قراءات ودراسات

العنوان والدلالة (عندما غنَّى القمر) للشَّاعر: محمد حسن العلي

د. وليد العرفي

عنوان منجز إبداعي يحيل على الشعر الذي يُشكّل أرقى الأنواع الكتابية في الأدب ، لما يتسم به من عناصر اختزال ، وطاقات خلاَّقة في القدرة على تصوير متجاوز للواقع ، وإعادة تشكيل هذا الواقع جمالياً وفق رؤى المبدع ، وتصوّره لما يطمح أن يكون عليه ذلك الواقع ، ومن هنا تبدو أهمية الاستهلال الإبداعي التي تكون من خلال عملية انتقايئة تُعبّر عن ذائقة المبدع الجمالية في اختيار جسر التواصل الأوّل بينه وبين المتلقي كون النص الأدبي رسالة كلامية تتمثّل بين طرفين المرسل والمرسل إليه ، وهي رسالة ذات مقصدية لأنَّ : (كل فعل اتصال ينطوي على قصد من طرفيه يجمع بينهما على قاعدة المرسلة ، ثمة إذن قصد للبث من طرف المرسل ، وقصد لتلقي هذا البث من طرف المستقبل هذا في المرسلة ذاتها أي العمل ، فعنوان العمل يتوجه إلى المستقبل بجماع المرسلة إن على مستوى الجنس أو على مستوى الموضوع أو حتى على مستوى موقف المرسلة من خطابها الذي تتأسس داخله ) ومن هنا تتبدى أهمية اختيار المبدع عنوان عمله الذي يُشكّل أول نقطة اتصال وتواصل بين كل من طرفي العملية الإبداعية ، إذ يقوم على هذا الأساس : (التفاوض بين الخارج / القارىء ، والداخل / النص وهنا ثمة أمران : إما إحالة إيروسية تقع بينهما ، فتفكّك الحدود حيث يذوب القارىء في النص شوقاً ، والنص في القارىء هياماً ، وإما قطيعة ، فيحلُّ النكوص ، وينهار فضاء التفاوض ) ومن هذا العقد تبرز أهمية أن يكون المبدع على قدر عالٍ من فهم الحالة النفسية للمتلقي ، كما يتوجب عليه فهم طبيعة الحالة الجمعية التي يريد لمنتجه الإبداعي أن يصل إليها ، فكلما كان قادراً على قراءة المتلقي بظروفه الاجتماعية ، وأبعاد الظرف الراهن كلما كان أكثر قدرةً على كسب المزيد من القُرَّاء ، وجذب الشرائح المختلفة إلى منتجه ، ذلك أنه ما من أدب يحقق وجوده الحقيقي إلا من خلال دائرة انتشاره بين الناس ، فالأدب هو منتج إنساني من وإلى الإنسان ، وبذلك ينهض العنوان بتلك المهمة التواصلية التي تستطيع أن تستقطب من خلال العنوان المتلقي الذي يمثل أول عنصر من عناصر جذب المتلقي بهذه القدرة التي يتملكها العنوان ، وفي هذه المقاربة نتوقف عند عنوان الشاعر : محمد حسن العلي في ديوانه الموسوم بـ : ( عندما غنَّى القمر) لنسبر ما يختزنه هذا العنوان من جمالية تعبيرية ، وما يمكن أن يحيل عليه بما يكتنز فيه من حمولات دلالية تبقى رهينة إضمار وكمون تحتاج مسبار النقد ، وعين التحليل للكشف عنها .
يتكون العنوان من حيث العدد من ثلاث كلمات ، وكل كلمة من هذه الكلمات تنتمي إلى قسم من أقسام اللغة ، إذ تتوالى وفق نسق ظرف ، ففعل ، فاسم معرفة ، يمنح هذا التنوّع في الصياغة الأسلوبية للعنوان التركيب جماليته الخاصة ، مثلما يرفع من قيمته التعبيرية في تنوّع الدلالات ،واستغراق إحالاتها المرجعية بما فيها من رموز وإشارات وعلائق مرجعية معبرة ، فالظرف (عندما ) يفيد دلالة زمانية تحيل على الحدث المنتهي في الحقيقة وجودياً ، لكنَّ هذا الانتهاء لا يكون مبتوراً ، وإنَّما لا بدَّ من أن يكون للفعل تأثيراته فيما يكون بعده من أحداث ، فيأتي الزمن الماضي من خلال الفعل : ( غنَّى ) وقد جاء على وزن فعَّل ، وهذه الصيغة في الزيادة ــ حسب علم الصرف ــ تفيد المبالغة والكثرة ، وهي ما تحيل على جمالية ذلك الزمن الذي يُستحضَر ذهنياً وفق رغبة من الشاعر في الإشارة إلى تلك الحالات التي يريد استدعاءها على شريط الذاكرة عبر المخيلة الشعرية ،بما فيها من أجواء الفرح الكثيرة التي يكون الغناء عنصراً من عناصرها الرامزة ، وما يمكن أن تستجلبه تلك الأجواء من سعادة وإشراق ، وهو ما يتجسَّد بدلالة الاسم المعرفة : ( القمر )، وللاسم هنا دلالته التعبيرية الميتافيزيقية ، فالقمر كوكب يستمدُّ النور من الشمس ، وقد ارتبط في الذائقة الجمالية بالحب والجمال ووصف الحبيبة بالقمر ، كما يُعبر عند الرومانسيين عن مظهر من مظاهر الطبيعة التي تحفز على انعتاق الذات من دنيويتها لترتقي عوالم الفضاء الكوني الأجمل ، ولذلك تبدو جمالية ارتباط الفعل غَّنى بالقمر ما يمنح التركيب دلالةً إضافيّةً تزيد من فاعلية الصورة التي اعتمدت على الاستعارة المكنية من جهة بلاغية ، كما حاولت تشخيص الجماد ، لتسبغ عليه صفة من صفات الإنسان من جهة أخرى ، لترتقي جمالية التركيب في إطار الفهم العام الذي يُشكِّل من خلال العنوان مشهداً قائماً بذاته ، وصورة من صور الإبداع الأولى التي تستحوذ على اهتمام المتلقي ، لينتقل من مشهد العنوان إلى مضامينه التي شكَّل العنوان فيها لوحةً أسهم في تلوينها ، وتشكيل عناصرها الظرفية و الزمانية والاسمية ، ليستكمل الولوج من خلال غناء القمر بما فيه من إشعاع وارتقاء ، فسحات الجمال التي ارتسمت في دواخل هذا المعرض الجمالي بما فيه من أصوات وأصداء تتموسق فيها الحروف ، وهي تتراقص في ألوان ، وترتسم لوحات شعريَّة ملوَّنة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق