ثقافة المقال

تجليات الرحمة الإلهية في صيام رمضان

دكتور السيد إبراهيم أحمد

كلما قرأتُ آيات الله في صيام رمضان أحس بمظاهر الرحمة الإلهية تتجلى على عباده على الرغم من أنها عبادة مفروضة عليهم، وفيها ما فيها من جهاد النفس في الامتناع عمَّا أحل الله تعالى وأخرج من الطيبات، مما يجعل الاختبار شديدًا، حين يمتنع الصائم عن حلال كسبه من رزقه حلالًا طيبًا، ولم يكن مالًا منهوبًا أو مختلسًا أو مغصوبًا، وحين يمتنع بإرادته الحرة المنفردة عن التلذذ بحليلته ولو كانا معًا في خلوة في نهار رمضان، مهما كانت الدواعي والأسباب.

ومع هذا تتجلى رحمة ربي الرحيم بعباده حين فرض الصيام ولكن مع التدرج التشريعي وهي رحمة غالبًا ما تلازم الشعائر التعبدية في الإسلام، وأولها الصلاة التي فُرضت على ثلاث مراحل، وهي: المرحلة الأولى، وهي فرض قيام الليل ثم نسخه، بعد أن فرضه الله على المسلمين عامًا كاملاً، ثم نزل التخفيف في آخر السورة، بينما ظل فرضًا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت المرحلة الثانية قاصرة على صلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي.

وكانت المرحلة الثالثة من مراحل فرض الصلاة حين فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء.

وهي ذات الرحمة الإلهية التي واكبت التدرج في فرض الصيام على ثلاث مراحل، وهو ما ذكره الإمام ابن كثير، وهي:

المرحلة الأولى: صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصيام عاشوراء:
وكانت حين قدم الرسول صلى عليه وسلم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيامٍ، وصام عاشوراء. ثم أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
المرحلة الثانية: مرحلة التخيير في فرض الصيام:
فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ عنه، قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]. ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184].
المرحلة الثالثة: الصيام على من شهد شهر رمضان:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]. ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]. ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].
فأثبت الله عز وجل صيامَ رمضان على المقيم الصحيح، ورخَّصَ فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام.
وتتجلى الرحمة الإلهية حين أباح الله تعالى للمريض والمسافر الفطر في رمضان، رحمة بالعباد وتيسيرًا عليهم، وهو الذي أعطى للفقهاء قدرًا كبيرًا من الاختلاف حول المرض المبيح للفطر، وهذا أيضًا من تجليات الرحمة الواردة في آيات الله المتعلقة بالصيام، والتي راعت المريض كما راعت المسافر، وراعت أحوال المرأة أثناء الصيام.
وقد استدل جمهور الفقهاء على أن المرض اليسير الذي لا كلفة معه لا يبيح الإفطار بقوله تعالى في آية الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. فالآية قد دلت على أن الفرض من الترخيص، وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر”.

يقول الشيخ محمد على الصابوني في كتابه “روائع البيان في تفسير آيات الأحكام”: (إن الحكمة التي من أجلها رُخّص للمريض في الإفطار هي إرادة اليسر، ولا يراد اليسر إلاّ عند وجود المشقة، فأي مشقةٍ في وجع الأصبع، أو الصداع الخفيف والمرض اليسير، الذي لا كلفة معه في الصيام؟ ثمّ إن من الأمراض ما لا يكون شفاؤه إلا بالصيام، فكيف يباح الفطر لمن كان مرضه كذلك؟ ولم يكلفنا الله جلّ وعلا إلاّ على حسب ما يكون في غالب الظن، فيكفي أن يظهر أن الصوم يكون سببًا للمرض، أو زيادة العّلة، أما الإطلاق فيه أو التضييق فأمرٌ يتنافى مع إرادة اليسر بالمكلفين).
ويكفي للتعرف على أحوال المسافرين في رمضان، في قوله تعالى:﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185].

لقد أعفاهما الله من الصيام حتى يزول عنهم عذر السفر والمرض، مع تقديم الإشارة إلى هذه الرخصة التي سبقت تفصيل أحكام الصيام، قال الطاهر بن عاشور: (وتقديمه هنا قبل ذكر بقية تقدير الصوم تعجيل بتطمين نفوس السامعين لئلا يظنوا وجوب الصوم عليهم في كل حال.إن من شواهد رحمة الله ولطفه إعفاء المرضى والمسافرين من الصيام .و التعجيل ببيان هذه الرخصة).

ولقد بقي الصيام تحت التّخيير في مراحل فرض الصوم على الّذين لا يُطيقونه، أو يُطيقونه مع شدّة وضرر، فعن عبد الله بنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنّه لما قرأ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، قال رضي الله عنه: ” لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ” (رواه البخاري). ويقصد بـــ “يطيقونه” في هذه المرحلة: أي يشق عليهم.

ومن رحمة الإسلام بالمرأة حين ألحق الفقهاء الحامل والمرضع بمنطوق الآية الكريمة السابقة، مع الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، وكل من يصيبه الصوم بالإجهاد، فعليهما الفدية كما تجب على الشيخ الكبير. وإذا خافت الحبلى والمرضع على نفسيهما أو على ولديهما أفطرتا، لأن حكمهما نفس حكم المريض، أي تفطر وتقضي. وهذا باتفاق الفقهاء، ولكن الاختلاف بينهم تمثل في:
هل يجب عليهما ـ أي: المرضع والحامل ـ القضاء مع الفدية، أم يجب عليهما القضاء فقط؟
ولقد ذهب أبو حنيفة إلى أن الواجب عليهما هو القضاء فقط، وذهب الشافعي وأحمد إلى أن عليهما القضاء مع الفدية.

ولقد كان من رحمة الله تعالى بالمرأة أنها إذا حاضت أو نفست لا تؤمر بالصيام، بل تُنهى عن الصيام في حالتها تلك، ولو صامت أثمت ولم يصح صومها، وقد أجمع العلماء على تحريم الصوم على الحائض، وأنها يلزمها قضاء ما أفطرته بسبب الحيض إذا كان الصوم واجبًا كصيام رمضان.

إن منع المرأة من الصيام في حالتي الحيض والنفاس مرده ضعف بنيان المرأة الذي يلزمها بالحصول على قسط وافر من الراحة والطعام والشراب، فلم يناسبها إيجاب الصيام عليها، بل إن الله تعالى رحمة بها وضع عنها الصلاة المفروضة، ويجب عليها أن تقضي بعدد الأيام التي أفطرتها من رمضان، ووقت القضاء موسع لها من رمضان الذي أفطرت فيه إلى رمضان الآخر، ولا يجوز لها تأخير القضاء إلى ما بعد رمضان الآخر بغير عذر.

وأرى مع من يرى من أن التماس بعض العلماء للحكمة العلنية أو الخفية لمنع الحائض من الصوم بالتعليل بما يحصل لها من الضعف، فإن هذا لا يوجب لها أنها إذا كانت لا تضعف بسبب الصوم وتطيقه وهي حائض أو نفساء أن تصوم، ذلك أن ما يذكرونه من حكمة للحكم، وليس علة يدور معها الحكم وجودًا وعدمًا، بل هي ستظل ظنية لا يمكن لها بأي حال مهما بلغت وجاهتها أن تقضي على النصوص الثابتة في الصحيحين، وإنما كل ما في الأمر أنه يستأنس بها في معرفة أسرار الشريعة وغاياتها المحمودة.

والواجب على المؤمن هو التسليم المطلق لحكم الله تعالى والانقياد له حتى وإن غابت عنه الحكمة منه؛ فيكفيه أنه أمرٌ له صادر من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:36].
إن آيات الله في صيام رمضان فيها الكثير من شواهد الرحمة الإلهية التي تتجلى على عباده على الرغم من أنها عبادة مفروضة عليهم، وفيها ما فيها من المشقة، ولكنه اللطيف الخبير بعباده، العليم بأحوالهم، فرض الفرض، وجعل لهم الرخص التي يستعملونها عند الحاجة إليها تخفيفًا عليهم، وتيسيرًا لهم، ودفعًا للحرج عنهم، وما يريد بهم سبحانه إلا اليسر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق