قراءات ودراسات

التقنيات السينمائية والأساليب الفنية في ديوان أحزان الفصول الأربعة للشاعر نضال القاسم

د. ماجدة صلاح

(أحزان الفصول الأربعة) هي المجموعة الشعرية السادسة للشاعر نضال القاسم، إذ صدرت له مجموعات شعرية وهي على التوالي: أرض مشاكسة ، ومدينة الرماد ، وكلام الليل والنهار ، وتماثيل عرجاء ، والكتابة على الماء والطين ، وأخيرا هذه المجموعة قيد الدراسة.
يتسم شعر القاسم بهيمنة الحس الوطني على مجموعاته الشعرية ، إذ أخذ على عاتقه قضية وطنه المسكون فيه ولم يغادر روحه يوما رغم بُعده القسري عنه. بل إنه تجاوزها معبّرا عن وجع الإنسانية وأمراض العصر، فخلف كل قصيدة قضية مهمة يطرحها، وهدف إنساني ينشده، فشعره مبني على مضامين هادفة ، مفعم بالأحاسيس والمشاعر التي تحرّك وجدان القارئ لملامستها همومه وعذاباته، فتثير مشاعره تاركة أثرها فيه.
يغترف مضامين شعره من معين الحياة التي يعيشها بهمومها وهزائمها وتوتراتها وجمالها غير منسلخ عن الواقع. مبرزا الجانب المشرق ، وفاضحا الجانب المظلم بكشف عورات المجتمع وتصوّير الواقع المأزوم القبيح بأسلوب فني جميل يثير الدهشة ويحرّك الوجدان .
استعان الشاعر بفنون متعددة وتقنيات مختلفة كالمشهدية، واللقطة ، والأسطورة، والرمز، والتناص، والتكرار، وغيرها من التقنيات التي منحت قصائده تنوّعا وحياة. وفي هذه العجالة نتناول بعض هذه التقنيات والأساليب. وانطلاقا من أن دور الشعر ـ كما يقول بريتون ـ ” أن يظل يتقدم دون توقف، أن يكتشف مجال الإمكانات في كل وجهة، وأن يبدو ـ مهما يحدث من أمر ـ قوة تحريرية ورصدية”() فقد اتجه الشاعر نضال القاسم نحو التجريب والتجديد، متخطيا حدود وصف الواقع الذي يعيشه إلى إعادة صياغته من جديد وتركيبه بما يناسب رؤاه ، مركزا على البناء الفني من خلال معطيات وتقنيات متعددة منها: اللغة الدرامية البناء الدرامي للسير بالقصيدة نحو تصوير حركة الواقع والتفاعل معه، فوظّف الرمز بأنماطه وأشكاله المختلفة كوجه من وجوه التعبير بالصورة() في شعره عامة وفي ديوانه محل الدراسة( أحزان الفصول الأربعة) بصفة خاصة.

تقنيات سينمائية:
استعان القاسم بتقنيات من الفن السابع، إذ يرى بعض منظريه أن ” الفيلم كتابة بالصور” . ومن هذا المنطلق لجأ القاسم إلى تقنية المشهدية واللقطة لتجسيد الأفكار والمضمون، وبث الروح والحركة في تلك اللقطات التي يقتنصها من الحياة ، متحدة مع الرمز للتعبير عن مشاعره ورؤيته للعالم، وتصوير الواقع وإعادة صياغته بصورة فنية خلاّقة.

المشهد واللقطة:
يعد المشهد وحدة السيناريو، وهو في إطاره العام حدث يقع في زمان ومكان، وإيقاع وصراع أي: دراما سينمائية صغيرة ، يبنى من لقطات متوالية لتحقق مجتمعة أبعاد المشهد وإحداث التأثير والإحساس بفكرتها وترك الأثر المرجو في المتلقي فـ ” ليس هنالك شيء مثل المشهد قادر على أن يمنح الحياة والحركة للقصة”. ومن اللقطات تتكون المشاهد وباجتماعها يتم الوصول إلى فيلم متكامل ودراما كبيرة(). والقارئ لديوان القاسم يلاحظ تنوّع الصّور والمشاهد في قصائده

المشهد الذي بُني على الوصف( الوصفي)():
يهتم نضال القاسم في معظم قصائده بإبراز الجو المكاني والزماني، إذ يمثّل المكان عنصرا مهما في غالبية قصائده، كقصيدة ” كل شيء يذكرني بليلى” وقصيدة” إني متعب جدا” حيث ربط البُعد النفسي بمظاهر الطبيعة” مخرجا خفايا النفس وكوامنها على هيئة حديث ذاتي أو مونولوج داخلي، يعكس الحالات النفسية المختلفة من قلق وتذكر وحزن وانفعال “. ففي قصيدة” كل شيء يذكّرني بليلى” التي استهلها بوصف مسهب لليلى ، انتقل إلى وصف ما يتعلق بها(بيتها) فجال بعدسته الشعرية المكان، واصفا كل ما تقع عليه عينه بلغة مرئية، مستعينا بمكونات الصورة السينمائية فقال:
كل شيء يذكّرني بليلى…
الطريق المؤدي إلى بيتها المنزوي في السفوح
جدرانه البيض خلف الظل والزقزقات/ شرفته الصغيرة والأصص
أثاثه المهلهل/ أبوابه الموصدة/ مقاعد الاسفنج والخيزران/ ملاءة السرير والوسائد الزرقاء والستائر
شبّاك غرفتها المضيء/ قطّتها الأثيرة/ أزهارها الذابلة (الديوان، ص66)
تكون المشهد من لقطات، خارجية من بعيد( الطريق المؤدي إلى بيتها المنزوي في السفوح، جدرانه البيض خلف الظل والزقزقات) ، ولقطات داخلية تصوّر فيها عدسة الكاميرا الشعرية محتويات البيت (أثاثه المهلهل، ملاءة السرير والوسائد، مقاعد الاسفنج والخيزران،..).
استعان الشاعر بمكونات الصورة السينمائية من ديكور وإضاءة ولون وحركة، متجولا بكاميرته الشعرية في المكان الموصوف، مصورا إياه من زوايا متعددة، لقطات داخلية وخارجية، إذ يعد المكان المحدد الرئيس للمشهد وتغييره يعني الدخول في مشهد جديد، فالمشهد ” لا يتحدد بما يحتويه من حدث ولا بدخول وخروج الممثلين ولكن بتغيير المكان أو مرور الوقت”() . يبدأ المشهد بلقطة بعيدة تظهر الطريق المؤدي إلى بيتها المنزوي في السفوح، مركزا على البيت من الخارج بجدرانه البيضاء الدالة على النقاء والسلام، وزقزقات الطيور الدالة على الهدوء والأمان (لون وصوت وصورة)، وشرفته الصغيرة المليئة بالأصص، ثم ينتقل إلى مشهد داخلي تتجول فيه الكاميرا الشعرية داخل البيت، مصوّرة لقطات متتالية لأثاث البيت المهلهل القديم، بمقاعده الاسفنجية، وغرفة نومها وسريرها المغطى بملاءة زرقاء، والستائر المنسدلة ذات اللون الأزرق أيضا فـ ” اللون عنصر متمم للصورة، واستخدامه أكثر بكثير من التسجيل الآلي للألوان….” ، وشباك غرفتها المضيء(لون وإضاءة)، وبتجميع العناصر المتعددة وإدماجها وترتيب اللقطات التي صوّرتها عدسة الكاميرا الشعرية يضعنا الشاعر أمام مشهد سينمائي متكامل وكأننا نتابع مشاهد حية من فيلم سينمائي.
إن استحضار الشاعر لعناصر البيت (المشهد) بكل تفاصيله يشي بتعلقه بالمكان ورسوخ هذه الذكريات في ذاكرته واحتفاظه بها وحرصه على بقائها حاضرة أمام عينيه.

الرمز:
وظّف الشاعر عددا كبيرا من الرموز الأسطورية والتاريخية والدينية في قصائده، ففي قصيدة (بحيرة لوط) التي يصوّر من خلالها تاريخ العرب، حيث استدعى التاريخ بوقائعه وأحداثه المفصلية، وأعلامه، وأماكنه (سدوم، البحر الميت، بلاد الشام، بصرى، حوران، قرطاج، مؤاب)، وشخصيات كان لها بالغ الأثر في تغيير مجرى التاريخ( بيبرس، ميشع، القعقاع، هاني بعل)، وأسماء معارك خاضها العرب المسلمون ضد الغزاة المعتدين وانتصروا فيها فارتفع شأنهم بين الأمم (اليرموك، مؤتة، الكرامة، ذي قار)، استدعى أزمنة ووقائع مشرّفة من ماضي الأمة العربية التي صنعها الأجداد في مقابل حاضرها المخزي المتردي بنبرة حزينة وحسرة دفينة غلّفت كلمات الشاعر الموجوع بعروبته، المطعون بكرامته:
قمر على جلعاد/ وبريق أرواح من اليرموك قد عرجت ومن ذي قار/ غصن أخضر ويمامتان/ صلصال ودفلى/ ذئب تائه يعوي/ صدى إيقاع أغنية/ فراش أزرق/ صفصاف/ ركام مدينة جرداء/ قحط/ أرخبيلات/ بلابل/ بحر ميت/ ونافذة تطل على سدوم.(الديوان، ص25)
تزخر القصيدة بالرموز، ففي كل سطر شعري رمز أو أكثر يستدعي دلالات مخبوءة، (غصن أخضر ويمامتان، صلصال، ودفلى، ذئب، فراش، صفصاف، بلابل، نافذة ..) وقد رمز للسلام بالغصن الأخضر واليمامتان، وللفظة الصفصاف دلالات متعددة، فهي شجرة ضخمة معمرة، غصونها عالية لكنها خاوية لا تثمر، وفي جذورها الضاربة في أعماق الأرض دفء، فهي تجسد أحزان وآلام الأمة، وهذه الرموز تدل على حال المدينة الباهت، المغلفة بالسكون (قحط، ركام مدينة جرداء، أرخبيلات، بحر ميت). وحضور سدوم يستدعي قصة قوم لوط والعقاب الذي حلّ بهم، وربما وراء قوله (نافذة تطل على سدوم) إنذار بعقوبة على وشك الوقوع. كما وظّف بعض عناصر الطبيعة كالريح التي رمزت للثورة والتغيير. أما الفراشات فهي رمز لتجدد الحياة وتحوّلها، لكن الشاعر عدل عن هذه الدلالة، إلى الدلالة على الجهل وزوال العقل والعبثية()
إن توظيف هذه الرموز أغنى عن الإطالة وعمّق المعنى وأثراه بما يحمله من دلالة إيحائية واستثارة معاني مستترة، فاليرموك وذي قار ومؤتة والكرامة كلها معارك مشرّفة خاضها العرب، شكّلت منعطفا مهما عزز مكانة الأمة العربية وهي ذات مدلول شعوري . وفي المشهد مزاوجة بين الصوت واللون(ذئب يعوي، فراش أزرق).
يشعر القارئ العادي للوهلة الأولى بتفكك المقطع الشعري وعدم ترابطه، فكل لقطة أو صورة منفصلة ظاهريا عن غيرها، ولكن هناك رابط خفي يربط بينها، وهنا يكمن دور القارئ في إعادة تشكيل وربط الصور واللقطات لتكوين وبناء مشهد متكامل. استعان الشاعر باللون والحركة والصورة والإضاءة في تكوين المشهد، يبدأ المشهد بتحديد المكان والزمن، لتهيئة المتلقي لأحداث الحكاية، فالزمن ليلي بدلالة القمر الذي يطل على مدينة جلعاد(عجلون) ، وقد تنحى الشاعر/ المخرج جانبا تاركا لعدسته الشعرية رصد المكان وتصوير الأجواء العامة للمشهد، مستعينا في ذلك بالرمز، يبدأ المشهد بوصف مدينة تبدو للوهلة الأولى كباقي المدن، ينير سماءها القمر وأرواح الشهداء ترفرف عليها، ورمز السلام غصن أخضر ويمامتان، لكن ينكشف الوجه الآخر للمدينة ليظهر اختلافها عن باقي المدن، فكل شيء ساكن إلا من حركة (وصوت ذئب يعوي) ، إنها أطلال مدينة خاوية على عروشها. ووسط هذا الوجوم الذي يخيّم على معالم المدينة واليباس الذي يغلفها، تهب الريح من بلاد الشام معلنة دحر الظلم وقهر الطغيان، فرسان يأتون من الماضي الجميل، من الشرق القديم ليهزموا العدو ويحدثوا التغيير:
ريح من بلاد الشام/ فرسان من الشرق القديم../ من بُصرى ومن حوران، من قرطاج والصحراء/ بيبرس/ ميشع/ القعقاع/ هاني بعل/ خيل تقهر الطغيان جاءت من مؤاب/ جند يعبرون النهر يحرقهم شواظ الشمس
إنها نبوءة الشاعر أو أمنيته، إذ يتمنى وحدة العرب وربما يتنبأ بتغيّر الحال وبثورة تقهر الظلم وتبدد الظلام كما حدث في ماضي الأمة التي استيقظت من غفلتها ونهضت من سباتها، فهل يتحقق ما يتمناه الشاعر ويحلم به؟ وقد حشد رموزا لأسماء قادة وملوك تركوا بصماتهم مضيئة على جدار الزمن وفي قلوب شعوبهم بعدلهم وشجاعتهم في فترات مختلفة، ومن بلدان عربية متعددة( بيبرس، ميشع، القعقاع، هاني بعل).
والريح كرمز ” تدل على معنيين متناقضين، فهي تدل على الخصب والرزق والنصر والظفر والبشارات،….، وربما دلت على الجوائح والآفات إذا كانت دبورا” وقد وردت بالمعنى الإيجابي، فهي هنا رمز للتغيير والثورة التي يقودها المقاومون. يأتي المشهد الثاني متحركا صاخبا بفعل الريح القادمة من بلاد الشام بجلبتها وأبطالها وخيلها، مستعينا بصيغ المضارع لبيان التجدد والحركة، معلنا عن قادة التغيير والأبطال القادمين من وراء النهر ، مستدعيا التراث الفلسطيني المتمثل بالأناشيد والأغاني الشعبية ” طلت البارودة والسبع ما طل/ يا بوز البارودة من الندى منبل” إنهم أبطال المقاومة. ليختم قصيدته بالتفاؤل بغد منشود تنهض فيه الأمة من سباتها وتنفض عنها الاستعباد والاضطهاد، وتثور على الظلم والطغيان.
ويبقى شعاع الأمل بازغا حيا نابضا في شعر القاسم رغم الواقع المظلم:
يا أمة موجوعة من كل جانب/ رحل الأذلاء الأرانب والزناة/ رحل الطحالب والطغاة/ النصر أغنية الحياة
فهو يأمل في صحوة وعودة الأمة العربية إلى عهدها التليد وماضيها المجيد السعيد.

المشهد المبني على الحوار(الحواري):
اعتمد الشاعر على المشاهد الحوارية فبنى عليها بعض قصائده، ونقصد بالمشهد الحواري، تلك المشاهد التي تقوم على كلام منطوق على لسان الممثلين والممثلات في الفيلم(). وقد بُنيت مشاهد قصيدة “ميدوري” على الحوار، وتعد هذه القصيدة فيلما سينمائيا بعناصره وتقنياته المختلفة، ففي الحوار الذي دار بينه وبين مضيفة طيران أعجب بها حين رآها ، فقال:
تبعثرت لما رأيتك ما بين ضوء وظل/ تهدّج صوتي، قلت: ما اسمك؟/ قالت: ميدوري/ وماذا تعملين هنا، قالت: مضيفة في الطائرة/ قلت: من أين أنتِ يا ساحرة/ قالت: من بلاد الشمس/ قلت: أليس من وقت لديك
قالت: جدول الأعمال مزدحم(الديوان، ص 81: 84).
بعد هذا التعارف بينهما يتبنّى الحوار مهمة تعريف المتلقي بأهم معالم وتراث اليابان على لسان المضيفة التي ستتولى تحديد موعد لقائها بالعربي( الشاعر):
لو نلتقي في الصباح لنشرب الشاي في ” كانتاكا” وراء الأفق/ وهناك نبدأ الحوار عن فوكوياما وعن ناطحات السحاب/ نناقش خدعة “الهولوكست” ورقصة” التانغو” ونحكي عن / طواحين الهواء/ ونلقي خطابا نعدد فيه المآثر عن حاملات الصواريخ والعولمة
بُني المشهد الحواري على طرفين، الشاعر ومضيفة الطيران، بعد أن بدأ بوصف دقيق حدد فيه الإطار العام للمشهد ( المكان والزمان والحدث)، بإسهابه في وصف المكان لتهيئة المتلقي للدخول في أجواء المشهد، ثم تولّى الحوار تقديم الشخصيتين المتحاورتين، والكشف عن طبيعة العلاقة بينهما وطريقة تفكيرهما ، فالطرف الأول الشاعر العربي المسافر إلى اليابان، الذي بادر بفتح الحوار مع المضيفة بعد أن أبدى إعجابه بها، والطرف الثاني(المضيفة) اليابانية التي تعمل في الطائرة ، وقد كشف الحوار عن تجاوبها مع الطرف الأول رغم انشغالها، كما أظهر سيطرة الطرف الثاني على دفة الحوار المتعلق بمكان لقائهما، لكونها من سكّان البلد الذي يسافر إليه الشاعر. ويأتي الحوار مكثّفا كتقنية لجأ إليها الشاعر للإفصاح عن هموم وقضايا الإنسان المعاصر ، إذ غطّى جوانب متعددة من مشكلات العصر ومعضلاته، كما أنار جانبا من معالم اليابان، بدءا من مكان اللقاء الذي بيّن أهم المدن والمعالم الأثرية بحشد كم هائل من تراث وحضارة اليابان على لسان المضيفة( برج طوكيو، معبد الشنتو، متحف المدينة في أساكوسا، المتحف الوطني، شيمباشي) والأكلات والمشروبات الشعبية، (السوشي، الشابو، الساكي، الأصداف، الكافيار، والأعشاب البحرية) والألعاب الرياضية والرقصات الشعبية(السومو، التانغو) وكل ما يخص التراث الياباني ويميزه. كما تطرّق الحوار إلى قضايا العصر ومشكلاته( البنيوية، الحداثة، الهوية، والتصحّر والجوع والفقر، والتكتيك والحب، والعولمة، والتسلّح )، و(فوكوياما) المفكر الياباني الذي أثارت آراؤه جدلا واسعا، مستحضرا رموزا وأساطير عالمية وأحداثا تاريخية على لسان المضيفة اليابانية تمثّل الصراع الدائر بين الخير والشر( طواحين الهواء، خدعة الهولوكست، الطوفان، العنقاء، الثور السماوي) . في حين اقتصر كلام الطرف الأول (الشاعر) على أوضاع الأمة العربية والإسلامية وترديها :
فلا تمعني في السؤال ما بين ظلي وبيني، ولا تسأليني/ عن الأهل والحال والأصدقاء ما بين شط الجريد وشط العرب/ فكل الدروب في بلادنا تؤدي إلى المقبرة/ غدا…ربما نلتقي في المساء/ وهناك متسع لنحكي عن ” قريش” و” أبي ذر الغفاري” و” كليب”/ و” تميم” و” قضاعة” و” المهلهل” / ربما نتقاطع…أو نتوازى وهناك ندخل في حديث دائم لبحث الجوع والأمن الغذائي،/ أو بحث البطالة والتضخم والشقاء/ حيث ينمو الفقر في بلادنا من الأطلسي حتى تخوم البلاد القصية/ وفي بلادنا الأنهار جفت وأعداد الخيام على المدى تزداد للنازحين/ وفي بلادنا تئن الريح والشمس تشرق حمراء حمراء/ وليس في بلادنا سوى بلادنا التي تمزقت إلى أشلاء/ ولا نرى إلا الدخان، والدموع، والدما/ وقد أنهكتنا حروب القبائل واللجان المستديمة والقرارات الجديدة/ والانتظار الطويل/ وليس في بلادنا سوى مسيرات التضامن واجتماعات الطوارئ/ واحتفالات الجلاء وليس في بلادنا سوى الغزاة والطغاة والسلع الأجنبية والضرائب/ والخواء(الديوان، ص86: 88).
استدعى الشاعر الماضي في مقابلة واقع الأمة العربية الحالي، التي تتغنّى بماضيها وتبكي حاضرها المأساوي المتهالك، وحال المواطن العربي الذي غرق في بحر الدماء والضرائب والبطالة والهموم، وعانى من الحروب والسلطة والتشرّد، صورة لواقع سوداوي قاتم ينم عن ضعف الأمة العربية وفساد مؤسساتها وفقدان الكرامة والأمن والحياة الكريمة للمواطن المغلوب على أمره.
تحدث الشاعر على لسان كل عربي باستخدامه ضمير (نا)، فهمومه ليست ذاتية، إنها هموم جمعية يقاسيها كل عربي. ولبيان استمرار المعاناة والحروب وتفاقم المآسي استخدم الشاعر الصيغ المضارعة في صوره (ينمو الفقر، تزداد، تئن الريح، تشرق حمراء، نرى) فأضفى الحركية على الصور التي شكّلت لقطات متتالية فـ( الفقر ينمو بلا توقف، والريح تئن في بلادنا العربية، والشمس حمراء بفعل الدماء المراقة). وفي حديثه عن حال الوطن العربي استخدم الجمل الإسمية الدالة على دوام الحال المتردي واستقراره في الدول العربية. تأتي الصور تباعا وكأن الشاعر فقد السيطرة على عواطفه التي انفجرت كبركان غير قابل للخمود، فلم يكترث للوزن، مستعيضا عنه بالتراكيب الفنية والانزياحات.
وقد أفصح الحوار عن أفكار وهواجس المتحاورين، فما يؤرق المضيفة مشكلات وقضايا عامة لا تمت لحياتها الشخصية بصفة مباشرة، تبحث في التسلّح والعلوم( البنيوية، الحداثة، العولمة) في حين ينصب اهتمام الشاعر ( المواطن العربي) في البحث عن ضروريات الحياة وحقوق المواطن المشروعة التي تضمن له حياة كريمة مستقرة.
استحضر الشاعر رموزا عربية وإسلامية، ولكل رمز دلالاته المختلفة، ( خطيئة آدم، ذئب يوسف، عصا موسى، أبي زيد الهلالي، قريش، أبي ذر الغفاري، كليب، تميم، قضاعة، المهلهل)، كما أشار إلى حال هذه الأمة( فكل الدروب في بلادنا تؤدي إلى المقبرة) صورة مكثفة أوجزت حال الأمة العربية، فالحوار” كلام يحتوي الإنسان كله، والكلام بين الأشخاص يحتوي المجتمع كله”(). استطاع الشاعر بهذا الحوار المكثف أن يصوّر واقع هذا العالم عامة، والعالم العربي على وجه الخصوص. وقد حشد الشاعر عددا كبيرا من أسماء المدن والمقاهي ومعالم اليابان كان بمقدوره التخلّي عن بعضها.

التكرار:
من الوسائل اللغوية التي لجأ إليها الشاعر؛ لتؤدي دورا تعبيريا إيحائيا بارزا في القصيدة، وقد وظّف التكرار بأشكال وصور مختلفة تبعا للهدف الذي ينوطه به. ففي قصيدة (فصول) استعان القاسم بالتكرار ؛ لبيان تغيّر الفصول وتبدّلها ومرور السنوات والوطن على حاله أسيرا محتلا ينتظر تبدّل الحال والتحرر:
مرّ الجواد مضمخا/ لم ينتظر أحدا/ مرّ الخريف كأنه الصبا الكسير/ ومرت الفصول والخيول والجنود/ مرّ الربيع والشتاء/ مرّ الصيف/ وموطني أسير.
إنها دورة كاملة للسنة بفصولها المختلفة، التي مرّت مؤذنة بتجددها وتبدلها، ولكن المرور والتغيير لم يطرق باب الوطن، فما زال يئن تحت قيود الاحتلال.
وقد أدى تكرار كلمة(مرّ) إلى تكثيف الحالة النفسية المصاحبة لهذا المرور، إذ بلغ حزن الشاعر على وطنه منتهاه، وكشف عن طول الفترة الزمنية التي مرّت ولا زالت تمر على وطنه وهو قيد الأسر، وقد تبدّل كل شيء وتغيّر إلا وطنه(فلسطين) المحتل المغتصب، وكأن رياح التغيير ومرور الفصول لم تمر عليه، والزمن توقف عند لحظة احتلاله.
وفي قصيدة ” إني متعب جدا” وظّف القاسم وسيلة لغوية أخرى لتقوية الإيحاء المنشود، فمزج بين التكرار والحذف:
تضيء الحكايات قلبي فأصحو/ وأرتد طفلا كنته ذات يوم/ أشتهي../ وطنا خرافيا جميلا/ أشتهي…
شجرا وفاكهة وماء/ قد أنهكتني الحرب والمدن الغريبة/ أني متعب جدا(ص71).
تكررت جملة (أشتهي) متبوعة بحذف (نقطتين) ، إن العودة إلى ذكريات الطفولة وما صاحب تلك الأيام من سعادة وجمال وراحة افتقدها حين كبر، وكبرت مأساته ومأساة شعبه، جعلته يشتهي وطنا حُرم منه، فقد أنهكته الغربة وأعيته المنافي، فاستعان بالتكرار والحذف لمضاعفة الطاقة الإيحائية، وإبراز حجم الألم والحسرة على تلك الأيام ، وبيان شدة الألم ومرارة العيش بعيدا عن وطنه.
اعتمد القاسم على التكرار بحيث شكّل ظاهرة بارزة في قصائد ديوانه، للتأكيد والتركيز على أمور تقلقه وتكدّر حياته وحياة (الفلسطيني)، وقد استطاع توظيف تقنيات مختلفة ببراعة واقتدار، أسهمت في رصد وتصوير الواقع المتشظي بمشاهد حركية حية، تستثير المتلقي وتؤثر فيه، وتحضه على المشاركة وإعادة بناء القصيدة.
والحقيقة أن الشاعر نضال القاسم من الشعراء الذين يسيرون نحو التجديد والتجريب، يطلق لشعره العنان للتحليق والابتكار بلا قيود تحد من دفقاته الشعرية التي تنبع من شعوره الداخلي ورؤيته للحياة والواقع، متمردا في بعض قصائده على العروض مستعيضا عنها بالصور الفنية والتراكيب الشعرية، والألفاظ المنتقاة بعناية لتجسّد المعنى وتبرزه. ويبقى شعره منفتحا على فضاء التأويل والتجديد واستخراج المضامين والمعاني المختلفة بتعدد القراءات.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق