ثقافة السرد

جئت للدنيا فوجدت ذنوبي قبلي: شيء من السيرة 1

“آه أيها اليونان الظرفاء، لقد عثرتم على نوع من العذاب، لم يعرف مثله الشرق من قبل!”..يوربيدس

موسى حوامدة*

المواليد يتدفقون من نطف عابرة، يجيئون للدنيا وهم يحملون جينات آبائهم وأمهاتهم الوراثية، لكن الأخطر من تلك الجينات الوراثية في الشكل واللون، تلك الجينات الثقافية والروحية القادمة للمولود، الذي يقع عليه فعل البويضة من بين أكثر من عشرين مليون حيوان منوي، في الدفقة الواحدة، هذا عدا مليارات أخرى ذهبت في متع سرية أو مشتركة، لم يكن الهدف منها الانجاب بل كان تحرير الطاقة الجنسية الدفينة.

لعلَّ أبي لم يضع في حسبانه تلك الليلة، أن يمارس فعل الفاحشة للإنجاب، ولعله كان عصبيا متوترا أو سعيدا أو مكتئبا أو خائفا أو قلقا في تلك الليلة الطوطمية الطويلة والمخيفة من عام 1958، ولا يمكن معرفة أسرار الناس لحظة إطباق الحوض على الحوض، والصدر على الصدر، وتصاعد اللهاث المكتوم خشية سماعه من السكان النائمين معا في نفس البيت الكبير، الذي كان يضم العديد من النزلاء.

لم تكن البيوت متعددة الغرف، كان البيت (العقد) القديم عبارةً عن غرفة كبيرة واحدة تشكل المصطبة، التي تعتبر غرفة النوم وغرفة الجلوس والصالون وغرفة المعيشة والمطبخ وغرفة الخزين، فكنتَ ترى الصوامع المليئة بالحبوب، وسفط اللحف والجوادل والمخدات وبعض الصناديق الخشبية الكبيرة، إضافة إلى أدوات الطبخ الموضوعة في زاوية خاصة، بينما هناك جهة الباب العملاق، ذي المفتاح الخرافي الضخم، حيز ليس واسعا تحت المصطبة لوضع عدة الحرث؛ مثل السكك والمحاريث والمناسيس(جمع منساس)، وعدة الحصاد من مناجل وقوالش ومذاري(جمع مذراة)، وقطع الجلود المدبوغة “التي كان الحصادون يربطونها على صدروهم، أثناء الحصاد”، وكنت تجد الأواني الكبيرة، مثل القدور وطناجر النحاس العملاقة، والصواني النحاسية الكبيرة، وحتى المرايا المغروزة في خيطان الصوف المنسوج، أو خيطان القش.

وكان يمكن رؤية أماكن ربط البهائم والحيوانات، أو مذاود العلف في المنطقة الواقعة أسفل الصهوة المخصصة للبشر، وكانت الحيوانات العزيزة والغالية تنام مع السكان، تحت سقف واحدـ تسمع همهماتهم وحواراتهم، واناتهم وحتى تأوهاتهم المكتومة التي لا يريد لأصحابها لأحد من السكان سماعها.

وعلى جدران العقد، تجد لوحات سيلفادور دالي وبيكاسو عبارة عن صواني قش، وغرابيل مخرمة بخروم متباينة، ومختلفة الحجم، وعدد من الكنوف اليدوية النسج وبعض الصرر المعلقة، التي ارتاحت من ثقل أحمالها المعارة دائما للجيران.

أما المصدر الوحيد ليس لوصول الشمس، فهي لم تكن تعرف لها طريقا إلى داخل العقد الهرم الجاثم بكل ثقة، بل للضوء عدا الباب العملاق، فقد كان طاقة صغيرة يمكن الوصول لها من جانب العقد الخارجي بشكل سلس، حيث كانت الأرض الملاصقة للعقد، مرتفعة كثيرا، مما كان يسهل بَرْك الجمال أو الدواب، وتفريغ حمولتها من الحبوب، لكن تلك الطاقة الصغيرة لم تكن مشرعة دائما، فنادرا ما رأيتها تفتح أو تدخل منها الشمس.

يتربع “البيت العتيق” هذا، بين عدد كبير من بيوت متشابهة، متكئة على بعضها البعض، ومن الصعوبة بمكان أن تعرف لمن تعود ملكية الجدران، فكلها تشترك في نفس الجدران السميكة، لكنك ببساطة تعرف مساحة السطوح المقببة، والمبنية على شكل دائرة مرتفعة لمنع تجمع المياه، ولعدم وجود حديد بناء سابقا يمسك السطوح، فقد كانت تسقف بالشيد الذي يتم حرق حجارته في أتون مخصص لهذه الغاية، ويتم بناء السقف بشكل مخروطي، ثم تصب عليه صبة الطين وتملس بالشيد، دون حديد، فلم يكن مستخدما حينها في البناء، ولكل بيت من هذه البيوت حوش يتسع ويضيق حسب مساحة الأرض المبني عليها، وعادة ما يبنى الحوش من حجارة كبيرة وقديمة، ربما تكون قد نزعت من مبان رومانية او أثرية، حيث تجد على بعضها حروفا غريبة، محفورة بشكل بارز، وقد كاد الزمت يطمس معالمها، وهناك تجد بيت الراحة أو المرحاض في ركن قصي وبعيد، وبالطبع فهذه الحمامات، لم تكن مربوطة بمجاري أو تصريف، ولم تكن حتى مبنية فوق حفر امتصاصية، كما تطور الحال فيما بعد، بل كانت تنظف يدويا، ولك أن تتخيل حجم عناء اختيار مكان الجلوس لقضاء الحاجة، وأنت تحمل إبريق الماء لغسل مؤخرتك، أو تستخدم الحصى والحجارة للتنظيف.

أما الاستحمام، فكان يتم في المصطبة، وفي طشت كبير، وغالبا ما كان يتم تحميم الأولاد، أو حتى الكبار، بجانب نار الموقد، التي يجلس على حجارتها الثلاثة المحروقة قدر تسخين الماء. ولهذا كان كثير من الرجال يستحمون في العراء، بعضهم يلجأ إلى غدران المياه، او السيول، أو في كهوف قريبة، أو حتى خلف حجر كبير، وكم سمعت عن رجال استحموا في الماء البارد في عز دين الثلج والمطر.

***

في ذلك القصر المنيف (العقد) تم فعل الفاحشة المحللة سرا، وقد جئت للدنيا بسبب تلك الهجمة، والتي لا يفطن مرتكباها عادة، لاحتمال تخلق كائن حي، يتنكر لتلك الفعلة، أو يملك قدرة فيما بعد للوقوع في نفس الجريمة، وتخليق كائنات خرافية جديدة، تواصل لعبة التناسل، وان كان يناسبني استخدام كلمة لعنة بدل لعبة، وجريمة أو جناية بدل جماع أو ممارسة الحب، إن كان الحب يمارس أساسا في تلك الظروف، ولذلك كانت كلمة نكاح التي تدون في عقود الزواج مناسبة تماما، إذ لم يكن هناك متسع من الامكنة، والظروف لعلاقات طبيعية تولد حميمية بين الزوجين، فالرجال إما ذاهبون للبذار والحصاد، أو العمل في الكروم، والنساء متعبات من كثرة نقل المياه والحطب وصناعة الحياة من العدم، عدا عن عدم توفر غرف نوم مثلا، ليلخد فيها الزوجان، فالبيت يمتلئ بالاخوة وزوجاتهم، وأولادهم ومن الممكن ان يشاطر العم والعمات في السكن.

على كل حال يأتي المواليد، رغم كل الظروف العسيرة التي تنهض عائقا أمام أي فعل جنسي طبيعي وسلس، وبعيدا عن العيون والآذان، وحتى الدواب، يولد طفل ما وسط هذه الحشود من السكان، وبعيدا عن كل الظروف الصعبة التي تعترض التخلق من بدياته وحتى مجيئه، وعدم توفر مستشفيات او طب يقوم على خدمة الحوامل او الولادات، تم استحداث او اختراع مهنة الداية التي تشرف على عملية الولادة، وقطع السرة، وتمليح الجنين، ودهنه بالزيت، وتمتين أعضائه بالقوة، ثم لفه بشرائط متينة، قد تشد عظامه منذ الصغر، وتقوي بدنه، هذا مع وضع الحجب والسلاسل حول عنقه لمنع الحسد، والقيام يكل الطقوس الاسطورية التي يتواصل العمل بها دون معرفة مصادرها الحقيقية، او التاريخية.

ومع كل الفرح الذي يرافق عملية الولادة، لا أظن أن الطفل مجرد فعل جنسي بين أبوين، فهو يحمل تأثير سلالة أبيه من جهة، وسلالة أمه من جهة ثانية. فالتاريخ الشخصي للإنسان ليس مجرد أب وأم وكروموزومات وخلاصة ملامح بينهما، لأن جينات الفرد تعود إلى آلاف السنوات الماضية، وقد يحمل دون وعي منه جينات صعلوك، أو قاتل أو خطيب مسجد، أو كاهن هندوسي، أو رجل دين مسيحي، أو مقاتل روماني، أو حفار قبور فرعوني أو مغامر تركي أو شاعر جاهلي، ولربما حمل في عروقه دماء أوروبية جاءت من اليونان، أو من جزيرة كريت، وربما تتدخل الحيوانات كذلك في توريث شيء من جيناتها للإنسان، فربما تقاسم الإنسان في الزمن السحيق شيئا من الطعام والنوم والجنس مع حيوان ما، وربما أثرت حيوانات معينة، سواء في مجاورتها زمنا طويلا، واستخدامها أو أكل لحومها، على جنس أو قبيلة دون غيرها، ولعلي لا أبالغ إذا قلت أن للتراب والجبال والسهول التي عاش عليها أجدادنا أثرا في جيناتنا وملامحنا، لكن المنظور والمعروف يبدأ من الجد الأقرب، ولا أحد يعرف أكثر من خمسة أو ستة أسماء من سلالته، إذا لم يكن هناك مهووس يحمل شجرة عائلة يعود بنسبها إلى الرسول محمد أو قريش، أو النبي اسماعيل، وقد وجدنا بيننا، مثل هؤلاء الذين يتباهون بأن عائلتنا تعود إلى سلالة الحارث بن عبدالمطلب، ومنهم من ردنا إلى سلالة علي بن أبي طالب، والبعض قال أننا من سلالة كردية، لا بل سمعت من قال إن فحص حامض الدي إن إن كشف أن هناك عائلات من سكان بلدتنا متحدرون من عائلات يهودية، ودائما ما يقال عن عائلات أخرى، وليس عن عائلتنا، ولا أدري ما الذي يخيفهم لو كنا نحن من جذور يهودية، أو مجوسية.

وبالطبع يميل الناس في فلسطين لتقوية أصولهم بالانتساب إلى قبائل عربية من الجزيرة، أما أين ذهب سكان فلسطين الذين كانوا فيها قبل الإسلام، وأين ذهب الرومان، ومن قبلهم الكنعانيون والآراميون والفينيقيون والحثيون والعبرانيون والعمونيون والمؤابيون والبلبليون والاشوريون والسومريون، فلا أحد يفكر بتلك الأمم نهائيا، فالبشر لا يتوقفون عند التاريخ وكأن تاريخ دخول أي محتل أو فاتح يعني لديهم كنس سكان البلاد، وإحلال بشر جدد مكانهم، لكني لا أظن ان الأمر كان على تلك الشاكلة، فالقوميات والأعراق تتغير مثل الماء الذي يرشح من الفخار بطيئا يمتزج بالطين ويختلط بالمكونات الموجودة، لهذا لا أستغرب أن تكون الدماء التي تكون الإنسان مختلطة بشكل يصعب تحديد أصوله وسلالته بشكل دقيق.

لكننا نتحدث وفق المنظور السطحي والحكايا القريبة، أو كما تبدو الصورة الحالية، دون الحديث عن العمق البعيد فهو صعب التمييز والناس لا يحبون التعقيدات وربما يخافون من نبش الجذور وتغيير المفاهيم، كما أنهم بنوا اعتقاداتهم على وجهات نظر أحادية، تقربهم من الدين أكثر خشية ظنون واهية، أو خوف من تغيير الأصول قد يدفع لتغيير المعتقدات.

على كل فالاعتقاد السائد أننا عرب فلسطينيون، ورثنا العروبة منذ الأزل، ولست هنا في موضع تأكيد أو نفي ذلك فنحن نتكلم اللغة العربية، ولا نعرف كيف تسربت إلى فلسطين، هل جاءت مع الأسلام ام وجدت قبله، أم كنا فعلا قبائل عربية الجذور أم تعلمنا العربية بعد الفتح، وظلت بعض الحروف واللهجات وحتى العادات القديمة موجودة فينا؟

بالنسبة لعائلتنا، وكما كنت أسمع فقد قيل أنهم اكراد، ومرة قيل جاؤوا من الحجاز، ومرة قيل جاؤوا في عهد السلاجقة، وكان جدهم أميرا ومسؤولا عن صرة الحاج، وقد استقر ابنه نور الدين حامد وأولاده في السموع جنوبا، ثم انتشر أحفاده في عدد من المناطق من بينها الطفيلة وجرش في الاردن ويازور وبيت الماء في طولكرم، وحتى غزة ودرعا جنوب سوريا، وقال البعض أنهم وصلوا في ترحالهم إلى أبي الخصيب جنوب العراق، وهناك عائلة تحمل اسمهم، وطوَّف بعضهم غربا إلى مصر وتونس.

شئ غريب أن تشعر أنك فرد من قبيلة عملاقة تسيطر على الكون، أين منا خلايا النمل والنحل! كأن القبيلة إمبراطوية غير متوجة، تمتد شرقا وغربا بينما الجوع ينهش أبناءها، والجهل يفتك بها، لكن الفخر سيد مقيم لا يبرح العقول والطرقات، تحشى به العقول والأفئدة ويصبح من الصعب التعقل او مجرد التفكير بعيوب القبيلة والتي تهب هبة رجل واحد في الدفاع عن شرفها وكرامتها في وجه العشائر والقبائل الثانية، بالنسبة لي، لم يكن يغريني هذا المجد، حتى حينما كنت صغيرا، ولم يقنعني بأهمية العشائر، لكنك قد تكتشف في بعض الاوقات أنه سياج قد يحميك من بعض المنغصات، وربما لا تستطيع منه الفكاك، لكنني لم أقتنع بانه الوسيلة الامثل والأفضل للحياة المدينة، غير أننا نتحدث عن واقع عشناه، وما زالت آثاره تحفر عميقا في الذاكرة، وتتجلى في بعض المشاهد والحكايات والقضايا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق