قراءات ودراسات

“اعترافات روائي شاب” لأُمبرتو إيكو: الخيال بالرواية سيّد الموقف

جمال شحيّد

صدر هذا الكتاب الذكي باللغة الإنكليزية عام 2011 وتُرجم في السنة ذاتها إلى لغات عدة، منها الفرنسية (Confessions d’un jeune romancier، باريس، دار غراسيه). وهو كناية عن أربع محاضرات موزعة على أربعة فصول: “الكتابة من اليمين إلى اليسار”، “الروائي، النص والمؤولون”، “ملاحظات حول شخوص الأخيولة”، “لوائحي”. وألقاها إيكو في عدد من الجامعات الأميركية قبيل وفاته (2016) بسنوات قليلة. ويَعتبر إيكو نفسه دخيلاً على التأليف الروائي وهاوياً، إذ ألف روايته الأولى “اسم الوردة” (1980) عندما ناهز الثامنة والأربعين. ولهذا السبب يشدّد على صفة “روائي شاب” في كتابه هذا. لكنه يذكر أنه في طفولته كان قد كتب بعض المحاولات الروائية دون استكمالها مثل الموسيقي شوبير الذي لم يكمل “السمفونية الناقصة”؛ وأنه انقلب على المحاولات السردية لصالح الشعر، عندما بلغ السادسة عشرة. ومن ثمّ انخرط في البحث الأدبي، والسيميائي بخاصة. وفي الخمسينات من عمره شعر بأن مسيرته تفتقر إلى الإبداع، ولكنه أصدر عام 1980 مجموعة من النصوص السردية الهجائية سمّاها “مماحكات أدبية”. وفي هذه المناسبة، يتساءل إيكو عن معنى الإبداع: هل كان داروين وأينشتاين أقلّ إبداعاً من ملفيل في “موبي ديك” أو بورغيس في “طرزان في الأدغال”؟ ويذكر أيضاً أنه، في كتبه النظرية، كان يترك مجالاً لسرد تفاصيلها لأن “كل بحث يجب أن يُروى” (ص 14)؛ ويجب على كل كتاب علمي أن يكون بمثابة استقصاء بوليسي، على غرار تقصي سر الغرال Graal في رواية “شيفرة دافنشي” لدان براون. ويذكر أيضاً أنه بعد أن كتب روايته الأولى “اسم الوردة” كان الصحافيون يسألونه عن أسباب هذا التحول من البحث السيميائي إلى الرواية، فكان يذكر بعض الأسباب الوجيهة أو المغلوطة، ولكنه في المحصلة كان يركّز على رغبته النزوية في السرد، كأن يقول: “حصلت على ما رغبت فيه: كرسي جامعي، كتبي السيميائية تُرجمت في أكثر من عشرة بلدان… رغبت في تجربة شيء آخر. وللتحريض أروي هذا الأمر بهذه الطريقة: في الخمسين من العمر، عادةً، يهجر المرء عائلته ليهرب إلى جزر الكاريبي مع راقصة. ووجدت أن هذا الحلّ معقّد جداً، وأن الراقصة باهظة الثمن، لذا اخترت الحل الأبسط: كتابة رواية. وفي هذه الرواية (اسم الوردة) وضعت عناصر تتعلّق بروحي لم أكن قد تحدّثت عنها قبلاً” (هكذا تكلم أُمبرتو إيكو. مقالات عنه وأحاديث معه، ص 272)[1].
وعندما كانوا يسألونه عن طريقة كتابته الروايةَ، كان يجيب بتهكم: أكتبها “من اليسار إلى اليمين”. وبعد أن لاقت روايته الأولى نجاحاً باهراً وطُبعت بملايين النسخ، ظن بعضهم أنه وجد وصفة سرّية، وأن تنضيدها على الحاسوب ساهم في هذا النجاح، علماً بأن انتشار

يتساءل إيكو عن معنى الإبداع: هل كان داروين وأينشتاين أقلّ إبداعاً من ملفيل في “موبي ديك” أو بورغيس في “طرزان في الأدغال”؟ ويذكر أيضاً أنه، في كتبه النظرية، كان يترك مجالاً لسرد تفاصيلها لأن “كل بحث يجب أن يُروى

حواسيب التنضيد ظهر بعد نشر الرواية. ويعترف إيكو بأنه كتب الرواية خلال سنتين فقط، لأن المادة التوثيقية المتعلقة بالعصر الوسيط كانت جاهزة بسبب دراسته القرونَ الوسطى، وبسبب أطروحته عن القديس توما الأكويني، وبسبب عشقه هذه الفترةَ من تاريخ أوروبا: “العصر الوسيط هو العصر الذهبي عندي”، كما قال. ويذكر أنه كان يرسم معالم الأمكنة وصور الشخوص الروائية ويصمم الخرائط، قبل الإقدام على الكتابة والصياغة. ويشير الى أنه حفظ عن ظهر قلب ممرات ومعالم مبنى “مرصد باريس” الذي تتم فيه أحداث روايته “بندول فوكو” (1990)، ويعترف بأنه أمضى قرابة سنتين يصوّر أشكال السفن القديمة وأحجامها وفضاءاتها، كي يستخدم هذه التفاصيل في روايته “جزيرة اليوم السابق” (1996).
مُعلّم في سوق الحوارات السردية
إيكو معلّم في سوق الحوارات السردية. ويقول إن المخرج الإيطالي ماركو فيريتّي اعترف له بأن تحويل روايته “اسم الوردة” إلى فيلم سينمائي كان سهلاً لأن حوارات السيناريو كانت شبه جاهزة في الرواية. ولتقريب وجهات النظر بين الرواية والسينما، رسمَ إيكو في مستهل “اسم الوردة” مخططاً معمارياً للدير الذي ستجري فيه أحداث الرواية وتنقلات الرهبان بين أجنحته.
وحول دوافع إيكو الكامنة لكتابة رواية ما، يقول في كتيّب صغير عنوانه “تأملات في اسم الوردة”، إن فكرة راودته لمدة طويلة: أن يسمّم أحد الرهبان. “أعتقد أن الرواية تولد دائماً من فكرة كهذه، والبقية لحم يضاف أثناء الطريق” (ص 27). ويذكر أن النطفة السردية لهذه الرواية بدأت عندما زار في السادسة عشرة من عمره ديراً بندكتياً في بلدة سوبياكو ودخل إلى مكتبة الدير وتصفّح سِفراً قديماً منصوباً فوق مِقرأ وشعر برعشة عاودته بعد أكثر من ثلاثين عاماً عندما باشر بكتابة “اسم الوردة”. ويذكر أيضاً أنه عاين البندول الذي اخترعه الفلكي ليون فوكو والمحفوظ في مرصد باريس، وأنه شعر بالرعشة نفسها. لقد عاودته النواة البدئية، فكانت الرواية. لقد أنطق الراهب غوليامو دا باسكرفيل لغة بسيطة تشبه لغة أخباريي القرون الوسطى، لغة مسطحة وساذجة وبسيطة. ويعلّق إيكو قائلاً: “لا يكتب راهب بسيط من القرن الرابع عشر كجيمس جويس ولا يتذكر الزمن المفقود كما فعل مارسيل بروست” (ص 28).
وكي يبدأ رواية “بودولينو” (2002)، كان عليه أن يسافر إلى اسطنبول وأن يكتشف معالم المدينة البيزنطية وأن يعود إلى تاريخ المدينة التي استباحها الصليبيون عام 1204 وأحرقوها، وأن يتوقف ملياً عند ما كتبه المؤرخ البيزنطي نيكيتاس خونياتيس عن تلك الفترة. وكان عليه أيضاً أن يقبل ببعض التداعيات، فاكتمل نص رواية “اسم الوردة” في سبعة أيام، أسوة بالأبواق السبعة التي ورد ذكرها في “سفر الرؤيا” للإنجيلي يوحنا. وتكونت رواية “بندول فوكو” من 120 فصلاً، أسوة بفصول التلمود القبالي الـ120.
ويذكر إيكو أيضاً أنه غالباً ما يلجأ إلى سمتين ما بعد حداثيتين: إحداهما هي التهكم النصي البيني القائم على إحالات تُستَشف من هذه النصوص، والأخرى هي السرد اللاحق، أي ما يتم حول طبيعة النص أو ما يحدث بين الروائي وقارئه. وهذا ما أطلق عليه تسمية “النسق المزدوج” المتمثل بلجوء الكاتب إيكو إلى العثور على مخطوطة معينة تبدأ منها أحداث.

اكتمل نص رواية “اسم الوردة” في سبعة أيام، أسوة بالأبواق السبعة التي ورد ذكرها في “سفر الرؤيا” للإنجيلي يوحنا. وتكونت رواية “بندول فوكو” من 120 فصلاً، أسوة بفصول التلمود القبالي الـ120

الرواية. كما حصل في “اسم الوردة”، عندما اطّلع إيكو عام 1968 على مخطوطة “دون أسون دى مالك” بترجمتها الفرنسية التي تعود إلى عام 1842. ويعنون إيكو فصله التمهيدي بـ”مخطوط بطبيعة الحال”. وفيه تنويه بتفاصيل الصلوات اليومية التي تقام في كنيسة الدير: صلاة الصبح، صلاة الحمد، أولى، ثالثة، سادسة، تاسعة، صلاة الستار، صلاة النوم.

تأويل النص

في الفصل الثاني من الكتاب، يتكلم إيكو عن “المؤلف والنص والمؤولين”. ويستهله بتساؤل أحد مترجميه: هناك مقطع غامض في نص من نصوصك ويمكن أن يُقرأ بطريقتين مختلفتين، فماذا أردتَ أن تقول؟ فيقدم له إيكو ثلاث إجابات ممكنة: “كان تعبيري غير موفّق”، “لجأت إلى الغموض عمداً”، “بصراحة لم أشعر بالغموض وتدبّر الأمر بذكائك”. كأن لسان حال إيكو يقول لقارئه أو لمترجمه إن عليه أن يضطلع بجزء من العملية وأن يؤول النص بنباهةٍ وحده. وأورد في كتابه “حدود التأويل” (1992) أن مقاصد الكاتب قد تختلف عن مقاصد القارئ. ففي المنظومة اللغوية هناك خيوط كثيرة وتشابكات، وهناك عناصر مرئية وواضحة، وعناصر ترتبط بالمضمرات وبحواف الكلمات. ولكن التأويل السليم يبقى مرتبطاً بالكلمات والعبارات التي اختارها الكاتب، ولا يكون منفلشاً ومبنياً على رغبة القارئ ونزويته، بل يرتبط بمعطيات النص وحيثياته ومقاصده. وتقتضي عملية القراءة توظيف عناصر عديدة تخضع لمعطيات النص ولمهارات القارئ ولنظرته إلى العالم. ويعطي إيكو بعض الأمثلة عن الالتباسات الممكنة بين مقاصد المؤلف ومقاصد القارئ. ويرى أن معظمها يعود إلى مطابقة السرد القصصي (من طرف الكاتب) مع الواقع المعيش (من طرف القارئ). وتقدم قراءة الروائي للحدث بعض الإضاءات لقراءة القارئ له ويضيف هذا الأخير إليها إضاءات خاصة به.
وفي الفصل الخاص بشخوص الأخيولة، يرى إيكو أن الخيال في الرواية هو سيد الموقف، حتى وإن وجدت له بعض سمات من الواقع الجغرافي. ويذكر أن الكسندر دوما كتب في مذكراته ما يلي: “يمتاز الروائيون بأنهم يخلقون شخوصاً يقتلون شخوص المؤرخين. ومردّ هذا أن المؤرخين يكتفون بذكر أطياف مجرّدة، في حين أن الروائيين يخلقون شخوصاً من لحم ودم” (ص 83 من نص إيكو). ويذكر إيكو أن ابن سينا قال ذات يوم إن الوجود ليس صفة عرَضية لجوهر أو لماهية معينة، إذ توجد أشياء مجردة وأشياء واقعية. ولتبيان ذلك، لا بد من التوقف عند بعض شخوص الأخيولة وعند العالم الذي يعيشون فيه.
تَعرض النصوص السردية شخوصاً متخيلين وأحداثاً متخيلة. ثمة اتفاق ضمني بين كاتب يرى أن ما يكتبه قد يكون حقيقياً، وبين قارئ يأخذ الكاتب على محمل الجد. لذا يتصور الروائي عالماً ممكناً تناط به جميع آرائنا الخاصة بالصحيح والمغلوط. ويحرص الروائيون على ألا يكون ثمة تباين بين عالم الرواية والعالم الذي نعيش فيه. فإذا تكلمت الرواية عن برج إيفل في باريس، فإنها تتكلم عن البرج الحقيقي الذي نعرفه جميعاً. وعندما تتكلم عن الثلج الطبيعي تفترض أن لونه أبيض.
ينظر كل روائي إلى شخوص رواياته من زاوية معيّنة. كثيرة هي وجوه أوديب وأنتيغون وميديا ومدام بوفاري. وتناولها كل كاتب بطريقته ليُثبت مقولةً أراد التركيز عليها. أي أن الشخصية الروائية تحمل موضوعاً سيميائياً معيناً. لا يدلّ عَلَم البلاد على قطعة قماش مستطيلة فحسب بل يدل على رموز معينة وتاريخ محدد. والسمفونية الخامسة التي لحنها بيتهوفن ما بين 1804 و1808 والتي تدور فكرتها حول القَدر والمصير والمستقبل والمؤلفة من أربع حركات رئيسية تبقى بنيتُها كما هي حتى وإن استُبدلت آلة موسيقية أثناء العزف بآلة أخرى قريبة منها وفي ظروف عزفية سيئة. المرجعية واحدة وإن اختلفت التفاصيل. فعندما يتكلم النص الروائي عن شخصية معينة مثل نابوليون، فإنه يتكلم عن ذلك الإمبراطور الفرنسي الذي غزا مصر وعدداً من البلدان الأوروبية بعد معارك عديدة انتصر فيها ولكنه هُزم في معركة واترلو ونُفي إلى جزيرة القديسة هيلانة وتوفي هناك في 5 أيار/مايو 1821. ولا يتصرف الروائي بهذه المعلومات التاريخية كما يطيب له. ولكنه أمام الرواية الفانتاسية أو روايات الرعب، يشحذ مخيلته فتبدع شخوصاً لا تمتّ إلى الواقع بصلة: وحوش أسطورية، تنانين، مصاصي دماء، فرانكنشتينات، عائدين من القبور… بالإضافة إلى أماكن أسطورية: قصور مهجورة، كواكب مأهولة، مقابر موحشة، أماكن مرصودة…

يذكر إيكو أن لوبيريللو خادم “دون جيوفاني” لموزارت حرص على تعداد النساء والفتيات اللاتي أغواهن معلمه، فقال: “في إيطاليا، 640؛ في ألمانيا 231؛ في فرنسا مئة؛ في تركيا 91؛ ولكنهن بلغن في إسبانيا ألفاً وثلاث نساء

من حق القارئ الناقد أن يتساءل: لماذا لم يختر أوديب طريقاً آخر غير الطريق الذي سلكه أبوه لايوس؟ لماذا لم يتمكن هاملت من الزواج بأوفيليا ومن تأسيس أسرة هانئة معها، بعد أن قتل عمه كلاوديوس ونبذ أمه؟ لماذا قرر راسكولينوف أن يقتل عجوزاً مرابية بدلاً من أن يكمل دراسته ويصبح موظفاً ذا شأن؟ هذه الأسئلة مشروعة، ولكن ينبغي عندئذ إعادة كتابة “أوديب ملكاً” و”هاملت” و”الجريمة والعقاب”، وبهذه العملية نحرف مسار القدَر الذي انقضّ على هؤلاء الشخوص.

اللوائح

أما الفصل الرابع من الكتاب فيحمل عنوان “لوائحي”. ويبدأ بلائحة صلوات كان يتلوها أُمبرتو إيكو في طفولته الكاثوليكية. ومن هذه اللوائح الدينية نشأ ولعه بالتعدادات والقوائم والمجاميع التي نصادفها أحياناً في رواياته. وفي بداية حديثه عنها، يمايز بين اللوائح العملية (لائحة مشتريات البيت، فهارس المكتبات، مجموعة الوثائق الأرشيفية أو المتحفية، لوائح الطعام في المطاعم، لوائح المفردات المعجمية…)؛ ويقول إن هذه اللوائح ذات ارتباط مباشر بمرجعيتها (السوق، المكتبة، المحفوظات الوطنية والمتحف، المطعم، القاموس)، يمايز بينها وبين اللوائح الأدبية أو الجمالية؛ وتتميّز بعبارة “إلخ، وهلم جراً” لأنها تشتمل على مجموعة كبرى من العناصر والأشخاص والأشياء والأحداث، ولا يستطيع الكاتب أن يستوفيها بشكل كامل، رغم الجهد المبذول. يذكر إيكو أن لوبيريللو خادم “دون جيوفاني” لموزارت حرص على تعداد النساء والفتيات اللاتي أغواهن معلمه، فقال: “في إيطاليا، ست مئة وأربعون؛ في ألمانيا مئتان وإحدى وثلاثون؛ في فرنسا مئة؛ في تركيا إحدى وتسعون؛ ولكنهن بلغن في إسبانيا ألفاً وثلاث نساء” (ص 142).
ويتوقف إيكو عند بلاغة التعداد فيرى أن الكتّاب يلجؤون إلى التعداد إما لأن لائحة الأعداد طويلة ولا يستطيعون ضبطها، وإما لأنهم يعشقون وقع الكلمات التي تدل على سلاسل الأشياء. وهكذا ننتقل من لائحة الإحالات أو المدلولات إلى لائحة الدوال (143). وكمثال على ذلك، يذكر أنساب السيد المسيح التي استهل بها القديس متى إنجيله، ويرى أن لهذه اللائحة قيمة عملية وإحالية في آن. ويرى أيضاً أن تعداد صفات العذراء مريم والسيدة زينب يجب ألّا تؤخذ بمعاني كلماتها بل بوقع أصواتها ومخارج حروفها، التي تركّز على الإيقاعات والنبرات والأسجاع وأنواع الطباق والجناس.
ولا يغفل عن ذكر العبارات المترادفة التي كان الأقدمون يعشقونها لأنها ترصّع الكلام. ويتوقف عند كتاب شيشرون “خطاب ضد كاتيلينا” والذي صبّ فيه الكاتب اللاتيني أمام مجلس الشيوخ جام غضبه على ذلك المارق العابث بأمن الإمبراطورية الرومانية، مستخدماً عشرات الأسئلة التي تبدأ بـ”إلى متى؟”. ويلاحظ إيكو أن هذا النوع من التعداد البلاغي شائع في المرافعات القضائية وفي فصاحة المحاكم. ويلجأ كثيراً إلى الاستفهام الإنكاري.
ويذكر أنه تأثّر، في هذا الصدد، باللوائح التي أوردها كلّ من فرانسوا رابليه وجيمس جويس. وأتوقف عند تعداد لرابليه يتعلّق بعشاء غرغانتوا؛ يقول النص: “بعد هذا، جُهّز العشاء وشوي، فوق ذلك، ستة عشر ثوراً، ثلاث عنزات، اثنان وثلاثون عجلاً، ثلاثة وستون من حملان الصيف، خمسة وثلاثون خروفاً، ثلاثمئة خنزير صغير، مئتان وعشرون طائر حجل، سبعمئة دجاجة بريّة، أربعمئة طير مسمّن، ستة آلاف فروج ومثلها من الحمام، ستمئة دجاجة أحراج، ألف وأربعمئة أرنب برّي، ثلاثمئة من طيور الحباري، ألف وسبعمئة فرخ ديك”؛ ثم يستعرض الطرائد كالحمام البري وطيور النهر والزقزاق والإوز والشهرمان والملوق ومالك الحزين والبلشون والعرة واللقلق (ترجمة أنطون حمصي، وزارة الثقافة في سوريا، 2006). ويستعرض إيكو ما وجده بلوم Bloom (بطل جيمس جويس) في درج من أدراج مطبخه، من أوراق وصور فوتوغرافية وبطاقات معايدات وبطاقات بريدية وقصائص ورقية ورسائل

يورد إيكو، في رواية “جزيرة اليوم السابق”، لائحة مذهلة بأشكال وألوان الشُعب المرجانية التي عاينها بطله روبارتو في بحر الجنوب

وتذكارات وقطع نقدية وأوراق يانصيب وعدسات مكبّرة، إلخ. (ص 150-152 من نصّ إيكو). وتيمناً برابليه، كتب إيكو في الستينات من القرن العشرين رسالة لابنه البالغ من العمر سنة واحدة وقال إنه سيشتري له مجموعة من ألعاب الأسلحة، ويعدّد له حوالي مئة سلاح من الأسلحة القديمة والحديثة (ص 152-154). ويذكر أيضاً أنه عندما بدأ بكتابة رواية “اسم الوردة” اقتبس من الأخباريين القدماء عدداً من المفردات تتعلّق بالمشرّدين والهامشيين والنشالين والمتسكعين وشذاذ الآفاق والدجالين والمشعوذين والمجانين واللوطيين والخسيسين والأفّاكين وقطّاع الطرق والهراطقة الهائمين على وجوههم، للدلالة على الفوضى الاجتماعية التي كانت سائدة في إيطاليا إبان القرن الرابع عشر. ويذكر أنه أورد قائمتهم في اليوم الثالث، صلاة الساعة السادسة، في الفصل الثالث من الرواية. وفي هذه المناسبة، لم ينسَ ذكر الفصل الثاني من “الإلياذة” التي استعرض فيها هوميروس أنواع الأسلحة والعتاد التي كانت للجيش اليوناني القادم لحصار طروادة، بالإضافة إلى أعداد الجنود وملابسهم ورتبهم العسكرية وأعداد السفن التي قدموا على متنها وأنواعها. ويذكر هوميروس أن لوائحه هذه هي من باب التمثيل لا الحصر.
ويورد إيكو، في رواية “جزيرة اليوم السابق”، لائحة مذهلة بأشكال وألوان الشُعب المرجانية التي عاينها بطله روبارتو في بحر الجنوب، مع العلم أن ايكو فُتن بدراسة الألوان وتدرجاتها التي تتجاوز الآلاف، كما قال في آخر فصل من كتابه “أن نقول الشيء ذاته تقريباً” (ص 429-452).
ويذكر أيضاً أن تاريخ الأدب يزخر باللوائح: ففي الفصل الرابع من مسرحية “ماكبث” ثمة لائحة طويلة بالمواد السامة التي تستعملها الساحرات، ولائحة أخرى من الكنوز التي جمعها توم ساوير بطل مارك توين في روايته “مغامرات توم ساوير” (1875)، ولائحة بالآلات الموسيقية التي أوردها توماس مان في الفصل السابع من “دكتور فاوستوس”، ولائحة بأثاث بيت سوان في رواية “جانب منازل سوان” لمارسيل بروست (الفصل الثالث)، ولائحة بقرى وبلدات مقاطعة الفانديه التي ثارت في وجه الثورة الفرنسية في رواية “السنة الرابعة والتسعون” لفيكتور هوغو، ولائحة بمتاهات بطل بورغيس في قصته “الألف” (1952)، ولائحة أوردها إيكو نفسه في روايته “بندول فوكو”؛ ويستعرض ما أورده ايمانويلي تيساورو في كتابه “مرقاب أرسطو” (1665) عن لوائح أو معجم الأساطير والأديان والماورائيات والطبيعيات والأحجام والكميات والاتجاهات.
وعلى الرغم من تباين عناصر اللوائح وتبعثرها، إلا أنّ هناك جامعاً يجمعها. ويرى إيكو شعرية وجمالية تنبعثان من هذه اللوائح، لا سيما بعد أن سلّطت السينما ووسائل الاتصال الضوء عليها: صفوف الراقصات وفتيات عروض الأزياء، التي تهدف إلى خلق الافتتان والسحر الحلال، وإلى تحفيز ذاكرة الناس حول ما كان وما يكون.
وبما أن إيكو هو عاشق كتب ومكتبات وجامع كتب قديمة ومخطوطات، رأى أن المكتبة هي المثال الأعلى للوائح بفهارسها وكاتالوغاتها، لأنها تمثّل زبدة الفكر البشري والثقافة الإنسانية.

*****
كتاب “اعترافات روائي شاب” كتاب جذّاب ومليء بالتهكّم الذي اعتمده أُمبرتو إيكو في معظم كتاباته. وهو أيضاً كتاب سهل القراءة، آثر مؤلفه ألا يتوجّه إلى الأخصائيين المخضرمين في نقد الرواية، بل بالأحرى إلى القراء العاديين والمستنيرين.

[1] هكذا تكلّم أمبرتو إيكو (مقالات عنه وأحاديث معه)، ص 272. دار الفارابي، بيروت، 2017.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق