قراءات ودراسات

التركيب الإضافي في ديوان: (بوح الشَّجر) للشَّاعرة: مادلين الطنّوس

قراءة في التَّأويل

* د . وليد العرفي

ديوان: (بوح الشجر) المنجز الإبداعي الأول للطبيبة الشاعرة: مادلين الطنّوس ، وهو عنوان إحدى قصائد الديوان الداخلية، وقد حاولت فيه الشاعرة أن تلج محراب الشعر من أكثر الطرق اتِّساعا، وهو طريق الطبيعة التي مثَّلتها لها بدال: (الشجر) بما ترمز إليه دلالة اللفظ من معاني الخصب والجمال والعطاء ، فكأنما أرادت الشاعرة أن تُعبّر عن أنوثتها من خلال انتقاء العنوان الذي يُوحي بدلالة الجمال والخصوبة والخير، وهي الصفات التي تشترك فيها مع المرأة بوصفها الطرف المخصب للوجود، والطرف الأكثر قدرة على العطاء والنماء في ثنائي الحياة، ومن هنا تتبدَّى جمالية العتبة النصية التي تستهلُّ بها الشاعرة ديوانها البكر ، ليستقبله المتلقّي بالقبول، وقد أقامت العنوان وفق صياغة التركيب الإضافي ،الذي اعتمدت فيه الشاعرة أسلوب التشخيص وهو يعني الجمع بين كلمتين إحداهما تشير إلى خصيصة بشرية ، والثانية إلى ما هو غير إنساني وهو هنا : (الشجر) وهو استخدام يدخل فيما أسماه الدكتور سعد مصلوح بـ المركب اللفظي المجازي الذي قصد به: (الاختيار المعجمي الذي تقترن بمقتضاه كلمتان اقتراناً دلاليَّاً ، ينطوي على تعارض ــ أو عدم انسجام ــ بمخالفته عن الاستعمال المتوقع، ومن ثمَّ يتولَّد عنه بالضرورة مفارقة دلالية تثير لدى المتلقي شعوراً بالدهشة وعدم الألفة ) وهذا التركيب من أكثر التراكيب قدرةً على إثارة الخيال، بما يختزن فيه من عنصر المفاجأة، وكسر القوالب البنائية المعهودة في اللغة ، وبما يجمع فيه من مصاحبات لغوية يحاول المبدع أن يقيم فيما بينها علاقات من التآلف غير المعهودة بهدم القوالب الجاهزة، والانعتاق إلى ما هو مدهش ومتجدّد، وبذلك يبدو الأسلوب الاستعاري الذي لجأت إليه الشاعرة قد أكسب التركيب بعده الجمالي ، مثلما عبر عن رؤية بعيدة تحاول أن تغري القارىء للولوج إلى عتبة الديوان للكشف عن ماهية هذا البوح الذي سيبثه الشجر، ولصيغة الجمع هنا دلالتها التي تفيد شمول البوح الذي هو نوع من أنواع الكلام المستفيض المُعبّر عن كوامن النفس، وما يختلج داخلها من مشاعر دفينة وأحاسيس حبيسة ، وكأنما الشاعرة أرادت أن تجعل من الشجر معادلها الموضوعي، لتنطق على لسانه بما تريده من خلال رمزية الشجر ، ليكون الشجر قناعاً توظيفياً تتقمَّص الشاعرة ذاتها فيه من خلال التعبير الذي تنطق به على لسان الشجر ، وهنا تبدو مشروعية السؤال عن استخدام رمزية الشجر من دون غيره، والجواب فيما أرى أن الشجر بما يحيل عليه من تجدّدٍ ونمو ، إنما أرادت الشاعرة : مادلين طنوس من خلاله أن تعبر عن الحياة بمفهومها الأشمل ، فالبوح فعل أرادت له أن يكون فعلاً مستمرًا، لا حدثاً مُنقطعاً، ومن هنا يكون الشجر رمزاً دالاً على الحياة مُحقّقاً شرط دلالته في تحقيق بعده الجمالي في التوظيف ، مثلما يؤكّد دلالته الموضوعيَّة في الوجود. وإذا ما دخلنا النص الذي جعلت منه الشاعرة عنوان ديوانها الذي تقول فيه :
بلونِ الرَّحيلِ تموجُ رياحي وتقطـرُ عـيـني دمـوعَ المـطرْ
ودمعي يفيضُ كنزفِ السَّماءِ منَ الهطلِ سكباً لعمري انهمـرْ
بلونِ السَّلامِ أحوكُ الحكايا وأكتبُ شـعـري بهمـسِ السَّحرْ
سكبْتُ جروحي بكأسيَ خمراً شربْتُ همومي وصبري انفطرْ
ورحْتُ أحابي الخيالَ اشتعالاً أعـاتـبُ دهـراً غـدا …وانْـدثَـرْ
أترجعُ عمراً طواهُ الرَّحيلُ وتـنـبـتُ ورداً بـأرضِ الـقـمـرْ
وعطرُ الّليالي يفوحُ جسوراً يُـدنـْدنُ لحـناً يـقـولُ : العِـبـَرْ
أتبسمُ زهواً عجافُ الَّليالي وتشـرقُ شـمـسٌ بُعـيـدَ المَـطرْ ؟
ودمعي الحزينُ أيُنْبِتُ قمحاً بـحـقـلي ليغـدو طعـامَ الـبشـرْ ؟
وتهدأ هذي الدّيارُ بلهفي وتـنـشدُ لحـناً لـبـوح الشَّــجـرْ ؟
سنلحظ اكتناز النص بالمفردات التي تنتمي إلى حقل لدلالي الخاص بالطبيعة من مثل: (رياحي المطر، السماء، الهطل، القمر، ورد، أرض، شمس، قمح، الشجر) كما برزت فيها حيويَّة التراكيب الإضافية: (دموع المطر، لون السلام، همس السحر، أرض القمر، بوح الشجر) التي منحت النص قدرات من الفاعلية ، وأكسبتها مزيداً من الشاعريًّة والألق .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق