قراءات ودراسات

السخرية والبعد الإنساني في 3 روايات لصبحي فحماوي

أ. د. منال الروابح*

البعد الإنساني: استعمل فحماوي في رواياته العديد من الآليات السردية الساخرة، حيث نلاحظ في معظم كلامه نبرة تهكمية وساخرة من الواقع المعاش في بلاد العرب عامة، وموطنه بصفة خاصة من وضع المجتمع الراهن، وتميزت معظم رواياته بنزعة المفارقة الساخرة الناقدة للوضع الحالي للمجتمع بكل جوانبه، ومن هنا نتطرق لتقديم قراءة بسيطة لروايات ثلاث، تناولت مضامينها نزعة المفارقات الساخرة، نعرضها فيما يلي:

1- رواية الحب في زمن العولمة:
يحيل لنا عنوان رواية “الحب في زمن العولمة” مباشرة على الرواية العالمية لماركيز (الحب في زمن الكوليرا)، فالروايتان تتفقان في معظم مفرداتهما وتفترقان في مفردتي( العولمة، الكوليرا)، لكن في جوهرهما نلمح نوعاً من التّشابه، فالعولمة أصبح لها تأثير سلبي على المجتمع ليس ببعيد عن تأثير الكوليرا، وقد كان ل محمد صابر عبيد تفصيل في هذا الرأي في مقالة له بعنوان ” عتبات الكتابة في رواية صبحي فحماوي “الحب في زمن العولمة”، حيث يصف العولمة بالمرض الحضاري المعدي، وهو شكل من أشكال الكوليرا … “.
تحمل لنا هذه الرواية تياراً سردياً ساخراً منذ بدايتها حتى نهايتها، فقد تضمنت أحداثها نزعة المفارقة، من خلال التناقض الذي يتواجد في كلماتها ودلالات معانيها، فقد “جاءت أحداثها مبعثرة ومشتتة، حيث تظهر الأحداث على شكل قصاصات متراكمة ومتناثرة لا تتابع فيها ولا تسلسل”.
تدور أحداث هذه الرواية حول شخصية “سائد الشواوي” الذي يبدو اسمه مثيراً للسخرية، لكنه في الواقع يحمل عدة دلالات مرتبطة بالتّسيد والشهرة، وشواوي هو الذي يشوي الناس ويغشهم، والذي سعى ليصبح ملياديرياً ذا نشاطات عولمية، وفعل كل الطّرق والوسائل الغير شرعية من أجل هذا، ليصتدم في الأخير بالواقع المر وهو إصابته بمرض الإيدز” نقص المناعة”، فيقعد ليتحسر ويفتقد أيام الصبا، يوم كان موظف بسيط وفقير لكنه كان بصحة جيدة، فهنا تبدو مفارقة واضحة، بداية بالتّمتع بصحة جيدة مع الفقر والسعي إلى جمع المال، ثم إلى الغنى مع السعي لإسترجاع الصحة التي فُقدت. ولكن الشيء الحقيقي المفقود هنا والمتخفي وراء دلالات النّص المتناقضة هو الضمير الحي والقناعة والرضا بما كتبه الله للإنسان. هذا الضمير الميت فينا، هو أيضاً الضمير العربي.
أراد الكاتب من هذه الرواية أن يعكس لنا الواقع المعاش بشكل ساخر، واقع يسعى فيه الانسان إلى جمع المال بكل الطّرق والأساليب الغير شرعية من غش وسرقة ونصب واحتيال، وعندما ينال ما أراده بكل قواه، يقف بعدها عاجزاً أمام قوة الله وعظمته حين يبتلى بما لا يستطيع المال ولا السلطة علاجه وهو المرض، ليقول لنا أن المال والسلطة لن ينفع أمام مشيئة وإرادة الله. ومنه فإن هذه ” الرواية تندرج تحت نوع البنّاء الجديد، حيث نجد التّمرد والسعي إلى تفتيت عناصر الرواية التّقليدية، وجاء الحدث موزعاً أثناء النّص للتعبير عن تفكك العالم وانقسامه، فظهر الحدث على شكل أفكار أو أفعال أو حركات الشخصية كما في هذه الرواية”
لم يقتصر الكاتب على تسليط الضوء على شخصية سائد الشواوي، بل تحدث عن القضية الفلسطينية، وعن معاناة الشعب الفلسطيني، فقد قدم لنا مصطلحاً يبدو ساخراً للوهلة الأولى، من خلال وصفه لأطفال فلسطين بالقرود، قائلاً على لسان مهران” يا أخي هؤلاء الفلسطينيون مثل القرود، حجارتهم دوخت المحتلين الصهاينة.”، لكنه في الواقع لا يقصد الضحك عليهم والاستهزاء بهم، ولكن دلالاتها لعباراته الساخرة توحي بالكفاح والتّحدي والصمود.. كما عكست شخصية شواوي الإنسان العربي الأناني الذي أهمل إخوانه الفلسطينيين وجرى وراء مصاله وحبه للمال… تصور لنا أيضاً هذه الرواية الحياة التي آلت إليها المجتمعات العربية، على الصعيد الإنساني والاقتصادي بعد التّطور والازدهار الذي أصاب المجتمعات، وهذا ما يُعرف بعصر العولمة، حيث صورت الحب في زمن العولمة، بعد أن كان الحب صفياً نقياً، صار يركز على حب المال والمصالح، حيث غير الإنسان نظرته إلى الحب، من الحب الصادق الوجداني النابع من العاطفة والإنسانية، إلى حب له نظرة اقتصادية سياسية، باستثناء حب “ثريا” بنت سيد الشواوي للمدرس مهران، التي لم تكن تشبه أفراد أسرتها الذين سيطرة العولمة على عقولهم، فحبها كان الحب الحقيقي الوحيد الذي تأسس على عاطفة إنسانية نبيلة، وهذا شكل مفارقة واضحة، بتعارض هذا الحب مع ما عرفناه من صور الحب الأخرى في هذه الرواية.
والمطلع على هذه الرواية يلمح صورة أخرى من المفارقة حين تحدث الكاتب عن العولمة التي يرى فيها الناس التّقدم والرُقي، لكنه في نفس الوقت ربطها بمرض خطير كـالإيدز، ليخفي النّص بهذا دلالات غامضة وكأنه أراد أن يقول بهذا أن هذه العولمة رغم ايجابياتها فإنها جرت الأمراض الجسدية، وحتى النفسية من جشعٍ وطمعٍ وتسلط وحبٍ للمال، بينما في الماضي لم تكن هنالك عولمة لكن كان الحب والنقاء والطيبة ولم تكن الأمراض منتشرة فيه.

2- رواية حرمتان ومحرم:
المُطّلع على رواية “حرمتان ومحرم” عنوان يلمح من النّظرة الأولى أنها تستهدف ثلاثة أشخاص، امرأتان ورجل، وهذا ما يُصوره غلاف الكتاب، الذي يحمل صورة لرجل تختبئ وراءه امرأتان تبدو عليهما ملامح الخوف والهلع والحزن… هذه الشخصيات التي تحمل بعداً ساخر، في صور مفارقات مدهشة لا نكشف دلالاتها إلى بعد الوقوف على ثنايا النًص…..يسرد لنا الكاتب في الرواية فيها شقاء الشّعب الفلسطيني فيضحكنا بكلماته، لكنه في الواقع يبكينا بدلالات ومعاني هاته الكلمات، في وصفه لمعاناة هذا الشعب وبؤسه في أحد مخيمات اللّجوء التي هجر إليها هذا الشعب، ويصف لنا أحداث الحياة في المخيم بواقعية، تتأرجح بين الموت وتهديد البيوت والإفقار والإذلال الذي وصل إليه الفلسطينيون نتيجة قسوة هذا المحتل وتسلطه. وصراع الفقراء من أجل الحياة …. هذا الفقر الذي دفع “تغريد وماجدة” -وهما شخصيتا الرواية الرئيستين- إلى البحث عن عمل في أقطار أخرى، رغم أن مجتمعهما يرفض خروج الفتيات لوحدهن، مما أضطر الأهل إلى اختيار محرم لمرافقتهن، ليقع الدور على صديق العائلتين الخمسيني “أبو ميهوب” والذي فقد زوجته، واستشهد ابنه في مواجهة عسكرية مع المحتلين، وزوج بناته، ليكون المرافق والمحرم للفتاتين مقابل أجر يتلقاه من الأهل، ليتم بعد ذلك عقد قرانهما به كزوج ووالد مسؤول عن الفتاتين اللتين تعرضتا لنفس المصير، حيث فقدت كل واحدة منهما خطيبها الذي أحبته في زمن غابت فيه الثقة والأمان.
سلك فحماوي سبيل الأدب الجاد في هذه الرواية، حين تناول قضايا المجتمع، وقضيا المرأة والرجل، والقضايا السياسية، والدينية، لكنه صاغها في شكل هزلي من خلال تلاعبه بالألفاظ والكلمات بسخرية مثيرة، جعل من أسلوبه شيقاً ؛ يجذب القارئ، و يثير فيه الرغبة في الابتسامة….يصف الكاتب الحياة في هذا العالم الصغير بواقعية وبرموز ومجازات فيقول بسخرية مؤلمة هي مزيج من المناقضات أحياناً مما كان -مثلاً- أحلاماً تحولت إلى كوابيس. . . كما نلمح مفارقة جسدها الكاتب من خلال تصويره لمشهدين مختلفين لكنهما يحملان بعداً آخر الأولى هي رفض المحرم “أبو ميهوب” السفر متحججاً بأنه لم يسافر أبداً، لكن السبب الخفي هو عدم رغبته بإخلاء الجو للعدو، ويرجع السبب في ذلك إلى “كيد من يريدون إخراجنا من هذا الوطن، فنتمسك به ولا نغادره، حتى ولو كان السفر لنشم الهواء فقط، أو البحث عن الرزق، فالرزق على الله”، وفي نفس الوقت يصف الكاتب قبول المحرم “أبو ميهوب” للسّفر ليُقدم لنا بهذا حرمة الشّعب الفلسطيني الذي لا يسمح للبنات بالسفر لوحدهم، وفي نفس الوقت ليُعطينا صورة عن الإنسان المغترب، و ما يُخلفه هذا من مشاعر الحزن والشوق والحنين إلى الوطن.
حتى في نهاية الرواية، فإن صبحي فحماوي يفاجئ القارئ بأسلوب ساخر تحت مسمى “متعة الرعب”، يصور فيه خروج الشخصيات من بين السطور، وثورتهم على الكاتب، في صرخة واحدة للمطالبة بالحياة، يقول: لا أكاد أنهي روايتي عزيزي القارئ حتى يفاجئني أمر جلل… فأرى أمامي شخصيات الرواية الرئيسية، أبو ميهوب وماجدة وتغريد… أراهم يتقدمون نحوي بلحمهم وقاماتهم المعرفة لدي، يدخلون علي… تقف أمامي عنيدة رافضة للأدوار والأثواب التي ألبستها إياها”. ويسخر حتى من نفسه بقوله ” أشعر أنني أتبهدل كمؤلف، وأنني لست أهلاً للتأليف… وأن شخصيتي الفعلية هزيلة أمام شخصيات الرواية التي تستقوي علي” لكن الكاتب لم يقل ما قاله من فراغ، ولكن له غاية من هذه السخرية “وكأنه يحاول أن يُجسد التّمرد الذي يتغلغل في الشخصية الفلسطينية الثائرة على كل القيود من حولها”

3- رواية الإسكندرية 2050:
هي رواية الخيال العلمي بامتياز، بسبب تعدّد أزمنتها، حيث تصور هذه الرواية عدة قضايا سياسية تمس الوطن العربي، والمجتمع الفلسطيني، وقضايا اجتماعية من خلال تصوير حالات الفقر والبؤس الذي تعاني منه أغلبية المجتمعات العربية، والظلم الذي تُعاني منه المرأة بصفة خاصة في مجتمع ذكوري ظالم، وقضايا علمية من خلال تصوير المستقبل المأمول والتّطورات العلمية والتكنولوجيا والطبية التي ستحصل فيه، وقضايا تاريخية متعددة مرتبطة بالزمن الماضي… إلخ، في رحلة حياة بطلها” مشهور شاهر الشهري” الذي قدم إلى الإسكندرية نهاية الستينات من القرن العشرين، من أحد مخيمات اللجوء الفلسطيني للدراسة فيها، وغادرها بعد ذلك للعمل في مجال تخصصه، ثم عاد إليها سنة 2050، ليقابل ابنه وحفيده، ويصف فيها حال الإسكندرية عند قدومه أول مرة للدراسة وما حل بها من تطور بعد هذه السنوات الطوال. كما يصور فيها الكاتب أحلامه وطموحه في مستقبل أفضل خالٍ من الأحقاد والضغائن والقتل والفتك بالآخرين، يُقدم لنا الكاتب رمز” كنعان الأخضر” الذي هو حفيد بطل الرواية ‘مشهور الشهري’، لكنه لايقصد به اللّون، وإنما النّموذج والمضمون الذي يسعى الكاتب إلى تعميمه على الأرض وكأن الكاتب يقول لنا بسخرية نحن مازلنا ننتظر هذا الإنسان الأخضر الذي سيُغير العالم للأحسن والأفضل ولكن لا نعلم متى يأتي… إلخ
تتميز هذه الرواية بعمقها وملامستها مشكلات العالم، في محاولة لإيجاد حلول لهذه الأزمات، ونلمح فيها عدة مفارقات من خلال قيامها على التّناقض العجيب والتّضاد الغريب، فبعد أن صورت لنا مآسي الشعب الفلسطيني ومعاناته مع الفقر والجوع والحرمان والتّشرد والضياع، وأحوال وأوضاع بعض الدول العربية، متطلعة بعد ذلك إلى مستقبل مشرق زاهر مملوء بالمحبة والسلام والأمن والاستقرار، خالٍ من الحروب والنزاعات، ولكنها في نفس الوقت لم تهمل الحنين إلى الماضي والشوق إليه رغم حضور هذا المستقبل الزاهر؛ فهذا لم يُقنع بطل الرواية “مشهور الشاهر” من الحنين إلى ماضيه وتذكره لمراحل الطفولة، حيث يقول في نوع من السخرية الموجه لبطل الرواية”مشهور الشهري”: “يبدو أنك غير قادر على التعامل مع إسكندرية ألفين وخمسين، بل تبدو مصراً على تلبس دور الشباب في ستينيات القرن العشرين، ومصاباً بمرض الحنين إلى أيام زمان”، والسر في هذا التّمسك والعودة إلى الماضي؛ هو رغبته في سرد أحداث الطفولة في المخيم، وفي الإسكندرية التي يكن لها البطل كل مشاعر الحب والإخلاص.
الكاتب خلق موقفاً ساخراً من خلال ربطه للزّمن المستقبل الموعود مع الزمن الماضي، كاشفاً بهذا عن المفارقات العجيبة والغريبة بين زمنين يفصل بينهما حوالي 85 عاماً، ومزجاً بذلك بين الواقع والخيال؛ في علاقة جدلية تقوم على عدة مفارقات، وكأنه أراد أن يبين لنا سخرية الزمن المستقبلي من الزمن الماضي، وكأن هذا الخيال العلمي يريد أن يحرض على التّغيير، من خلال انتقاده للوضع الحالي القائم على الفساد. نلمح في هذه الرواية سخرية ما بعد سخرية منذ اللّحظة التي صور فيها الكاتب لحظة ركوبه القطار؛ وما رآه من مفارقات يواجهها الصعايدة وأهل طنطا المتحلقين حول سيد البدوي، يقول الراوي ساخراً ” مئة عام وعام من العمر المبدد، كأنك دخلت هذا العالم من باب، وخرجت منه من الباب الآخر”، وكأنه أراد أن يقول من الأول أنك لن تنال شيئا من هذه الدنيا مهما تغيرت وتطورت، ومهما وصلت بخيالك إلى أبعد الحدود، وأيضاً لن تنال شيئاً من الصراع والحروب والظلم، فأنت راحل وغيرك قادمون… ولن يبقى سوى العمل الصالح والخير والطيبة.

*ناقدة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق