ثقافة السرد

ساحة “الأندلس”

د.معمر بختاوي*

التدافع شديد أمام ساحة سينما “الأندلس” بين شباب يمثلون الفتوة، أقوياء مسلحين بأسلحة بيضاء مخبأة تحت الجوارب أو تحت الحزام، تفوح منهم رائحة خمر كانت تباع في قنينات من بلاستيك، تسمى (التينتو)، وبين رجال أمن شرسين لا يعصون رئيسهم ويفعلون ما يُؤمرون، جاؤوا إلى الساحة للإشراف على حفظ النظام، في أيديهم هراوات غليظة طويلة، يستعملونها لمنع الفوضويين ومثيري الشغب الذين يشترون تذاكر الدخول إلى السينما، وبيعها في السوق السوداء بأضعاف أضعاف ثمنها الحقيقي. كان “برايدا” يحتل الساحة بلا منازع، فهو منذ الثامنة صباحا يقرفص وظهره إلى شباك التذاكر، واضعا بجانبه قنينة خمر “تينتو”، وقليلا من الحمص، ثم يأتي بعده عبد القادر “قشلاوي” ويفعل كما فعل نده وغريمه “برايدا”.. ويأتي آخرون من هم أقل شغبا وخطورة، ويأتي أخيرا الجمهور المسالم في السابعة مساء ليزاحم “الأقوياء” على الحصول على تذكرة إذا ما استطاع إليها سبيلا..

وعندما تمتلئ الساحة عن آخرها، ولم يبق موضع لقدم، تنشط أنامل النشّالين الرقيقة للبحث عن الجيوب المنفوخة لشقها بشفرة حلاقة، واستخراج ما فيها من متاع، والانسلال من الساحة بغنيمة. وقُبيل أن تفتح كوة الشباك الصغيرة يقفز أحدهم فوق الجميع، متنقلا بين الرؤوس والأكتاف، ويشتط الجمهور غضبا، ويضعف أحدهم ويترك مكانه ويغادر قبل أن يموت اختناقا.

الجماهير الغفيرة جاءت لمشاهدة شريط هندي، والاستمتاع برؤية بطلته التي حظيت بملكة جمال الهند، إنها “هيما ماليني” وهي أشهر من نار على علم.. ومن لا يحب أن يتمتع ب”هيما ماليني” وهي ترقص وتغني، وتتلوى كأفعى رقطاء تارة، أو كفراشة تطير هنا وهناك، أو كطاووس ينشر ذيله وراءه في حديقة غناء.. إنها تأخذ بالألباب، فهي من أجمل الممثلات التي ظهرت في تاريخ السينما الهندية. والبطل مشهور هو الآخر بسمرته، وسمة الحزن البادية على وجهه، وسواد شعره الرطب الأسيل.. إنه “شامي كابور”، وهو الآخر معروف مشهور..

كان الجمهور العريض تتملكه غبطة عارمة وهو ينتظر هذا الشريط، فكان ينتظره بنشوة كما ينتظر الأطفال عيد الفطر، أو كما ينتظر المجاهدون بسعادة يوم الاستقلال.

ساحة السينما ظلت دائما مسرحا لاستعراض العضلات بين شباب الأحياء الفقيرة. فهم يتصارعون من أجل الزعامة واحتكار الصفوف الأمامية، لشراء أكبر كمية من التذاكر وبيعها في السوق السوداء.

وكان “برايدة” رأس الفتوة، الذي لا يشق له غبار في”الطحطاحة”. فهو يعتبر نفسه مَلِك الساحة بلا منازع، فهو يتحكم في الكبيرة والصغيرة فيها، ويصول ويجول معربدا على امتداد الليل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وعندما يكون ثملا يصير مجنونا، ولا يعرف أحد من أن يخرج سلاحه الأبيض، ولا يتكهن كم يملك من سلاح..

وكان “عيسى السم” على النقيض من “برايدا”، في الثلاثينات من عمره، نحيل  كشبح، هادئ، وكان يشبه أفعى الكوبرا في الانقضاض على فريستها، يحمل سلاحا أبيض يضعه في خصره. وكان من هواة الأفلام الهندية، مولعا بها حتى الجنون، يحفظ جل الأغاني ويعرف معظم الممثلات والممثلين، وكان يقطن خارج المدينة على بعد عشرة كيلومتر.

هو الآخر لا يمكن أن يفوته شريط هندي، ولاسيما الذي تمثل فيه “هيما ماليني”. تقدم وسط الجماهير، وصارع حتى وصل شباك التذاكر، ولكن فجأة شعر بيد تجذبه بقوة، دار إلى الخلف، فإذا به يجد يد “برايدا” تمسك به، وترجعه إلى الوراء بقوة وعنف، وحاول “عيسى السم” التملص من اليد القوية، لكن كانت القبضة قوية، فدفعت موجة من الجماهير ففرقت بين “عيسى السم” و”برايدا”، وغضب، وأخرج مدية كبيرة وصاح في الجميع:

ـ ويْقرّبْ شي واحَدْ لكَيشي، نَجْبدْ لُو مْصارنُو.

خاف الجميع وتراجعوا إلى الوراء باستثناء واحد بقي في مكانه.

هجم “برايدا” على “عيسى السم” محاولا طعنه بسكين أخرجه من خصره، لكن “عيسى السم” رجع إلى الوراء متفاديا الطعنة في خفة البرق، وأخرج هو الآخر مديته، وبقيا يدوران وسط حلقة شكلها الجمهور الذي جاء يشاهد الشريط الهندي، وفي لحظة خاطفة قفز “عيسى السم” وضرب “برايدا” ضربة جانية في بطنه، ولما أحس “برايدا” بشيء ساخن يسيل داخله، هجم على غريمه وطعنه في عنقه. وظل القتال بينهما مستمرا، واتصل أحدهم برجال الشرطة، لكنهم تأسفوا لعدم الحضور بسبب عطل في سيارة الشرطة. وبعد صراع عنيف، سقط الاثنان وسط ساحة السينما خائري القوى، والدم يسيل من كليها. وبعد مرور وقت طويل على المعركة، جاء رجال الإسعاف، وحُمل الاثنان إلى مستشفى “الدراق”. وبعد مشاهدة الجمهور لفلم واقعي في الساحة، دخل الجمهور لمشاهدة الشريط الهندي غير مبال بما وقع.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق