الموقع

هذا الراهن العربي

د . لطفي زغلول

تحت ظلال هذا الراهن العربي المنتمي إلى عائلة العجز والتخاذل واللامبالاة، علقت كثير من القضايا العربية التي يفترض أن تكون لها أولوية البحث وإيجاد الحلول. إلا أن إهمالها وعدم الخوض فيها إلا من قبيل ذر الرماد في العيون، يخشى أن يحمل في طياته التخلي النهائي عن هذه القضايا، وترك كل قطر عربي يتخبط في قضاياه. حتى الآن يمكن لنا أن نحصي عددا لا بأس به من هذه القضايا العالقة. في مقدمتها القضية الفلسطينية بعامة، وقضية القدس بخاصة. وها هو العام الثالث والستون للنكبة الفلسطينية قد هلت أشهره، وأقل ما يقال في هاتين القضيتين أنهما أصبحتا رهن المشروعات الإستيطانية والتهويدية. والأخطر من هذا كله ترك الفلسطينيين يخوضون معترك ما يسمى المفاوضات المباشرة. واذا كانت هاتان القضيتان هما الأساس، فثمة الكثير من القضايا الماسة ذات الصلة. ثمة الحصارات والإغلاقات والحواجز التي شلت معظم الأنشطة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والتربوية والتنموية الفلسطينية وغيرها، ومثالا لا حصرا حصار غزة الخانق الذي وجد تعاطفا من غير الأمة العربية، او أنظمتها السياسية.

هناك سياسات ورؤى يستمدها الإحتلال الإسرائيلي من تأييد منقطع النظير لكل خطواته من حليفته الإستراتيجية الولايات المتحدة الأميركية التي لعبت دورا خطيرا في خداع الشعب الفلسطيني، موهمة إياه بأنه أصبح قاب قوسين أو هو أدنى من دولته الفلسطينية، فاخترعت له هذه المفاوضات العبثية المستدامة تحت ظلال استيطان، لا يعلم إلا الله متى تكون نهايته. وها هي الآن تمارس ضغطها على الفلسطينيين ليباشروا معترك المفاوضات المباشرة، وكأن تسعة عشر عاما منذ أوسلو حتى الآن غير كافية، والتي يعتبرها الفلسطينيون أنها ذهبت سدى.

إنها ثلاثة وستون عاما عجاف هي عمر النكبة، وليس هناك من بصيص نور في آخر النفق، والأخطر من هذا كله أن ما يجري على الساحة الفلسطينية، قد أصبح وكأنه لا يعني الأمة العربية بأي شكل من الأشكال. ولكي يكتمل المشهد السياسي العربي، تجري بين الآونة والأخرى تحركات عربية ليس لها أدنى تأثير على ما وصلت إليه الأوضاع العربية.

وإذا كانت هذه حال ما يفترض بها أنها أقدس قضية عربية وإسلامية، وأقدمها في تاريخ العرب المعاصر. فماذا يمكن أن يقال عن قضايا عربية أخرى لها أهمياتها وتأثيراتها وتداعياتها المحلية والإقليمية في العراق وفي السودان وفي الصومال وفي اليمن وغيرها؟. مرة أخرى نؤكد ما أشرنا إليه في مقدمة حديثنا من أنها قضايا لم تعد تهم الأنظمة العربية، ولا العالم العربي. وعلى ما يبدو أن إطلاق مسمى قضايا عربية عليها قد يكون هو الآخر فيه ابتعاد عن جوهر الحقيقة. وحقيقة الأمر إننا لا يتجنى أحد منا على العالم العربي أنظمة وشعوبا، ولا يظلمه البتة حينما يصف الحال التي يمر بها بأنها حالة تآمر صامت وتعاجز غير مسبوقة في تاريخه إزاء قضايا يفترض أنها مصيرية، وهي في نفس الوقت لا تهم شعبا من شعوب الأمة العربية دون آخر، بل هي على العكس قضايا قومية تمس الجميع آجلا أم عاجلا، سواء أدركوا هذه الحقيقة أم تجاهلوها.

إن العالم العربي يسير بعكس تيار المنطق والعقلانية فيما يخص تفاعله مع الأحداث المحيطة به، والتحديات التي تنصب عليه، أو تلك الأزمات التي تحل به، أو أنها ما زالت تلازمه منذ عقود. إن المفترض أن يزداد وعيه للأخطار المحدقة به، والآخذة بالتفاقم، كونه دون أدنى شك يمر بمرحلة من التطور في عديد من الصعد العلمية والمعلوماتية والإقتصادية والتي يفترض أن تزيد من وتيرة إدراكه بأن مقدراته مستهدفة، وبالتالي فإن عليه أن يواجه هذا الإستهداف وهذه التحديات بقدر معقول ومواز من التماسك والتضامن العربيين في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء، وفي عصر هو عصر التكتلات والأحلاف. إلا أن معادلة العالم العربي في هذا الصدد عكسية. فهو آخذ في التشرذم والإنكماش  والتقوقع القطري والتعادي في جو من اللامبالاة وعدم الإكتراث بما يدور في ساحته العربية. وهذا ما يسمى حالة صمت العجز العربي التي فقد فيها كثيرا من المشاعر والأحاسيس القومية، فبات لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم ولا ينفعل إزاء ما يجري مثالا لا حصرا في فلسطين أو ما ينتظر غيرها. وإذا كنا هنا نذكر فلسطين فلأن لها خصوصية قومية وعقائدية، ويفترض أنها قاسم مشترك أعظم لكل العرب والمسلمين. إن القدس وتحديدا الأقصى الذي بارك الله حوله هي جزء لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية التي يدين بها غالبية العرب. إنها أمانة تاريخية وإرثية ودينية في أعناقهم جميعا، لا في أعناق شعب فلسطين وحده. ولا يفترض بأية حال من الأحوال أن يلتزم بها شعب واحد أعزل مشرد محتل محاصر مضطهد نازف الجرح منذ نيف وستة عقود، وهو الشعب الفلسطيني الصامد المرابط الحائل دون تهويد الأرض والمقدسات، بينما يتفرج عليه بصمت ولا مبالاة ودون أي اكتراث ستة وخمسون شعبا عربيا ومسلما، وتحديدا واحد وعشرون شعبا عربيا يفترض أنهم الأقربون. إن الإنسان يتساءل، والحال هذه،: لماذا انقلب العالم العربي هذا المنقلب؟. وأين الجماهير العربية؟ وماذا حل بها حتى أصبحت على هذه الحال؟ وهل هي حالة دائمة لا سمح الله، أم أنها”شدة وتزول”؟.

برغم ذلك كله فنحن الفلسطينيين باعتبارنا الشعب العربي الأوحد الذي ما زالت تنزل في ساحته الكوارث وتحل المآسي منذ نيف وستة عقود، والذي يشعر أنه فقد عمقه العربي في أحلك أوقاته وأصعبها وأمرها، لا نريد أن نفقد الأمل في غمرة هذا اليأس الكبير، ولا أن نجعل القنوط يستحكم في نفوسنا برغم أنه يحتل مساحة شاسعة منها. في خضم هذا الراهن العربي اللامبرر، تبرز حقيقة مرة مفادها أن العالم العربي أنظمة وشعوبا اليوم غيره بالأمس. فثمة الذين ازدادت أموالهم أكثر بكثير مما كانوا يحلمون في يوم من الأيام، فأصبحت لهم اهتماماتهم وشؤونهم الخاصة التي يسرحون في ساحاتها وينعمون من خلالها بما أنعم الله عليهم من آلاء.

وثمة الذين يزدادون فقرا على فقرهم، ويعانون غائلة ارتفاع الأسعار، أو أنهم بلغة الإقتصاد المهذبة يواجهون حالات من الكساد الإقتصادي والبطالة، الأمر الذي يفرض عليهم السعي المميت وراء رغيف الخبز والدواء وتأمين قسط ما من التعليم لأبنائهم. لكن القاسم المشترك الأعظم لهؤلاء وهؤلاء هو الأنظمة العربية التي اختطت لنفسها نهجا بعيدا كل البعد عن الديموقراطية الحقيقية والحريات الإنسانية الأساسية، وفرضت على شعوبها هذا الصمت كي لا يصبح”الكلام” مساسا بأمنها واستقرارها هي، أو يزعج الآخرين الذين يدان لهم بالولاء. وكأن لسان حال هذه الأنظمة العربية يردد المثل العربي القائل:” إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب”. إن الأنظمة العربية مسؤولة مسؤولية مباشرة عن هذه الحال العربية، كونها أساسا تقوقعت في قماقمها القطرية وعملت فرادى، وكان لكل منها” منظورها الهزيل” تجاه القضايا أيا كانت. وإذا كان العالم العربي يحظى ببعض التحركات السياسية من مستويات سياسية عليا، بين الآونة والأخرى، فإننا نجزم أن هذه التحركات ما هي إلا ذر للرماد في العيون، وهي من ناحية أخرى لا تسمن ولا تغني من جوع.

إنها جميعا شاركت وساهمت في التفريط بالثوابت والمواقف واللاءات التي كانت حصنها الحصين وسورها الحامي العظيم، ورفعت شعارات سلام استراتيجي من جانب واحد، وتدثرت بإزار الخوف والمسكنة والإستجداء، وتجاهلت بأن هناك”لا” واحدة لا ينبغي أن تغيب عن اللسان العربي لأي كائن مهما كان، وأنه في النهاية وكما يقول المثل الشعبي” لا يقطع الرأس إلا من ركبه”.

إن الشعب الفلسطيني في وطنه، وفي الشتات يتألم لهذا المشهد العربي التخاذلي الكارثي. إنه يخشى على هذه الأمة أن يحل بها مزيد من الكوارث لا سمح الله جراء سياسات أنظمتها، وصمت جماهيرها التي على ما يبدو ارتضت هذا الواقع المرير.

إن الشعب الفلسطيني يخشى كل الخشية أن تتفكك كل عناصر الإنتماء القومي في هذه الأمة العربية وتنحل مع الأيام لتتحول إلى مجرد شعوب ناطقة باللغة العربية ليس إلا، وللأسف فحتى العربية لم تعد مانعة في ظل تراجعها الملحوظ تحت وطأة هذا الغزو الثقافي العولمي، ولا يعود يربطها بعضها أكثر مما يربطها بالشعوب الأجنبية الأخرى.

إن الفلسطينيين يذكرون أشقاءهم العرب إذا كانوا حريصين على عروبتهم أن القضية الفلسطينية–والقدس في صميمها– هي العنصر الوحيد الذي ما زال يذكرهم بعروبتهم وجزء هام من عقيدتهم، بعد أن لم يعد هناك أي طرح لأية مشروعات وحدوية عربية إقتصادية كانت أو سياسية أو ثقافية أو تربوية أو غيرها على الأجندات السياسية العربية، وبعد أن غابت شمس الوحدة العربية، لعل الذكرى تنفع المؤمنين. ويظل السؤال: إلى أين هذا الراهن، وهذا العجز،وهذا التخاذل وهذا التآمرعلى قضايا الأمة، وإلى متى؟.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق