ثقافة المقال

إيميه سيزير عندما تموت الزنوجة في فرنسا

نوار زكريا*

أحاول دائما أن أتعرف على أدباء و مبدعين من جميع الجنسيات! و رغم ذلك في كل مرة أكتشف اسما جديدا هو عند الناس قديم، هذا الاسم الذي أكتشفه الآن و أحاول أن أعرفه لمن لا يعرفه أو أذكر به عارفيه هو الاسم الذي عثرت عليه في مجلة العربي الكويتية في أحد الأعداد القديمة التي أنا متأكد أنني قرأتها و لكني أكتشفه أول مرة! إنه إيميه سيزير المولود في 26 جوان 1913 في باس بوانت بجزر المارتينيك. والمتوفى في أفريل 2008م. في عام 1932 أطلق مجلة ”الطالب الأسود” التي استقطبت عدداً من كبار الكتاب من ذوي البشرة السمراء. وفي العام 1939 التقى الشاعر السنغالي ليوبولود سنغور، لينجز إثر ذلك ”دفتر العودة إلى الوطن الأم”، وفيه ظهر للمرة الأولى مصطلح ”الزنوجة” التي يقول عنها اسكندر حبش: “تلك الحركة التي وجدت صداها والتي كانت، فيما بعد، السبب الرئيس في انبعاث حركات التحرر الإفريقية بهذا المعنى، لم يلعب إيميه سيزر دورا شعريا فقط، وإنما أيضا لعب دور ذلك الوعي لقارة بأكملها، بيد أنه يجب الانتباه إلى نقطة أساسية في هذا السياق، فالعمل السياسي لم يكن ليمتلك كل هذا المعنى إلا عبر سياقه الأدبي الذي يشكل العماد في كل هذه المسيرة.”

يقول أحد الكتاب الذين قرأت لهم مقالا عنه و لم أجد فيه اسمه: لا أدري إن كان إيميه سيزير، شاعر الزنوجة الذي رحل عن 94 عاماً في المارتينيك، وطنه الأم، قد ترجم إلى العربية مثلما تُرجم صديقه الشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور. لكنه حتماً لم يُعرف عربياً… – ربما هذا مبرر لي لتأخر معرفتي به و إن كان ليس مبررا حقيقيا– ثم يواصل الكاتب المجهول عندي: قصيدته “مفكرة العودة إلى البلاد الأم” من أهم القصائد التي عرفها القرن العشرون، قصيدة صعبة ومعقدة وبسيطة في آن واحد… وعندما نشرها في العام 1939 سرعان ما عرفت رواجاً راح يتسع مع طبعاتها المتعاقبة في فرنسا وأفريقيا الفرنكوفونية بل في العالم أجمع.

يقول بروتون في المقدمة التي كتبها لهذه القصيدة: “شعر إيميه سيزير جميل مثل الأوكسيجين الجديد”. وأطلق عليه لقب “الشاعر الأسود الكبير” قائلاً: “هذا الأسود يطوّع اللغة الفرنسية كما لو أن ليس من رجل أبيض اليوم ليطوّعها”

من كلامه

أحب أن أقدم لكم أعزائي بعض كلامه من غير تعليق لأتركه لكم قراء نابهين:

“لا نخلق سودا، بل هذا ما نصبحه”

“زنجي أنا وزنجياً سأبقى؟”

يقول سيزر واصفاً الشاعر: “الشاعر هو ذاك الكائن القديم جداً والحديث جداً، الشديد التعقد والشديد البساطة، الذي يبحث، على التخوم الحية للحلم والواقع، للنهار والليل، بين غياب وحضور، ووسط الانطلاق المفاجئ للنكبات الداخلية، عن كلمة السر ويتلقاها”.

من شعره:

إنا زنوج كالقيء

وحوش تصيدها الكلاب في كالابار(ساحل إفريقي في نيجيريا)

ماذا؟ أتصم الآذان؟

و نثمل حتى الموت..من الترنح و السخرية و استنشاق الضباب!

عفواً أيها الإعصار..أيا رفيقنا اسمع اللعنات مكبلة تتصاعد من جوف السفينة..

حشرجة الموتى، صوت احد يلقى في الماء..

عواء امرأة تلد، كشط أظافر تبحث عن أعناق..

لسعات سياط..هوام تعيث وسط الكلل..

ما خصنا شيء أبدا على التمرد، و الأقدام على مغامرة بائسة

فلتكن مشيئتك ، فلتكن مشيئتك..

أنا لا انتمي إلى أية جنسية نصت عليها القنصليات..

أتحدى مقياس الجماجم..

و ليخمدوا، و يخونوا ثم يموتوا لتكن مشيئتك..

لتكن مشيئتك..كانت مكتوبة على هيكل أحواضهم..

و يقول في مكان آخر:

ها هنا يقوم الذين لم يزعموا أنهم خُلقوا على صورة إله،

و إنما ارتضوا بصورة الشيطان.

الذين يعتبرون الزنوجة أشبه بوظيفة من الدرجة الثانية،

و لكنهم يأملون في المستقبل أفضل و ترقية مُرضية.

الذين يعيشون وحدهم في قبو صغير في بناية شاهقة.

و لكنهم يزدهون بمسوخهم المتكبرة.

الذين يقولون لأوروبا: انظروا فنحن أيضا نعرف التملق و المداهنة،

و لكننا نعرف كيف نحترم الآخرين، إننا لا نختلف عنك في شيء،

فلا تنظري إلى سواد جلدنا،

فالشمس هي التي أحرقته.

أعماله:

من أشهر أعماله ”الشمس الساطعة”، بجانب كتاب ”تراجيديا الملك كريستوف” الذي صدر عام 1963 و”فصل من الكونغو” حول القائد الإفريقي باتريس لومومبا، إضافة إلى ”جسد ضائع” و”نقاش حول الكولونيالية”.




*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق