قراءات ودراسات

النظرة المغايرة في مجموعة “اضحك من عقلك ” الكاريكاتورية للمبدعة كوكب الأشول

هايل علي المذابي*

لم يسبق لي الحديث عن شيء إلا وكانت دهشتي بهِ تسبق حديثي عنه، ومجموعة ” اضحك من عقلك ” الكاريكاتورية للفنانة المبدعة كوكب الأشول من المجموعات التي تجبرك على الغوص في تفاصيل التجربة الإنسانية وتجبرك أيضاً أن تتحدث عنها كما لو كنت مخدراً بعقار أسمه الإبداع .

سيرة تعريفية بالفنانة كوكب  الرسامة :

تأخذ نماذجها من الطبيعة، تضيف شيئاً، تمحو آخر، تنفخ فيها من لهب روحها، فإذا بها مخلوق جديد، لها صلةٌ بماضيها لكنها تنسب من جديد إلى كوكب تحمل هويتها .

كوكب الموسيقية

يهمس صمت الوجود في قلبها يتمتم في حالها، تفيق تذكارات في أذنها، تصغي فإذا الأرض تبوح لها بأنين روحها، ووجع بين لذة المخدع ولمس الشوك يجري في دمها، فتهتز شفتاها وترتعش أصابعها، وتأخذ في رصف الأرقام رمزاً لتلك الحالة، كل رقم يضع شفتيه على ساق أخيه ، ويجري لهبٌ رقيق بينهما كالدم في شعر الجدائل، وتفيض المعزوفة .

وفي مجموعة ” اضحك من عقلك ” التي تضم ما عدده مائة وثمانية لوحة كاريكاتورية يتجسد بشدة ذلك القول الذي قاله الفنان العالمي بيكاسو ” أنا لا أبحث أنا أجد ” ويتوافق مع حالة كوكب الأشول في مجموعتها، حيث تجد كماً هائلاً من الأفكار التي قد ربما قد نكون نعرفها لكننا في الحقيقة لا نراها أو لا نريد مرغمين  ألا نراها، فذلك من عمل الفنان وحده، عدا ذلك أننا، معشر الكتاب والنقاد والمؤلفين، قد نقضي ليالٍ كثيرة في الكتابة محاولين أن نوضح فكرة أو نتحدث عن ظاهرة، وقد يجيء ذلك العمل في عشرات الصفحات، ونحن نجد ذلك في لوحة من لوحات كوكب تختزل فيه كل ذلك الكلام وكل تلك التفاصيل بطريقة مدهشة ومذهلة، تغنيك عن قضاء نصف يومك في محاولة تفهم ما قد يقوله هؤلاء المؤلفين والكتاب الذين يضطهدون الكتابة ويظلمونها بما يقدمونه، كما تحيلك بطريقة إبداعية إلى التفكير والتحليل والاستنتاج من خلال لوحة واحدة فقط ..

–       وكوكب في مجموعتها تؤكد أن الفنان الأصيل لا ترسم له دروب، ولا يرسم لنفسهِ طريقة، بل يصنع كائنه الشخصي كما هو، وكما اتفق، من عطائهِ تستخرج الشروط، والقواعد، أما هو فلا يسلك إلا الآفاق الجديدة التي لم يخفق في فضائها جناح. في عطائه يبوح المخزون التاريخي، يضج الآن، تلوح مشارف المصير، وفي فرديته تتناغم الإنسانية جمعاء.

النظرة المغايرة

للفنان عين ثالثة ونظرة مغايرة تميزه عن غيره من الناس، وهذا هو سر إبداعه وفنه، وقد جاء في رسالة لجبران خليل جبران إلى ماري هاسكل عام 1913م موضحاً لها فيها مفهوم العين الثالثة فيقول : ” كان للفنان الإغريقي عين أثقب من عيني الفنان الكلداني أو المصري لكن لم تكن له تلك العين الثالثة التي كانت لهما، تلك البصيرة، تلك الرؤيا ذلك التفهم الخاص للأشياء الذي هو أعمق من الأعماق وأعلى من الأعالي”.

لقد كان الرسام العالمي ” بيكاسو” حيث كان يرى أن اللوحات الحقيقية التي يجب رسمها هي ما يتم رؤيته من أشياء في الليل وبين الظلام، حيث تبدو الأشياء  أشبه بلوحات فنية هي السلم الذي يرقى منه الفنان إلى حيث الإبداع الحقيقي، وهذا نموذج على النظرة المغايرة والتي تفرق بين الإنسان العادي وبين الموهوب.

–       وهذه النظرة المغايرة تشبه نظرة الداندي الذي تتكشف له الحقائق والمعاني الإجمالية للحياة في أبسط  الأشياء وأتفهها، كما تحدث عنها الشاعر العالمي مؤسس مدرسة الحداثة ” بودلير “

–       لكن وبما أن الفن الكاريكاتوري من الفنون التعبيرية فإننا نجد روح الناقد تسكن المبدعة كوكب عدا موهبتها الفنية في الرسم، وليس من الهام أن يمتلك الناقد تعريفاً محدداً صحيحاً وعقلياً للجمال، وإنما نوعاً معيناً من التعبير، مع القدرة على أن يستثار استثارة عميقة أمام الموضوعات الجميلة وأمام ما يستحق التعبير عنه من الظواهر الحياتية. والتعبير هو سرعة التأثر بما نراه من جمال ومن قبح . وبما أن أهم الحساسية هي أهم أداة قد يحتاج الناقد إلى امتلاكها فلا نستغرب أن نجد كوكب ناقداً للحياة .

–       وحين نرى ونتأمل بعين الناقدة والمبدعة كوكب من مجموعة اللوحات وإجمالاً عن حال الوطن العربي سنقول : أليس فاجعاً أن نعيش كأننا نموت، ولنا عيون ولكنها إلى خلف، وقلوب بيد أنها مستعارة، وعقول كقطع الغيار المستوردة، وشخصية سوى أنها هزيلة عجفاء لا تهتز لها أرض، أو ترتعش لأجنحتها سماء ؟

* “اضحك من عقلك”  عنوان المجموعة الكاريكاتورية الأولى للفنانة المبدعة كوكب أحمد الاشول الصادر عن مكتبة خالد بن الوليد وتصنف الفنانة كوكب الأشول كأول رسامة كاريكاتير نسوية في اليمن وتقديراً وفخرا بالمرأة اليمنية قدمت لهذة المجموعة الأستاذة رشيدة الهمداني رئيسة اللجنة  الوطنية للمرأة كما قدم لها أيضا الفنان المبدع محمد الشيباني وقد تضمنت المجموعة 108 لوحة كاريكاتورية ناقشت في مجملها  سلسلة من القضايا الاجتماعية والحياتية والسياسية والاقتصادية والتعليمية ورسمت بانوراما شاملة عن حياة المجتمع اليمني والعربي أيضا ولم تنس  الجانب القومي أيضاً بطريقة تجعلنا نقول لها زيدي فينا من تجربة روحك التي رضيت عن الدنيا فمنحتها الدعابة ولم تبح بعنيف السخرية ..

بدأت المبدعة كوكب الأشول بالمشاركة في المعارض الفنية واقامتها في جميع مراحل دراستها الجامعية ثم بالمشاركة غير المنتظمة في الصحف ما بين الفترة 1988م وحتى  الآن في كلٍ من الصحف الرسمية كالثورة والوحدة واليمانية وصمم بم الكاريكاتورية…

وتتجسد في هذه المجموعة اضحك من عقلك  للمبدعة كوكب وخصوصا في الشخصيات الذكورية التي رسمتها ببراعة واحتراف نظرية عالم النفس كارل يونج التي تؤكد أن الإنسان ثنائي القطبية والتي عبر عنها بمبدأي التعلل والإنتقال أي أن ثمة مايسمى بالحس الذكوري لدى المرأة “الانيما” والحس الأنثوي لدى الرجل ويدعى “الانيموس” وهو الميل الغريزي من الرجل نحو الانثى والتي تحقق له التوازن في نفسه وفي واقعه والامر بالمثل لدى الانثى “الأنيما” أي أن العلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة تكاملية والصراع بينهما صراع عقيم لايورث إلا المزيد من التردي والنكوص في المجتمعات ونحن نجد هذا ليس فقط في رسومات المبدعة كوثر بل في رسومات الكثير من المبدعين سواء في هذا الفن من الكاريكاتير كشخصية فاطمة في رسومات ناجي العلي وكذلك نجده في الفنون الأخرى يقول محمود درويش في اخر قصيدة له لاعب النرد  :

ادرب قلبي على الحب

ليتسع الورد والشوك ………..

وأنا من أنا الآن إلا

عندما تلتقي الإثنتان

أنا وأنا الانثوية…..”

كذلك نجد ذلك في شخصية “خالد بن طوبال” في ثلاثية الروائية المبدعة أحلام مستغانمي” وشخصية “مارتا” في مسرحية “سوء تفاهم” للفيلسوف والكاتب العالمي “البيركامو” والنماذج والأمثلة كثيرة وربما لا يتسع  المقام  لذكرها عدا ذلك يأتي عنوان المجموعة ” أضحك من عقلك ” بمغايرة شعرية وفلسفية مغايرة للمألوف والشائع وتعبيرا أيضا عن حقيقة نفسية تحدث عنها كبار الكتاب من أمثال الجاحظ والتي تقول أن الحقيقة تكمن في الحجة الساخرة ورد الفعل الساخر ونختتم هذا العرض الموجز بقولنا ان الساخر إنسان مثالي مفطور القلب وكما قال المتنبي: ” لاتحسبو أن رقصي بينكم  طرباً  /   فالطير يرقص مذبوحاً من شدة الألمِ”

*كاتب وناقد من اليمن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق