ثقافة المقال

الجزائر في عين الإعصار!

بقلم: محمد اللمداني*

كثرت في الأيام القليلة الماضية الدعوات للثورة في الجزائر، وكان آخرها الدعوة للثورة في الـ17 من أيلول/سبتمبر الجاري، و في نفس الوقت علت الأصوات لاتهام الجزائر بأنها من ساعد و لا يزال يساعد نظام العقيد الليبي الهارب، كما تداعت أصوات أخرى لاتهام الجزائر بتجنيدها لمقاتلي البوليساريو ليقاتلوا جنبا إلى جنب مع كتائب القذافي ضد الثوار، و من خلال كل تلك الدعوات يبرز السؤال الخالد:” لماذا لم يثور الشعب الجزائري ضد النظام القائم، و لماذا لا يقوم بقلب النظام كما حدث في ليبيا و تونس البلدين المجاورين للجزائر”، و سأحاول أن أرد في مقالي هذا عن سبب صمت الشعب الجزائري و عدم انسياقه إلى الدعوات للثورة في الجزائر!

·         رياح التغيير

بدأت رياح التغيير تهب على الجزائر منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأت أسعار البترول بالانخفاض، و لم يعد لدى الدولة الإمكانيات لسد العجز الداخلي، و استمر الوضع بالتدهور إلى أن جاءت أحداث الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول عام 1988، و كانت انتفاضة شعبية شملت غالبية الولايات الجزائرية، و في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول ظهر الرئيس الجزائري السابق الشاذلي بن جديد بخطاب للأمة الجزائرية يعلن فيها حزمة من التغييرات، بدءا بتعديل الدستور، و إطلاق الحريات و انتهاء بالإطاحة بالوجوه السياسية التي سيطرت على الساحة السياسية طيلة عقد كامل.

و خلال أشهر عدة، أصبحت هناك عشرات من العناوين الصحفية، و أكثر من ستين حزبا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، و سيطر الإسلاميون على المشهد السياسي، و استطاعوا أن ينتزعوا الأغلبية في أول انتخابات بلدية حرة جرت في الجزائر بعد عامين تقريبا من الإعلان على حزمة التغييرات.

·         دوامة العنف

كانت الجزائر تخطو خطوات واسعة نحو ديمقراطية شاملة في كل القطاعات، و بدأ هذا البلد الغض الذي خاض ثورة تحريرية كلفته عشرات الآلاف من الشهداء لنيل حريته من الاحتلال الفرنسي، بدأ يشم لأول مرة نفحات الحرية و الديمقراطية ، و أصبح الشباب الجزائري ينتسب للأحزاب على اختلاف توجهاتها، حتى أصبحت ظاهرة النشاط السياسي هي الصفة الملازمة للكثيرين من الشباب المتعطشين للحرية و العمل السياسي.

لكن بعد انتخابات برلمانية حصد فيها الإسلاميون غالبية المقاعد، تم اتخاذ قرار على مستوى المؤسسة العسكرية بإيقاف المسار الانتخابي في يناير/كانون الثاني من عام 1992، و بعد عدة أشهر دخلت الجزائر في دوامة العنف، ومن ثم الإرهاب، واستمرت دوامة العنف و الإرهاب أكثر من سبع سنوات، راح ضحيتها حوالي مائتي ألف ضحية حسب مصادر محايدة، و خمسين ألفا حسب مصادر رسمية.

·         الجزائر تعض على جراحها

في ظل أزمة بدأت تدمر الجزائر يوما بعد يوم، كان الجميع من العرب و الأجانب يقف متفرجا على المأساة الجزائرية دون أن يمد يده بالمساعدة، لا للدولة الجزائرية و لا للشعب الجزائري، بل هناك بعضا من الدول العربية بدأت تنهش بالجزائر، و بدأت ترسل بفتاويها للجماعات المسلحة من أجل تبرير قتلها، و بعد أن تم تكريس ما يُسمى الجهادية السلفية التي تسعى إلى محاربة الحكم القائم في الجزائر، و مدها بالإمكانيات اللازمة المادية و الفتاوى التبريرية، كانت الجزائر تقف في وجه كل التحديات الداخلية و الخارجية في آن واحد، لدرجة أن الجزائر لم تستقبل أي مسئول عربي سام كرئيس أو رئيس وزراء طيلة أكثر من عشر سنوات(1991-2000).

و تعالت أصوات أخرى لتتهم الجزائر، و تعطي الحق للجماعات المسلحة الحق في قتالها ضد الشعب و الحكومة الجزائرية، ولم يتوقف نزيف الدم إلا بعد أن تم التوصل إلى اتفاق داخلي بين الجيش و الجماعات المسلحة، و بدأت الدولة و الشعب يتنفسن الصعداء، و بدأت الأمور تعود إلى الهدوء التدريجي منذ عام 2000.

·         السلفية الجديدة

و لم تكد تهدأ الأحوال تقريبا في الجزائر حتى عادت أطراف عربية تعيد اللعب في الساحة الداخلية الجزائرية، وحولوا السلفية الجهادية (التي تحارب الحاكم) إلى الجهادية العلمية (التي تدعم الحاكم أو ولي الأمر)، و لم يهدأ لأحد بال إلا بالسعي للنيل من الجزائر إن كانت في حرب أو في سلم.

رغم أن الجزائر بقيت صامتة ولم تحاول أن ترد على أي طرف، فكل شيء يتم ترتيبه مع الوقت، و يمكن إصلاح ما أفسده في الدهر بمزيد من السعي و الجهد لتجاوز الأزمة.

·         تحولات سريعة

مع تحسن الوضع الأمني، جاء ارتفاع أسعار البترول، و تم تسديد كافة الديون الجزائرية(38مليار دولار)، و بدأ السعي للقيام بمشاريع ضخمة، و محاولات حثيثة لتعويض المواطن عما عاشه طيلة العشرية السوداء، و لكن الأمور كانت تزداد تعقيدا مع ما يعيشه العالم من تحولات بدءا من أحداث الحادي عشر من سبتمبر و انتهاء بربيع الثورات العربية مرورا باحتلال العراق.

مع هذا الكم الهائل من التغيرات الخارجية، بدأت الجزائر تعاني من ظهور طبقة جديدة من المنتفعين من العشرية السوداء، و انتشار الرشوة و المحسوبية في كافة القطاعات، و بدأت فضائح فجرتها الصحف حول بعض المسئولين الذين يتقاضون عمولات على صفقات خارجية، وأطيح بشخصيات سياسية من المشهد السياسي في ظل كشف بعضا من المستور، و كانت هناك محاولات جادة لتنظيف البلاد من أزماتها الداخلية، لكن ما يكاد يتم إطفاء مشكلة حتى تظهر أخرى، فالجزائر تعاني من أزمة سكن و بطالة تكاد تمنع الكثيرين من العيش بكرامة و سلام، و محاولات السلطة الدائمة للقضاء على هذين الظاهرتين القديمتين الجديدتين هو ما يفجر الوضع بين حين و آخر، و لكن هناك تصميم من الطرفين( الحكومة و الشعب) أن يتم حل القضايا بطريقة سلمية، رغم أن بعض الغاضبين يخرجون إلى الشوارع و يحتجون و يطالبون بحقوقهم بصوت عال.

·         الربيع العربي و الجزائر

الحديث عن الربيع الجزائري يبقى بعيدا، فكما صرحت زعيمة حزب العمال الجزائري لويزة حنون:” إن الرئيس بوتفليقه ليس مبارك”، و ذلك في إشارة إلى أن الجزائر ستبقى بعيدة عن تقليد النموذج المصري في الثورة و النزول إلى الشارع، و رغم أن بعض الأحزاب السياسية نزلت إلى الشارع مثل الحركة من أجل الثقافة و الديمقراطية في الجزائر التي يتزعمها الدكتور سعيد سعدي، إلا أن التجاوب الشعبي كان محدودا جدا.

·         الخلاصة

إن الجزائر هي أول الدولة العربية التي قامت بربيعها عام 1988، و أول من قام بتغيير الدستور، و إعطاء هامش من الديمقراطية، و دفعت ثمن حريتها وحيدة، أمام الجميع الذي بقي واقفا يتفرج على الدماء الجزائري دون أن يفعل شيئا، بل أن البعض صبوا الزيت على نار الحرب من أجل تأجيجها.

لا أحد ينكر أن الجزائر تعاني من الرشوة و المحسوبية و مافيا العقارات، و التكالب على نهب ثروات الوطن، إلا أن الشعب لا يمتلك الرغبة بقيام أي ثورة من أجل تغيير النظام على شاكلة ما حدث في ليبيا أو تونس أو مصر، بل أن التغيير سيتم تدريجيا و على مراحل، رغم أن الكثير من الشباب المتحمس يطمح لأن يملك مصباح علاء الدين لبناء جزائر قوية، ذات عافية و خالية من أي من العيوب السالفة الذكر، و لكن التغيير الشامل و الجذري يحتاج إلى بعض الوقت، و لعلي أنهي مقالي بمقاولة للرئيس الراحل ياسر عرفات عندما طلب منه أحد الصحفيين الجزائريين التعليق على وضع الجزائر أثناء أزمتها قال:” إذا كانت الجزائر قوية، فالعالم العربي بخير”، ونحن بانتظار هذا اليوم، خاصة و أن الجزائريون دفعوا الكثير من الدماء من أجل بناء دولتهم، و هم غير مستعدون لدفع دماء أكثر!

 

*كاتب و صحفي جزائري مقيم في كندا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق