ثقافة السرد

حصاد

د. احمد الباسوسي*

صالة البنك الفارهة مفعمة بحركة الزبائن والموظفون، يرن في ردهاتها صوت موسيقي مصحوبا بنداء نسائي مميز صادر عن ماكينة اليكترونية لتنبيه الزبائن الى دورهم في الخدمة، المقاعد كلها مشغولة سوى مقعد واحد فقط التف حوله رجل وامراءة، من خلال الخيوط المحفورة على وجهيهما ومقدار الضمور الحاصل في عضلات الرقبة تستطيع ان تتبين انهما في أواخر عقدهما السادس أو يزيد. الرجل مظهره أكبر نسبيا، حركته ثقيلة، زجاج نظارته الطبية المعلقة فوق عينيه لم يتمكن من حبس الجهامة التي كست وجهه، وبطء ايقاعه في الحديث. أشار بذراعه المتيبس الى المرأة المصاحبة له لكي تجلس، استندت على ذراعه المعضم الذي خلى من اللحم والعضل، اتخذت جلستها على الكرسي المريح، ملأت رئتيها بهواء التكييف البارد. الشاب الأسمر الذي جوارها نطر نفسه بسرعة، أصر ان يجلس العجوز المصاحب بجوارها مكانه. رمقة امتنان باهتة قفزت من عين العجوز المتبرم المتجهم، اصدمت بالشاب الذي اخرج نفسه من دائرة مقاعد الجلوس. الهمس يتبادل بين العجوزين، وكذلك الاشارات والتلميحات. منظر الشحوب وكرمشة تقاطيعهما يشي كأنهما خارجين توا من المقبرة. الجميع يترقب صوت التنبيه الموسيقي ويعقبه صوت المرأة والارقام التي تتبدل على الشاشة الاليكترونية. العجوز يرقب كل شيء متلبسا الهدوء والاحتجاج الداخلي، بدا قلقا غير مرتاح، يفرد ورقة الرقم الذي يحدد دوره في الخدمة ويطالعها ثم يثبت بصره على الشاشة الرقمية أمامه، ما يزال هناك الكثيرون قبله، هكذا يهمس في اذنها بهدوء. انامله اليابسة تداعب ورقة كبيرة بين يديه، صك من شهادات البنك بمبلغ مالي كبير، يفردها ويهمس في صدر امرأته التي بدت أكثر هدوءا وراحة. يدرك انه يحمل بين انامله النحيلة الناشفة حصاد اربعون عاما قضاها من عمره متنقلا بين بلاد الله في صحاري النفط البعيدة، مهندسا للبترول في حقول النفط كان رسمه ومهنته، صاحبته في ايامه احوال وتبدلات وتقلبات ووجوه مضطربة وخائنة وامرأة التقاها في وحشة الأيام وظلامها بعد مرور عامين فقط في الصحراء. الورقة التي تعبث بها اطراف اصابعه على مرأى من الجالسين جواره تحتوي على صافي نصيبه وزوجته من رحلة الاربعون عاما في الصحراء، كانوا قد وزعوا النقود فيما بينهم وبين الأولاد، الذين انصرفوا الى ادارة حياتهم بطريقتهم الخاصة وانشغلوا يكافحون دنياهم وارزاقهم. رحلة الاربعون عاما في صحاري النفط كأنها تتراقص الآن امام عيني العجوز، تتكشف بجلاء على ملامحه الباهتة مع كل صوت يخترق فضاء الصالة لموسيقى التنبيه، وصوت المرأة، ومع تغيير رقم الشاشة الاليكترونية، وانفاس الناس الذين اكتظت بهم الصالة، كأنهم في يوم انتظار الحساب. المرأة التي كانت هادئة منذ قليل تحول وجهها الى العبوس والضيق مع مرور الدقائق، والانتظار وهمسات صاحبها الذي لم يتوقف عن التحديق في الورقة الكبيرة التي تحتويها يديه. احاديث الناس الجانبية لايمكن ان توقف آلة العد والحساب، كما ان الانشغال بالعمل والسخرة والطواف بين اطراف الصحراء لايمكن ان يوقف آلة الزمن. الخطوط المحفورة الغائرة على الجبينين وحول العنق، والعيون التي ضمرت، والعروق التي تكلست وانهكت عضلة القلب كل ذلك كان موجودا في تلك اللحظة، وشاهدا على ان هناك زمن طويل قد انقضى. وان اولئك الموجودين الآن في الصالة الفسيحة المكيفة الهواء ويترقبون نداء الآلة، وانهاء مصالحهم يشهدون ان هذا العجوز وامرأته يجلسون بينهم، ويترقبون الدور والمثول امام موظف خدمة العملاء داخل البنك الشهير، الرجل تشغله الحيره والترقب، لايستطيع رؤية مقدار الشيب الذي كسا خصلات شعره التي ما تزال ثابتة الجذور مثله، على الرغم من تحولها جميعا الى البياض الناصع مثل نتق القطن. كل ما يشغل تفكيره هو ذلك الصك المالي الذي في يده، ويثمن بعشرات الآلاف، حصاد عشرات الآلاف من أيامه الطويلة القلقة، وغياب طويل عن تاريخه ويفوعته واحبابه، وانفاس الاصدقاء، والشوارع والازقة التي امتزجت بصباه، وشبابه الثائر القلق، وحتى اعدائه ملح ايامه ومصدر طاقته. الصك المالي يهتز بين اصابعه كانما داهمتها لحظة رعاش مفاجأة. فكرة طفيلية اقتحمت دماغ السيدة العجوز التي لم تعد تخجل من بروز خصلات الشعر المشيبة البيضاء الهاربة من تحت غطاء الشعر التي وضعته فوق رأسها من دون عناية. أخبرته عن رغبتها في تجديد الشهادة وجني الفوائد لمدة ثلاثة سنوات قادمة، فذلك يضمن لهم استقرار المدخول المادي لمدة ثلاثة سنوات أخرى من الأمان في اعقاب اشتعال اسعار الدواء والطعام. الاتفاق السابق كان على التجديد لمدة عام واحد فقط وجني مدخول مادي اكبر يعينهم على الحياة، كان يقول “لا احد يضمن العمر المتبقي”. هكذا كان الأمر. مع تواتر الدقائق، واصوات موسيقى التنبية، وتبدل الارقام على اللوحة، وتغير مقاعد ووجوه الناس في صالة الانتظار، تبدل التفكير، أصرت السيدة ان يتم تبديل الصك بثلاثة سنوات اضافية مع فائدة أقل لكن بضمان استمرار المدخول ثلاثة سنوات أخرى. الرجل ذكرها بما سبق الاتفاق عليه في المنزل، وانه لم يعد في العمر بقية تكفي، رمقته بغضب، بدأ صوتهما الهامس يرتفع، ادرك الجميع ان خلافا حادا نشب بين العجوزين، تحولت المرأة الى مخلوق آخر، حاد، شرس، من المستحيل ايقافه، بدت كأنها تستعيد زمانها وقوتها أيام الترحال الطويلة والطواف على بلاد الله خلق الله، بدت في تلك اللحظة بملامح مختلفة، مليحة الوجه، البشرة السمراء تخطف الابصار والقلوب، ممشوقة القد والقوام، مهيبة، اضطرته هيمنتها الانثوية الى الزواج بها في بلاد الغربة في ظرف عامين فقط من بدايات ترحاله. الآن عادت تعاند الوجه المكرمش، والنظارة الطبية السميكة الرخيصة، وخصلات شعرها البيضاء المتسللة وقد تحولت الى اللون الأسود الفاحم. الرجل المتجهم الذي اسلم ظهره المقوس الى مسند الكرسي بعد المعركة اللسانية لا يلوي على شيء. انتبه أخيرا الى صوت التنبيه الموسيقي وتبعه صوت المرأة الجميلة يردد نفس الرقم الذي علق باصابعه في الورقة الصغيرة، انتصب على حيله بصعوبة، استندت عليه رفيقته الجميلة، غادرا منطقة الانتظار في اتجاه موظف شاب، لامع الوجه والبشرة، وسيم، حليق الذقن والشارب، كان يرتدي يونيفورم البنك الانيق وابتسامة مرحبة عثر فيها العجوز على شبابه كاملا.
مايو 2019

*كاتب مصري وعضو اتحاد الكتاب ونادي القصة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق