الموقع

الفصـــل 21

“Whatever you can do,
or dream you can, begin it.
Boldness has genius,
power and magic in it. Begin it now

Goethe
أيما استطعت أن تفعل

أو تحلم أنك تستطيع فعله، إبدأه،

الجرأة بها عبقرية وقوة وسحر

إبدأها الآن     – غوته


زدت تركيزي على الصورة، يخرج والدي من الصورة المعلقة على الجدار، تناقصت كثافة لحيته البيضاء عما وصفوها لي، لكنها طالت وامتد الشعر حتى غطى سرته، كنت أسمع أذان العصر وقتها، تلجلج حين لمحني، بدا عليه الارتباك في البداية، ثم سرعان ما بدأ الفرح يسري في محياة فنطق وهو يقترب مني، ويمدّ يده صوبي في حنان

–     لا تخافي يا ابنتي ولا تحزني، النصيب  لابد أن يصيب، والبعيد يصبح قريب، بعدها أدار ظهره، حاولت أن أسأله :

–      أين سيصيب ومتى؟

ابتعد عن الجدار وبخطوة واحدة دخل من الباب الصغير الرابط بين الغرفتين، وقفت متجمدة لثواني، ثم تذكرت أنه والدي وعليّ أن أتبعه لأقبل يده، لكنني لمحته كشبح يخترق الجدار الإسمنتي السميك القوي، عدت للتجمد أمام الصورة، لمحته يعدل جلسته داخل البرواز ثم ثبت كما عهدنا أن نراه في الصورة، حاول الابتسام لكنه لم يكمل واختفت بسمته مع رمشات عيني الراجفة الخائفة، ندمت كثيراً لأنني لم أسرع للإمساك بإحدي يديه لتقبيلها، أو للالتصاق به حتى يجيب على تساؤلاتي التي تقلق رأسي،  لم يكن مشهداً خيالياً، أصرّ أنني رأيت والدي يتحرك ويكلمني، اقترب مني لمسني بخفة وحنان ثم اسرع بالاختفاء في مكانه المخصص له على الجدار، كانت المرة الأولى والأخيرة التي أشاهد فيها والدي وكما وصفوه لي تماماً، وحتى بلباسه الذي كان يفضله كما كرر ذلك جميع من عرفوه، كتمت حادثة لقاء والدي أعواماً ثلاثة حتى لا أتهم بالخبل، لم أجرؤ على وصف حيرتي عن ذلك الموقف لأي فرد في العائلة، أصابتني رعدات وبقيت متجمدة لوقت لا أدري كم طال، لكن زوج أخي التي دخلت سألتني عن سبب تصلبي، صحوت وقتها وقد مالت الشمس إلى الغرب كثيراً، وكلما تذكرت تلك الحالة يوشك أن يصيبني مثلها، كنت في السادسة عشرة من عمري، وبعد ثلاث سنوات من تلك الحادثة الفريدة وبعد أن صار زكي يتردد على منزلنا، دخلت للغرفة نفسها وحدي وقبل طلوع الشمس بعد أن قاطعتها، أحسست نفسي مطوّقة بين ذراعيه، أدفن وجهي في صدره الذي يضج بالحياة والحيوية، أحسست بمتعة الأمان، وقال لي لن يصيبك مكروه مادمت تفكرين وتقومين بما يرضي الله، وأنا محاطة بتلكما الذراعين الحانيين، أدركت وقتها نعمة وجود الأب في الأسرة، لم أدر بعدها إلا وعيناي تلمحان زكي، كانت شفتاي ما تزالان تلتصقان بصدر والدي الحنون، حين كان زكي يتقدم صوب باب بيتنا الرئيس، بعدها لم أجرؤ على دخول تلك الغرفة حتى بعد أكثر من خمسين عاماً، ولكم سررت حين بدأ أهلي يغيرون منازلهم القديمة مبتعدين عن حي المهاجرين، إلى فلل ومباني بعيدة عن ذلك المكان، والصورة نفسها تنتقل معهم إلى بيوتهم الجديدة، لكن هيهات بين القديم والجديد؟! . . لكن هيأة والدي ونظراته الحانية القلقة المستفسرة بقيت تتلبسني وما زالت كلما خطر بباليً، ما إن يداعب النعاس عيني كل مساء، حتى يحضر لتفقد فراشي، يرمقني بنظرة غامضة، لا تصدر آهة مني ولا تنهيدة، ثم سرعان ما يتبخر، وامتدت تلك المواقف حتى عودة زكي من السعودية بعد سفرته الأولى، لكنني وأنا في الطائرة إلى عمان لن أنسى أن أمرّ على أماكن طفولتي وسكنى أهلي القديم بعد أن هجروا حيّ المهاجرين، ذكريات طفولتي عزيزة لا تمحي، وكم أتوق للوقوف مستندة على جدار إحدى بيوتنا القديمة، أطالع الشارع والناس أسفل مني، أو أنتظر حضور (عزيز) مع والدته، لأقطف عنقود عنب أغسله وأقدمه لهما، وصورة والدي على جدار الغرفة الواسعة، ماالتجديد الذي لحق بالغرفة يا ترى؟ وأين أمست صورة والدي؟ يصعب عليّ هذه الأيام تصديق ما مرّ بي بعد أن بعدت المسافات الزمانية والمكانية وما زالت في تباعد، والزمن عدو وغادر أحياناً، لست فيلسوفة ولا جريئة حتى أجد تفسيرات لكل شيء، أتمنى لو استمعت نصائح أهلي، وثقفت نفسي كما أرادوا لي، فات الأوان ويلوح سيف الزمان محذراً، دولاب مسنن كمنشار يقص ويقصر في الغدو والرواح، يفجر نزيفاً أينما أصاب، لا يسير إلا للأمام، صعوداً أو نزولاً.

تمتد قامة زكي واقفاً، تلامس صفحة القمر، أنس وراحة أينما حل، ونكهة الحبّ تفرّخ انشراحاً، مرآة لا شك أنها مغبشة، أو إن غرفتي معتمة، غبش تخالطه أشباح متباعدة، ينتزعني من مواقعي التي تلتصق بي، يصب في روحي إلهاماً وأحاسيسي انتعاشاً لذيذاً، أشعر بوحشة حين أفتقد بسمة زكي، أحفظ مقاساتها والتعليقات التي ترافقها،  تكشف بواطنه تفاصيل وجهه الفاضحة، حين أطفأت نور غرفتي ندمت، لم يبق سوى نور ضعيف لايمكنني من رؤية المرآة، قادم من فناء المطبخ، بيوت أمريكا هكذا، المطبخ ليس مفصولاً بجدران أو أبواب عن صالة الضيوف أو صالة الطعام، أتذكر وقتها أنني بمفردي في غرفتي، بل في بيتي الكبير الواسع، تنسيني طلته واقعي وكل همومي لحظتها، أتنحنح لتنظيف حلقي من مخلفات النوم، ويستعد لساني لكلام كثير، تتهيأ في صدري شعب مقفلة ومسالك مهجورة منسية.

يقارعك الماضي يا فهيمة وتحاولين الإمساك بتلابيب المستقبل، خمسون عاماً مضت، وهل هناك خمسون أخرى قادمات؟ هذا عدا مامر قبل الزواج، وفي ظلام منزلك الليلة، متحفزاً متحفظاً يسير نحو سريرك، يتمايل مماطلاً، يحاول إخفاء دوافعه، ينشغل أو يتعمد الانشغال والتباطؤ، افتحي عينيك قبيل اختفائه مع الغيمة التي تظلل القمر الخجول، والضوء الباهت الآتي من المطبخ لايكفي كي يكشف تفاصيله، لجأتِ للسرير مبكرة هذه الليلة، مرهقة متعبة، انتظاراً لطلوع القمر كي ينير زوايا قلبك.

رحلة طويلة أحسها هذه المرة، هل خفض الطيار سرعة الطائرة؟ لكنها ليست مملة، أتململ وأطلب من المرأة التي بجانبي في الطائرة السماح لي بالمرور، أردت الذهاب للمرافق الصحية، اردت تحريك عضلات ساقي وظهري.

سبع ساعات مرت حتى اللحظة بعد خروجي من المغاسل، لم أتسرع في العودة إلى مقعدي، تعمدت المشي لخمس دقائق أخرى في الممر الطويل في الطائرة العملاقة بين الكراسي، شاهدت ما لا يسر في الطائرة في جو تعتيم وأثناء تشغيل الفيلم السينمائي.

كلما تكاثفت الغيوم الأسفل اختفى زكي وانمحى، تمتد يدك يا فهيمة إلى الستارة الثقيلة ترخيها فوق النافذة المقفلة الشفافة، كي تهدأ نفسك وتغمض عيناك، لكنها تنزاح من طرفها، ربما بشعاع أو بنفخة من ريح عرقه، هنا في صفحة القمر، أطالع وجه زكي سابحاً في سماوات لاحدود لها وعميقة الغور، أو انها غاضبة، كل همزة أو لمزة منه تناجيك، تجذبك خيوط النور وتعلو بك، تزرعك في فراغ بين السرير وبين سقف الغرفة، حين يختفي وراء الغيمة الدكناء تنصهرين، تختنقين في دياجير الظلمة تحت الأغطية، والجسد المتحرر شبه العاري يتحرق على غير هدى، يحملك مركب غريب مزخرف، تسوقه رياح خفيفة ترطب وجهك المرهق، تكرهين الماء والبحر، توقفي! . . لا تكرهين البحر، بل تخشين الإبحار فيه والغرق، أقلعي وتغلبي على الخوف والقلق! بوسعك أن تتعلقي بأهداب عينيه، فتغيظين حوريات الماء الخطافة، يحملك خلف آفاق لا حدود لها، كثيرون تعلقوا ونجوا، لا تحزني يا فهيمة لا تحزني، ستكتمل الحكاية، وستبيد الفئات المتناحرة بعضها بعضاً، كل يحاول السيطرة على الهواء والماء والإجواء، تكاثفت أنفاسه، أفلا تحسين؟ يبعثر أجزاءك في الأفق الليلكي، تلتقطين أنفاسك الثقيلة غير قادرة على المزيد من الصبر، فقلت له في لهفة حاولت إخفاءها

–     دعنا نتكلم عن جمال الليل وهدوئه يا زكي، ما رأيك في الأحاسيس العجيبة التي تغمرنا عندما يكون قمر أكتوبر متخطراً في امتداد ساحة السماء؟ لم أعد أرى ما يؤنس، لكنني أحس بما يشعل النيران في كل مكان في هذا الجسد المرهق.

وحدي كنت أقف على شرفة البيت المطلة على الشارع العام، في شارع المهاجرينً، وسيل عمان يبقبق مطرزاً بزبد صابوني على حوافهً، يشغله الكثير من المخلوقات، أسمع قرع جرس عربة المحروقات، أتذكر أن شراء الكاز للعائلة هو من مسئوليتي، أبلغ والدتي وأحمل حاوية خفيفة، أنحدر مهرولةً قاطعاً ألف درجة، حتى أصل للزقاق الزلق المتدهور، وبعد ملء الحاوية تساعدني ابنة الجيران في حملها، مروراً بالزقاق الزلق، وصعوداً على الدرجات المليون كما أظن، وكلما صعدنا عدة درجات تعبنا، نتوقف لالتقاط الأنفاس، لاقتنا الفلسطينية المهجّرة مهرولةً، طويلة قوية ممتلئة، تهزأ بنا دون تعليق بكلام جارح، تمسك الحاوية بإصبعين، تصعد نصف المليون درجة الباقية مسرعة، أحاول اللحاق بها وأضطر للركض أحياناً، لم أدر أين توقفت ابنة الجيران عن متابعتنا، أحاذر الانزلاق صاعدة لاهثة، فأسند يدي على جدار الزقاق الضيق الخشن وقبل وصولي عتبة بيتنا بعشرات الدرجات، كانت المهجرة الفلسطينية المتسولة الطويلة القوية تنحدر بثقة، كأنها عربة قطار كهربائي (تليفريك) تسير في ثبات وقوة على سكته دون اهتزاز، كنت في الخامسة عشرة من العمر، ارتسمت على شفتيّ بسمة امتنان وتساؤل، أتأمل الخوارق، فأسائل نفسي: هل سيبقون مهجّرين؟

بعد انتهاء الوجبة الرئيسة على متن الطائرة، نام من نام، واستراح من استراح، واستمتع معظم ركاب الطائرة في قيلولة عميقة، ويتواصل عرض الفيلم السينمائي وأنا أقلب المجلات والصحف الأردنية والأمريكية، وعندما حضرت المضيفة كعادتها في تلك الرحلة، لتكلمني ولو بكلمتين، سألتها إن كان لديها ورق لعب، لم أطفئ المصباح الكهربائي المثبت فوق مقعدي، لعبت ورق الشدة حتى أحسست بشيء من الملل، طلبت فنجان قهوة أمريكية دون سكر للمرة الثالثة، لكنني أكلت قطعة حلوى صغيرة هذه المرة مع قهوتي، أحسّ ببعض التحسن، مضى الكثير ولم يبق إلا القليل حتى تضمني أحضانك ياعمان، رحلت المرأة التي كان تجلس بجانبي حين تعبت من الجلوس، وجدت لها كرسياً شاغراً بعيداً عن موقعي أخذته وحدها وغطت في نوم عميق، حسدتها حين قمت ثانية لاستعمال المرافق الصحية، توقفت قليلاً عندها، وقلت لنفسي، وأنا الآن في كرسي مكان اثنين وحدي، فهل سأغفو ولو لنصف ساعة؟ تركتني المضيفة مع فنجان جديد من القهوة.

في الحادي والعشرين من ليلة باردة في شهر نوفمبرشربت أنا وزكي القهوة العربية في المنزل الواقع بجوار سوق المقيبرة القديم للخضار والفواكه، ظلموك يا زكي، وظلموا أنفسهم، أساءوا لأنفسهم وللمسلمين الصادقين، ومع أن القهوة كانت ثقيلة، لكن التعب غلب زكي وغيبه النعاس في نوم عميق، رثيت لحاله ليلتها، منذ صار عندنا طفلتان بعد أربع سنوات من زواجنا، توقفت عن قيلولة النهار، كما هي العادة الغالبة في السعودية، وإذا حدث ونام زكي لنصف ساعة أو ساعة بعد الغداء مجهداً، أبقى مع الطفلتين يقظةً، حتى ينهض ويستعد ثم يغادر لعمله الإضافي المسائي، منذ وصولنا للعيش معه في الرياض، دأب على العمل في وظيفتين، إحداهما ثابتة لست ساعات موظفاً مع وزارة  الزراعة والمياه السعودية، والأخرى لأربع ساعات في المساء، كره التدريس في مدينة الخرج، وفور انتقالنا لمدينة الرياض لم يعد لمهنة التدريس، وخاصة في المدارس الحكومية، وأما الوظيفة الثانية فمع شركات خاصة، بدءاً من الساعة الرابعة أو الخامسة، وما أسرع ما كثر معارفه في الرياض، صار مطلوباً ومعروفاً بكفاءته في العمل، وزادت معرفته في اللغة الإنجليزية باجتهاده في قراءة الكتب الإنجليزية والمجلات، وخاصة مجلات (بلاي بوي) والروايات التي يكثر الحديث فيها عن الجنس، تطورت ثقافته في الإنجليزية بسرعة لا تصدق، وكان هذا مطلباً أساسياً لمن أراد عملاً إضافياً محترماً بعد الظهر في تلك البلاد، مع أن إعطاء الدروس الخصوصية في البيوت كان مجزياً، واغتنى كثير من المدرسين من  دخل تدريسهم للطلاب أو الطالبات في المنازل، ولا يخلو الأمر من مكافأة مجزية إذا نجح طالب من أبناء الأثرياء أو تفوق، أو لو كان الناجح ابن أحد الأمراء الأقل أهمية، أو كان ابن أميرة بعيدة في القربى عن دائرة الحكام المترئسين، أما حكام البلد من الدرجة الأولى فيستقدمون لأبنائهم وبناتهم مدرسات جميلات شقراوات من بريطانيا أو أمريكا أو سويسرا، ولماذا جميلات وشقراوات؟ ظروف وأسباب لا ندري كنهها، لم تعمل محركات زكي ولم تحلق في ذلك النهار، وقبل أن نرزق أطفالاً اعتاد على الهبوط للمطار مرتين أو ثلاثاً كل يوم وليلة، أما بعد الأطفال فاكتفينا التحليق معاً في الليل، شقية تلك البنت الثانية، كانت تدس أي شيء صغير كروي في أنفها، وإن صادفت خرزة، أو حبة حمص أوحبة فول، وإن لم تجد مثل ذلك لفت منديل ورق ناعمة ودستها في أنفها، ويبدو أن أطفالي بهم جين يدفعهم للعبث بحواسهم،  ولا أنسى طفلنا الثالث، كان ولداً يحب أن يدس مثل تلك الأشياء في أذنه بدل الأنف، ويضيف أحياناً أعواد الكبريت حين نغفل عنه، لكن الله سلمه لدقة مراقبتنا له، ولأنه كان الوحيد بين البنات وقتها، كنا نوليه اهتماماً أكبر، وشقيقتاه الأكبر كن يساعدننا في مراقبته.

لاحظنا أن حبة حمص انتفخت في إحدى فتحتي أنف طفلتنا الثانية، وكلما تضايقت تحكّ أنفها أو تحاول إخراج الحبة، فتزيد من دفعها للداخل أكثر، حبة حمص مضى عليها أربع وعشرون ساعة على الأقل داخل أنفها، ودون ملاحظتنا اوانتباهنا، تواصل بكاؤها في اليوم التالي قلنا عنها إنها تحب النكد، تضايق زكي من تواصل بكائها بعد الظهر، وعندما كشفنا الأمر، حاولنا إخراج حبة الحمص فلم نجد إلى ذلك سبيلاً، وزاد صياح الطفلة وضيقها وربما آلامها، صار الوقت بعد غروب يوم خميس وقرب آخر شهر وآخر الأسبوع هناك، ومصروفنا المخصص للطعام شارف على النفاذ، تألم زكي لأنه لا يملك النقود للطبيب، كنت أحتفظ بالقليل من الريالات لنفقات طارئة، وبقيت أيام قليلة على موعد قبض راتبه، اختلط غضب زكي بحزنه، رفع يده ليعاقب الطفلة، لكن يده لم تصلها، لامني على إهمالها، لم أجادله لمعرفتي أنه محق بهذه النقطة، كان عمرها أقل من عامين، مد يده إلى جيبه وأخرج الريالات الخمسة الوحيدة التي وجدها في محفظته، ليصب منها محروقات لسيارتنا الحقيرة القديمة (خنفس واجن)، كنا نملأ خزان السيارة كاملاً بثلاث ريالات في تلك الأيام أي ما يعادل دولاراً أمريكيا واحداً، لكنه رفض الذهاب معي للطبيب، فرافقني شقيقه الذي حضر للإقامة معنا قبل شهور قليلة، باحثاً عن عمل ومقيماً معنا، خمس دقائق عند الطبيب وتقاضى عشر ريالات كانت أيامها مبلغاً كبيراً لأمثالنا، والمواطنون نادراً ما يذهبون لطبيب خاص في تلك الأيام، مع أن التسعيرة كانت خمس ريالات لزيارة الطبيب الخاص، ثم اشترينا لها علاجاً بسبعة ريالات.

وجدت زكي نائماً دون عشاء، وحتى ابنتنا الأولى فعلت مثله، نامت بجانبه على السرير، لم أوقظه، وكان الطبيب قد أعطى طفلة الحمص مسكناً ومهدئاً حتى تنام، وكيلا تحك أنفها أو تخدشه، أقفلت غرفة نومنا ونمت بجانبه دون أن ألتصق به حتى لا يفيق، وأما شقيقه الأوسط بقي ساهراً على المذياع أو التلفاز، ولا تتوقع منه أن يتسلى بقراءة كتاب، لأنه كان يكره أي نوع من القراءة، إلا مطالعة مجلة فيها صور أو تقليعة ملابس نسائية، وزكي ليس رجل نوم، يتململ قرب الفجر، ونومي أنا الأخرى خفيف أيضاً، وكيف أنام وقد اعتدت على أن يحتضنني أو يسند إحدى ساقيه على أي جزء مني، صحوت على حركته، ينظر لي، يقترب مني ويلتصق بي، أقلعت طائراتنا عند الفجر، حلقت بعيداً وفي متعة ومرح لاينسى ثم حطت للاستراحة، كان يعاني من رشح وزكام، فإذا به يهدأ ثانية، وعلى وشك أن يعود للإغفاء بعد الهبوط المريح، مشيحاً بوجهه يمنة أو يسرة حتى لا تصيبني عدوى الزكام، وفي الأيام الأخيرة من شهر نوفمبر، ومع أن الجو حار في معظم أيام السنة في منطقة نجد، إلا أن البرد لا يشتد إلا ليلاً وفي شهري ديسمبر و يناير، وأما فبراير ومارس فهما من أجمل أيام السنة نهاراً في معظم مناطق الجزيرة العربية، لكن برودة قليلة تغلب على جو الرياض بعد منتصف الليل، لا شك أن الجو كان بارداً في الخارج ليلتها، لأننا أحسسنا بحاجة لغطاء بعد التصاقنا، ومنزلنا دافئ جداً.

تريد المضيفة أن تتحدث عن أمر لا يعنيني، اشتكت من طفيليين، يحاولون تقليد الأجانب، إذا شرب أحدهم كأساً من البيرة أو الويسكي، أصبح غوغائياً ومدعاة للسخرية، وبعض النساء يعتقدن أنهن امتلكن الطائرة وطاقمها، لأنهن قبلن الركوب في الطائرة الأردنية، يتوقعن من المضيفة أن تكون خادمة مطيعة أو مراسلة دون أي اعتراض، ينادي عليها شابان من الجهة المقابلة، أشارت لمضيف يساعدها للوصول إلى طالبي المتاعب، تقول لها فهيمة

الناس يحبون الجمال ، وأنت أجمل المضيفات وجهاً وطولاً ولوناً وذوقاً، فلماذا تلومينهم على الاستعانة بك؟ ضحكت المضيفة، وخف عبوسها، احمرّ وجهها قليلاً، فالمادح امرأة عجوز، ولا تعلم كيف ستبدو لو كان المعلق رجلاً شاباً ثرياً أنيقاً، أو من ركاب الدرجة الأولى؟

أحاول نفض زكي عن ملابسي، وإنزاله عن كتفي، أحاول نسيانه، لكنه لاصق ملازم عنيد.

ونحن ملتصقان في غرفة نومنا، نسمع طرقاً على باب البيت الخارجي المعدني، جرس الباب يقرع متواصلاً في البيت الذي نستأجره في سوق الخضار في المقيبرة بمدينة الرياض، وبعد أذان الفجر، توقف الجرس قليلاً لكن الطرق القوي على باب الحديد الحصين عاد ثانية وبقوة أكثر وإصرار عجيب، اضطر زكي لمغادرة الفراش، لبس دشداشة قديمة بيضاء كالحة، غير نظيفة ولا طاهرة، لا يرتديها إلا في البيت، أو حين يريد العمل على السيارة، أطللت من النافذة دون أن اشعل النور، فأرى أربعة من المتوهين (المنفرين) المأجورين، يسمونهم (المطوعين) تجمعوا قرب الباب، يتناوبون على قرع الجرس أو الدق على الباب، حريصون على إثبات أنهم يعملون، ولكي يستمر دفع رواتب شهرية لهم، أسلوب عجيب لتشجيع أمثال هؤلاء الناس على الكسل وعدم الإنتاج، والشيء الوحيد الذي يفعلونه هو أن يقولوا للناس (صلاة،  صلاة، هداك الله، أو هيا إلى الصلاة) وإن تخلف أحدهم أو ماطل نزلت على جسده ورأسه ضربات عصي الخيزران من كل جانب ، ثم سرعان ما يجتمع ثلاثة أو عشرة عليه، ويبدأون بضربه من كل اتجاهً، حتى لو كان الشخص غير مسلم، يصرون على أن يسوقوه إلى الجنة بالعصا.

–     صلاة ، صلاة، هيا إلى صلاة الفجر. قال أحدهم لزكي، أوشك زكي أن يكون صريحاً، ويحكي لهم عن تحليق الطائرتين عند قبل الفجر . .

لكن أضخمهم جذبه قائلاً هناك ستتوضأ، ستتوضأ في المسجد أيها الفاجر. وقال له آخر

–     أتتهرب من صلاة الفجر في المسجد يا عاصي؟.

نور الشارع الذي يقع عليه منزلنا غير محترق كما كانت العادة في الكثير من شوارع الرياض ايامها، والمصباح أمام بابنا الخارجي، أنظر لوجه زكي، تمتد يده صوب الباب، تفقد جيوبه، قال لهم

–     المفتاح ! لا أحمل مفتاح البيت معي، وأهل بيتي نائمون. دفعه اثنان أمامهما كأنه مجرم وقال كبيرهم

–     إقرع الجرس بعد عودتك، وحتى تنهض هي الأخرى لصلاة الصبح.

سيق زكي إلى المسجد أمامهم، إلى حيث شاءوا، قال لي زكي كنت خجلاً من الله ثم من نفسي، لكن لم يسعفني النطق بقول سليم. ظلت عيناي تتابعانه، كانوا أربعة وهو خامسهم، حتى أصبحت رؤيتي لهم ضعيفة حين ابتعدوا، فتحت النافذة، فإذا بهواء بارد يلفح صدري، فتحة قميص النوم واسعة ومصنوع من نايلون خفيف رخيص، ارتجفت من البرد وتذكرت الزكام، أسرع لإقفال النافذة، أصبحت لا أرى أحداً، قلقة لا أستطيع  تتبع أي تفاصيل، وقبل أن يغيب زكي المسكين عن ناظريّ لاحظت انكماش أكتافه وانحناء رأسه، خجلاً وحرجاً وضيقاً وضعفاً.

وحسب كلامه بعد عودته، يسمع اسمه مع الناس الذين ينادى عليهم في المسجد قبل الصلاة، للتأكد من حضور كل شخص في الحارة لصلاة الفجر، لكن زكي لم يجب، لم يقل لهم إني حاضر في الصلاة يومها، لكزه واحد ممن جرّوه إلى المسجد معهم قبل قليل، فسأله على مسمع من مصلين حوله، وقد زادت صفوفهم ليلتها.

–     لماذا لا ترد على المنادي، وتقول له: حاضر؟ أجاب زكي

–     لا أقول كلمة واحدة، وصلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين

–     لكنهم يتفقدون الغائب من الحاضر

–      إننا الآن في مسجد وليس مكان جدال، أقام الإمام للصلاة فانقطع الكلام.

عاد زكي معبأً بالمقت والإحباط، ويعاني من الشعور بالذنب مع الخيوط الأولى للنهار، عرفت أنه لم يأخذ مفتاح الباب الخارجي معه، فبقيت ساهرة أنتظره خلف النافذة أترقب حضوره، ركع زكي وسجد مع المصلين وراء الإمام في مسجد المقيبرة بمنطقة الديرة، لو كان الأمر طوعاً وبحرية، وأراد زكي الصلاة في المسجد يومها، فلن أسمح له بالخروج، حتى لا يصاب بنزلة صدرية قوية أو نيومونيا، لأن عليه أن يستحم ويتطهر قبل الصلاة، وما إن دخل المنزل حتى أقنعته بحمام ساخن جداً، ثم علق قائلا (حمام بعد كل ما حدث؟) ألبسته ملابس دافئة، أحتضنته وأحكمت الغطاء عليه، دعونا الله كثيراً للمغفرة، وأن لا يكون قد أصيب بنزلة صدرية، والخدمات الصحية والطبية كانت متدنية جداً في مدينة الرياض في الستينيات من القرن الماضي، ولا يعمل في العيادات الحكومية إلا أطباء مستقدمون من الخارج، وغالباً ما يكونون غير ناجحين في بلادهم، أو تنقصهم الخبرة الكافية، وحتى أطباء العيادات الخاصة، والذين بقينا دائماً نخشى الذهاب لعياداتهم، نظراً لغلاء ما يتقاضون، أو لقلة  الرقابة عليهم، وتم كشف بعضهم بلا شهادات جامعية حقيقية تؤهلهم للفحص والتطبيب، والمتخصصون منهم لو نجحوا في بلادهم لما حضروا للعيش في ظروف لا تسر أي مسلم يعتز بكرامته وبعقيدته.

رحلنا من ذلك البيت العتيد بعد أقل من شهر، حتى لايظل المطوعون يقرعون بابنا، مع أن جارنا الغامدي وزوجه كانا من أطيب الناس، ومن أفضل من تتمنى أن يكون جاراً لك أو صديقاً، انتقلنا إلى ضاحية حلة الدفاع، وتقع خلف وزارة الدفاع، ومعظم قاطنيها من العسكريين أو من متقاعديهم، وجرّ الناس لصلاة الفجر قسراً لا يحدث في تلك الحارة مثل حارة الديرة أو منفوحة أو الشميساني أو حلة العبيد أو شارع الريل، والمطاوعة يتجنبون الصدام مع العسكريين.

صرنا ننعم بالنوم حتى موعد صحو زكي، وأصبحنا نحلق أنا شئنا وفي أي وقت، وأصبحنا أحراراً نستحم أي وقت للطهارة أو للنظافة، عرق يسح تحت إبطي وبين ثديي، يغمرني الكسل من التحليق، فأعود لإسناد رأسي على ظهر كرسي الراكب الذي أمامي، تتنبه المضيفة العمّانية لي، تنظر في وجهي، فتقدر أن بي ضيقاً شديداً

– هل تشكو الحجة من صداع أو دوار؟

– كلا يا ابنتي ، أحب أن أريح رأسي.

– ما رأيك هكذا؟   تمد يدها ترخي ظهر مقعدي للوراء أكثر مما فعلت قبلاً، وتدفع جسدي برفق للاستناد عليه، أتأمل عيني المضيفة ووجهها، أتذكر أنني في طائرة متجهة إلى عمان. لا أستطيع متابعتها، عيناي متجمدتان، تلتصقان بسقف الطائرة، أتنبه للدويّ وللفضاء اللانهائي، أتنفس في ضيق، وبشيء من الاختناق، أعدل ظهري وأعيد الكرسي إلى الوضع العمودي، أعود لتأمل الفراغ من النافذة الصغيرة بجانبي، فالسماء والبحر والهواء والأرض كلها تتجاذب، وتتمازج في لوحة رمادية باهتةً، تزيد النفس كآبة، والطائرة الضخمة حقيرة في هذا الفضاء، الواسع بلا نهاية ، وأنا؟ . . أنا حشرة تلتصق بريشة من زغب صغيرة يعبث بها الهواء في الأجواء، تلتفّ حواسي وأطرافي عليها حتى لا يمزقني العصف، فأهوي إلى السحق، وقربي محرك الطائرة، وأين زكي من دوي هذه الطائرة التائهة السابحة، كي أتحامل عليه، عودني على أن يحلق بي في عوالم تبعدني عن دنياي حين تضطرب، لأنه يحب أن يشق البحر بمجداف لتحقيق الأهداف.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق