ثقافة المقال

الحرب حرب أفكار

طيب الفحلي

لن أكتب بالحبر سأكتب بالدم..
قلوبنا تحترق ونحن نرى ما يقع في فلسطين، الدولة التي تأبى الخضوع أو الركوع،ولم نستطع أن نفعل شيئاً، ماالذي نستطيعٌ فِعلهُ والكلُّ تكالبَ علينا، الكل ضدنا حتى بَنُو جِلدتنا الذين من المفروض أن يدافعوا عن قضيتنا التي هي قضيتهم أيضا، لكن للأسف هم منشغلون الآن بالنساء و بما لذ وطاب من مأكولات، ومشغولون بفتاوى إرضاع الكبير و التداوي ببول البعير.. فعوض أن يتحدثوا عن حقوق الإنسان وعن الحرية وعن الديمقراطية وعن الإنتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني الأبي..يتكلمون عن كيفية الوضوء و عن طريقة دخول المسجد و الأكل بدون ملعقة والجلوس على الأرض بدل الجلوس على الكرسي..الخ
العجيب أن لهؤلاء الحمقى الملاعين جمهور من المغفلين يظنون أن الهدف الأسمى هو أن ترفع وجهك للسماء و تأخذ سبحة في يدك دون أن يعلموا أن الهدف الأهم هو أن تجعل لوجودك معنىً.. والتديّن الحقيقي هو أن تقول كلمة حق مهما كلفك الأمر، وأن تتحمل كل ما يُمكن أن يترتب عن صراحتك وأن تمتنع عن ما يضر بالآخر ك:(الرشوة، شهادة الزور،العنف،الإستهزاء بالآخر أو احتقاره .. الخ). لأن المنكر الذي يجب تغييره هو هذا وليس المنكر هو فتاة لم “تتبرقع” أو رجل حلق لحيته وترك شاربه،ولم يأخذ في يده مسواكه..
متى يدرك هذا القوم أننا يجب أن نسعى إلى بناء جنّة هنا لا أن نترك الضعفاء يعانون الويلات ونقول هذا ما كُتب لهم، علينا أن نقطع مع هذه التصورات الميتافيزيقية وأن نسعى إلى بناء تصورات علمية، وأن نقدم المساعدة للآخر ونساعده و نخفف عنه، لا أن نعتكف في مكان ما و نترك الآخر يتعذب ونظن أننا نفعل الصواب..
كارثة الكوارث الآن هي أن نرى دول الخليج تدافع عن الكيان الصهيوني المٌغتَصِب و تصف شباب فلسطين المناضل بالإرهابيين.. هل هناك وقاحة أكبر من هذه؟!
ماذا نفعل أمام هذا الهجوم الذي يشنه الكيان الصهيوني بمساعدة أمريكا والأنظمة العربية على الشعوب العربية-الإسلامية عامة، وعلى الشعب الفلسطيني خاصة؟
صهاينة العرب عوض أن يكونوا معنا أصبحوا ضدنا، لقد اضحوا يقدمون الأموال الطائلة لأمريكا التي تحولها مباشرة للكيان الصهيوني الذي يقوم باستثمارها في مجال البحث العلمي لصنع الأسلحة الفتاكة التي يقتل بها ألاف الأبرياء..وأموال “الحج” التي من المفروض أن توزع على المسلمين أصبحت توزع على الصهاينة لكي يشتروا أسلحة يقتلوننا بها، والشهداء في بلاد الأنبياء يرتقون واحدا تلو الآخر و لا أحد يتحرك كأن شيئاً لم يكن..متى يستيقظ الصهاينة العرب ويعودوا عن صهيونيتهم؟متى؟
الأمم المتحدة التي يتبجح بها الكثيرون ما هي إلا أداة في يد الولايات المتحدة الأمريكية تفعل بها ما تشاء..وأنا أستغرب عندما أجد من لازال يثق في الأمم المتحدة ومجلس “الأمن” الدولي..
يجب أن يعرف العرب الجبناء أن الحرب حرب أفكار،وحرب أقلام-أقلام الحبر لا أقلام السائل المنوي- وأنه إذا لم يستيقظوا من نومهم العميق فالعاصفة ستعصف بالكل ولن ينفع لا غاز ولا بترول ولا شعوذة لا بخور..
العلماء يقضون الليالي في مختبرات البحث العلمي، و هؤلاء يقضون الليالي بين أفخاذ النساء. وفي الصباح تجدهم قد تحولوا إلى وعاظ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر …
ماذا أقول بعد أن قال المتنبي:

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم ياأمة ضحكت من جهلها الأمم

وبعد أن قال الشهيد “فرج فودة” في كتابه “الحقيقة الغائبة” :

“المجتمع لن يتغير والمسلمون لن يتقدموا بمجرد إطالة اللحية وحلق الشارب، والإسلام لن يتحدى العصر بإمكانيات التقدم بمجرد أن يلبس شبابنا الزي الباكستاني”.[1]

هذه الأمة المرحومة التي يتكلم مشايخها عن التداوي ببول البعير وإرضاع الكبير ورجم القردة الزانية، في الوقت الذي تبحث فيه الأمم الأخرى في: (الفلسفة، علم الإجتماع، علم النفس، الفيزياء، الكيمياء، الميكانيكا..الخ).
وفي الوقت الذي تنتج فيه الدول المتحضرة ألوف الكتب الفلسفية والعلمية ينتج المشايخ ألوف الفتاوى الخاصة بطريقة غسل المؤخرة و هل يجب التبول واقفاً أم جالسا! و مَا يَجُوز ومَا لاَ يَجُوز فِي نِكَاح العَجُوز؟ وهل يجب نحر الحلزون قبل طهيه أم لا؟
لهذا أقترح على هذه الدول أن تقطع مع المشايخ -مع أني أعلم أنها لا تستطيع لأنهم أكبر أداة يتم استعمالها لتبليد الشعوب- ويفتحوا المجال للفلاسفة والشعراء والمفكرين والعلماء لكي يصلحوا ما أفسده من يسمون أنفسهم “فقهاء”..

نحتاج إلى شعراء أمثال “أحمد مطر” الذي يقول في قصيدته “الحصاد” :

أَمريْكا تٌطلق الكَلْبَ علينا
وبها من كلبها نستنجدُ!
أمريكا تٌطلِقُ النَّارَ لتنجينا مِنَ الكَلبِ
فينجو كَلْبُها.. لكنّنا نستشهدٌ
أمريكا تُبعد الكلب..ولكنْ
بدلاً مِنهُ علينا تقعُدُ ! [2]
ويقول :

“..أمريكا ليست الله
ولو قلتم هي اللهُ
فإنيّ مُلحِدُ “. [3]

لكن للأسف يا شاعرنا الكبير هناك من يعبد أمريكا والصهاينة، بله هناك من العرب من يسعد و يفرح عندما يرى الصهاينة يغتصبون الأراضي الفلسطينية ويقتلون الفلسطينين، وحتى الإعلام العربي الذي من المفروض أن ينقل الأحداث كما هي تم شراؤه..
نحتاج كذلك إلى مناضل ك: “تشي كيفارا” الذي يقول: “إن كل عمل من أعمالنا هو صرخة حرب ضد الأمبريالية، وأنشودة قتال من أجل وحدة الشعوب، ضد عدو الإنسانية الكبير: الولايات المتحدة الأمريكية، وحيثما واجهنا الموت فمرحبا به، طالما أن أنشودتنا القتالية، قد تكون بلغت آذاناً صاغية، فامتدت سواعد أخرى لتمسك بأسلحتنا، وكان رجال آخرون مستعدين ليرددوا اللحن الجنائزي، مع أصوات الرصاص وصرخات القتال من أجل النصر”..[4]
هذا الرجل عرف جيدا سياسة أمريكا الوقحة ومساعيها الرامية إلى السيطرة على العالم، وهذا ما نراه نحن وقد تحقق، فبعد إنهيار الإتحاد السوفياتي وتراجع المد الشيوعي سيطرت أمريكا على العالم،فارتكبت أبشع الجرائم وأفظع الفظاعات، لكن سيطرتها لن تستمر لأن الصين قادمة كالصاعقة، وحسب دراسات علم المستقبليات فإن الصين في أفق 2025م ستكون هي الدولة الأولى وستصبح الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الثانية، دون أن ننسى الهند التي ستجعل أمريكا في المرتبة الثالثة، لكن، مع ذلك، خطر الولايات المتحدة الأمريكية سيبقى قائماً لأنها تتوفر على أسلحة الدمار الشامل، القادرة على تدمير العالم برمته عدة مرات..
أما نحن فعلينا أن نحاول ما أمكن البقاء على قيد الحياة لأنه من المحتمل أن نندثر ونزول، وهذا بسبب تخلينا عن أدوارنا، و عوض سعينا إلى فهم الأمور فهماً علمياً وفلسفياً، فهمنا كل شيء فهماً ميتافيزيقياً لا علاقة له بالواقع.

-[1]فرج فودة، الحقيقة الغائبة،ص.14
-[2] ديوان الشاعر أحمد مطر،ص.126
-[3] نفس المرجع، ص.128
-[4] أرنستو تشي غيفارا، الدار العالمية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق