قراءات ودراسات

قراءة في رواية “غزة 87” للكاتب يسري الغول

محمود حبوش

يستهلّ الكاتب الفلسطيني يسري الغول باستهلال باكورة أعماله الروائية “غزة 87” بمشهد جنسي لا إسفاف فيه بين عامل فلسطيني وربة عمل إسرائيلية، ليؤسّس به جدلية مركزية في الرواية تعتمد على أنسنة العلاقة بين المحتل/المقموع والقائم بالاحتلال/المعتدي: يغادر الشاب الغزي سرير امرأة إسرائيلية وهو يقاوم العبرات، تنقده بعض المال، فينبلج في الذهن تلقائياً أن ما جرى هو نوع من الاغتصاب.

يظهر الكاتب، الذي نشأ في مجتمع فلسطيني محافظ ولا يزال يعيش في كنفه، التجليات المعقدة للعلاقة الجنسية في هذا السياق الخاص من نوعه، فاستغلال المرأة الإسرائيلية لجسد العامل يأتي كنوع من الكناية عن احتلال الأرض (وكنوع من الاحتلال المزدوج للأرض والجسد). وفي المقابل يشعر العامل بنوع من نشوة الانتصار بغزو المحتل في عقر داره عبر هذه العلاقة الحميمة (وهو أيضاً نوع من الانتصار المزدوج الذي يُحقق أولاً بفعل المقاومة وثانياً بالاستيلاء الجنسي، وإن كان مجبراً عليه)

ويستكشف يسري الغول — وهو قاص بارع صدرت له عدة مجموعات قصصية أبرزها “الموتى يبعثون في غزة” و “خمسون ليلة وليلى” — الصراع الأخلاقي من الوجهتين الدينية الوطنية الذي ينبثق عن هذه العلاقة. ولا ينسى أن يضيف بعداً درامياً ذا عواقب أخلاقية من نوع آخر بالنسبة للفلسطينيين؛ ولنترك هنا هذا القبس من الرواية يعبر عن نفسه بنفسه (وهو جزء من حوار بين إسرائيلية وفلسطيني أنجبا طفلاً من غير وجود علاقة شرعية أو مدنية بينهما):

” – ألا تريدني أن آتي بأخٍ جديد لابننا باروخ؟
أستحلب ريقي كأني لا أفهمها، كأني لا أريد أن أفهمها أو أستسلم لهلوسات الصباح، وحين أهم بالخروج تقول ساخرة:
– سأدفع به ليكون جندياً في جيش الدفاع، ليحمي إسرائيل من بحرها إلى نهرها.”

فالنتيجة البيولوجية لهذه العلاقة هي ولادة طفل قد يرفع السلاح يوماً في وجه أبيه أو أخيه، في فعلٍ إجرامي مزدوج وإن كان متخيلاً. باختصار، ينجح الكاتب في توظيف العلاقة الجنسية للتعبير عن تعقيد العلاقة بين الطرفين، ويخلق منها نوعاً من الخطيئة الأصلية عندما يقوم جيلان متتاليان بنفس الفعل.

اتخذ الكاتب أسلوب المذكرات أو البوح الذاتي كأداة سردية، فكأنه وقع على مذكرات لأناس فلسطينيين وإسرائيليين ربطتهم المصادفات بشكل أو بآخر، ثم وضعها بين دفتي كتاب. وحاك نصه بلغة سلسلة متينة يتخللها قدر وفير من الشاعرية والنزق، وتظهر براعته التعبيرية مع كل اعتراف من اعترافات أبطال قصته أو مأساة يمرون بها في تلك المرحلة المفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية، أي الانتفاضة الأولى التي اندلعت في الثلث الأخير من ثمانينات القرن الماضي.

شخوص الرواية من الجانب الفلسطيني هم من العمال الذين يقطنون أحد مخيمات اللاجئين في غزة، وفيهم نرى الفقر الذي تخالطه روح ثورية ترغب في تحقيق الحلم الفلسطيني بالاستقلال. يتقمص الروائي بتمكّن جلي عقلية عدة شخصيات إسرائيلية — ربة عمل، مجندة من أصول أثيوبية، طبيب، إلخ — وينجح في التعبير عن كثير من مختلجاتهم، طارقاً الجوانب الإنسانية والميول العنصرية معاً — العنصرية الموجهة ضد الفلسطينيين وضد الإسرائيليين أنفسهم ممن ينحدرون من أصول متفرقة؛ أوروبية، عربية، إفريقية، إلخ.

وفي ظني، ثمة العديد من التفسيرات السياسية للرواية، لكني أعتقد أن الكاتب جنح إلى الاعتقاد بأنه طالما كانت طبيعة العلاقة هي بين شعب محتل وآخر قائم بالاحتلال، سيكون من الصعب عليهم الالتقاء (حل الدولتين؟). لكني لا أدري إن كان جال في خاطره أن الأمر سيختلف إن اختلفت طبيعة العلاقة (وأن تكون النتيجة دولة واحدة يتساوى فيها الجميع في الحقوق؟)

يحسب ليسري تحديه للكثير من التابوهات الاجتماعية والسياسية في المجتمع الفلسطيني، لاسيما الغزي منه. والرواية خفيفة الوزن ثقيلة المحتوى؛ وفي ظني، لا يجب الاستهانة أبداً بالمواضيع التي طرحتها، فهي وإن كانت متعلقة بمرحلة تاريخية سالفة، فإن التساؤل عن طبيعة العلاقة بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي لا يجب أن يتوقف، بل لا يمكن أن يتوقف. والأدب القيّم هو الذي يطرح أسئلة أكثر مما يجيب وينبش عن الدفائن أكثر مما يبني.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق