلية إلا بطلب من الحكومات،حتى استسلم الجميع لهذا الواقع لدرجة توقفت كل محاولات ومطالبات تغيير ميثاق الجامعة ليصبح أكثر تجاوبا مع مستجدات الأحداث وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات ملزمة تتصدى للمشاكل المطروحة،ولذلك فشلت الجامعة في حل أية قضية خلافية عربية داخلية أو بينية عربية أو عربية في مواجهة طرف خارجي، ولم تتدخل عندما مارست أنظمتها مجازر ضد شعوبها ،وكل الأنظمة لها صفحة سوداء مع شعوبها مثل وقوع أكثر من عشرين ألف قتيلا في حماة عام 1982 على يد نظام حافظ الأسد وأكثر من ذلك على يد صدام حسين ،وأكثر من مائة ألف قتيل خلال التسعينات في الجزائر، الخ.

إذن ،ما الذي جرى مع الربيع العربي حتى تاستأسد الجامعة بنفس ميثاقها وبنفس أنظمتها ويصبح لها أسنان وأنياب قاطعة لدرجة التدخل السافر في الشأن الداخلي لأكثر من دولة عربية كسوريا وليبيا وتصدر قرارات بدون إجماع دولها تصل لحد تمهيد الطريق للنيتو للتدخل في الشأن الداخلي لهذه الدول؟كيف كان الإجماع  مطلوبا قبل ذلك لصدور قرارات وبات اليوم غير مطلوب ؟.والأهم من ذلك كيف باتت الجامعة تعبر عن إرادة الشعوب الثائرة وغالبية أنظمة الجامعة نفس الأنظمة السابقة المسئولة عن الهوان العربي وعن كل مشاكل العالم العربي وليست أنظمة جاءت بها ثورات شعبية ؟.

قبل الإجابة لا بد من التأكيد على موقفنا المؤيد من حيث المبدأ للثورات الشعبية العربية ونؤكد توقنا لتغيير الواقع العربي وكل الأنظمة لأنها مسئولة عما نحن عليه من غياب للديمقراطية وتفقير للشعب، وهوان في مواجهة القوى الخارجية التي باتت تلعب في ساحتنا العربية في إطار مشاريعها القومية الخاصة فيما غاب المشروع القومي العربي،ناهيك عن ضياع فلسطين وتدنيس المقدسات.ولكن إذا كانت الأنظمة وجامعتها العربية مسئولة عن هذه الأوضاع ،فكيف يتحول المشارك في الفساد لمنقذ ومصلح؟.

مع مباركتنا لكل حراك شعبي لتغيير الأنظمة ورفضنا للمجازر التي ترتكبها الأنظمة بحق شعوبها،إلا أن اندفاع جامعة الدول العربية نحو التدخل يستدعي الملاحظات التالية :

1-     على الشعوب الثائرة عدم المراهنة كليا على جامعة الدول العربية في بنيتها الحالية ولا على التدخل الخارجي من النيتو وحتى من  تركيا.

2-     تحرك جامعة الدول العربية وركوبها موجة الثورات العربية لم يأت من قرار ذاتي بل بتوجيه من الخارج ولو لم تكن إرادة أمريكية بتغيير أنظمة بعض الدول ما تحركت الجامعة.

3-     هدف أنظمة الجامعة من التدخل ليس حماية الثورات والثوار بل حماية نفسها من الحالة الثورية بركوب موجة ثورات خارج بلدانها.

4-     الأنظمة الموجهة والمتحكمة في قرارات الجامعة ليست أنظمة الثورة – تونس ومصر وليبيا- بل التي لم تحدث فيها الثورة وتخشى من وصول رياح الثورات لها ،وخصوصا دول مجلس التعاون الخليجي (الثلث المُعطِل) حيث لا يصدر قرار إلا بموافقتها .

5-     إن كانت الجامعة تعرف أنها لا تستطيع التدخل عسكريا في حل المشاكل في سوريا وقبلها في ليبيا فلماذا تشرعن التدخل الخارجي وتجعل قراراتها مدخلا لهذا التدخل؟.

6-     كان يفترض حدوث ثورة  في وعلى جامعة الدول العربية في بداية الربيع العربي ،ثورة لتغيير الميثاق والمؤسسات والشخوص القيادية فيها،ذلك أن الجامعة جزء من النظام العربي القديم ولا يجوز أن تقود الربيع العربي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق