ثقافة السرد

الخيط الأبيض

د.معمر بختاوي*

ظهرت المذيعة السمينة مبتسمة وهي ترتدي لباسا أسود، فجعلها أرق من حقيقته.. جلست وسط الصالة العريضة معلنة عن إعلان البرنامج الأسبوعي “الخيط الأبيض”. وجلس الحزبان الخصمان الأول عن اليمين والثاني عن الشمال، والخصمان هما ممثلان عن حزبين خصمين لدودين، فقالت للأول:

ـ السيد رئيس حزب الشمس، أنتم فزتم بالانتخابات الحالية، واكتسحتم الميادين والساحات والشوارع والصناديق، وضربتم خصوكم ضربة قاضية لن يقوم بعدها أبدا، فأنتم الآن قريبون من الصعود إلى أعلى هرم في السلطة، وقد فزتم بالانتخابات بأغلبية مريحة، وستشكلون الحكومة القادمة.. مع من ستتحالفون؟ وما هي أولوياتكم؟ مع العلم أننا جئنا بكم من أجل الصلح والمصالحة مع غريمكم حزب الأرض، ولاسيما وهو الذي كان يقف عائقا في طريق فوزكم في الاقتراعات الماضية. ماذا أنتم قائلون لخصومكم الألداء؟ وماذا أنتم فاعلون بحلفائكم وغرمائكم؟

تنحنح رئيس حزب الشمس وتململ قليلا، وهو ينظر شزرا إلى رئيس حزب الأرض، وقال غامزا لامزا:

ـ شكرا للأخت بديعة البديعي، نحن لا ننسى مواقف وقفها ضدنا خصمنا حزب الأرض في انتخابات ماضية. لقد قام بتزوير وشراء الأصوات وارتشاء الناخبين، ووصفنا بأقبح النعوت بما في ذلك أننا من محبي السير في الظلام، ومن عاشقي الكهوف والعودة إلى الوراء، وبأننا أعداء التقدم والحداثة وما بعد الحداثة. وقال بأننا فزنا بالاقتراع الأخير لأننا استغلنا الساحات العمومية، وشبه العمومية، وكتاتيب الصبيان، ونسي أنه فاز بالانتخابات الماضية باستغلال اسم أحد كبار الأكابر في البلد، وقُربَه منه، واستغل فقر الفقراء وجهل الناس، ولعب بعقولهم كيف يشاء، واشترى أصواتهم، وعاث في الأرض فسادا بماله وأدواته اللوجستيكية، حتى لم يبق شخص أو حيوان أو طير أو سمك لم يعلم بأساليبه وحيله ومكره، لذا نعترف أمام شاشتكم وشاشات العالم أن حزب الأرض خط أحمر، ونحن نتحالف مع حزب الشيطان إذا لزم الأمر ولا نتحالف معه، ونحن منه براء إلى يوم القيامة..

ولمّا أحست المذيعة البيضاء السمينة، ذات الرداء الأسود الشفاف، والشعر المرسل الذي يسيح على الكتفين، أن الجو بدأ يتكهرب، والإنارة بدأت تتحول من الزرقاء إلى الحمراء، وخافت من قيام شيء لا تحمد عقباه، تدخلت وقالت:

ـ سيدي حزب الأرض هل ما يقوله حزب الشمس أمر واقع؟ وبماذا ترد عليه؟ ولم هذه الحرب بينكما؟ ومتى تنتهي؟

جمع رئيس حزب الأرض كل قوته، ونظر إلى اليمن والشمال ليستمد قوته من المشجعين الذين أتى بهم ليساندوه في هذه المقاتلة الكلامية الهامة وقال:

ـ نحن حزب الأرض خلقنا من الأرض، وأمنا الأرض، ونحب الأرض، ونعيش من الأرض وفوق الأرض.. نحن نزهاء وديموقراطيون، في كل مرة نحتكم إلى الصناديق نفوز بالانتخابات، والصناديق من خشب والخشب مادة غير عاقلة وغير متحيزة، وغير ناطقة، لذا..

قاطعه رئيس حزب الشمس:

ـ الصناديق من زجاج وليس من خشب..

ـ لا يهم.. أكانت من خشب أم من زجاج أم من حجر؟ لا تقاطعني أرجوك.. لا تقاطعني.. أولا حزب الشمس لم يفز بالأغلبية المطلقة التي تخول له تشكيل الحكومة التي يتكون منها رئيس الوزراء، ثانيا هذا الحزب قبل الاقتراع الأخير كان يزبد ويرعد ويهدد، إن لم يفز بأغلبية الأصوات سينزل إلى الشارع وينضم إلى حركة كل الأزمنة، ليخوض معها إضرابا ليس له نظير في العالمين. وفوزه بهذه الاقتراع ليس فوزا مستحقا، بل هو ممنوح له، فهو لم يفز بجدارة واستحقاق، أهكذا يتصرف المؤمنون بالديموقراطية!  نعم، هذا حزب كهوف ومغارات وشموع وزوايا، ونحن في عصر آخر، وفي مجتمع دولي جديد.. وكل العالم ينظر إلينا وإلى تجربتنا بعين الريبة والانتظار..

نعم هذا الحزب مارس على الناس شتى أنواع الإرهاب الديماغوجي والإديولوجي والسيميولوجيي والبيداغوجي  والميغناطيسي، وانتقل بين القرى والمدن والخيام.. ولم يترك حيا أو زقاقا، أو شارعا، إلا ونشر فيه دعايته ودعوته وصراخه وزعيقه، وتبعه الأتباع مثل ما فعل الجيلالي بوحمارة في نواحي تازة..

وتدخلت صاحبة البرنامج ذات الصدر العالي، والوجه الأبيض والشعر المتوج كأمواج البحر الأبيض المتوسط..

ـ في الحقيقة نحن لا نريد أن يتحول البرنامج إلى نبش في الماضي التليد، نحن نريد أن نبقى في الحاضر، لأننا نحن أبناء اليوم.. وأنتما في الحقيقة من أسرة واحدة، وكلكم لآدم وآدم من تراب، فَلِم كل هذا الصراع حول صناديق من زجاج أو من حجر؟

وهنا تدخل عالم النفس الكبير عبد الباسط عبد الكبير ليدلي بدلوه هو الآخر:

ـ اسمحولي بأن أتدخل في هذه النازلة المنزلة علينا اليوم لإيضاح بعض الأمور، بما أن الانتخابات تشمل الجميع، والبلاد تسع للجميع، لماذا لا يأخذ كل حزب جهة من الجهات، ويحكمها كيف يشاء بعقليته وميزاجه، وبميزانية قطرية وحدوية خارج الحزب الواحد، ونحن إن بقينا في النقاش نراوح أمكنتنا لا نصل إلى حل، وكل واحد يتشبث برأيه، ونجنب البلد المعطاء الكثير من المشاكل التي تساهم في التخلف وتوقف عجلة النمو والتقدم..

نظر رئيسا الحزبين بعظهما إلى بعض ووقفا، وذهب حزب الشمس من اليمين وحزب الأرض من اليسار وبقيت مقدمة البرنامج في الوسط مبهورة حائرة.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق