قراءات ودراسات

قراءة في رواية الراقدون فوق التراب.. الحياة بقوة قاهرة وإرادة الاعتقاد.

د. محمد سعيد المخلافي

بتركيب نفسي مهموم بالتفاصيل وبتصور كلي متجانس للواقع الفرعي، وبعنصر واعٍ من التعصب يغلو في مقاربة النوع، وبحس شعري متمرد وبتقنية الاسترجاع الفني؛ جاءت رواية الراقدون فوق التراب بجزئيها الأول والثاني( 2019 ). باكورة نتاج الكاتبة التونسية( بسمة دجبي )، حرصت من خلاله على لفت الانتباه إلى الحياة الواقعية كحبكة صاغتها بمواصفات كابوس يجري في اليقظة بلا امتناع، شغوفا بتحطيم العموميات، وبجعل الطبيعي والإعتيادي أكثر الأشياء المستغربة الموحشة.
بهكذا صورة ذهنية فعالة، خلقت الرواية حبكتها الممتازة بأصلها المألوف وسهولتها الممتنعة في تقصي صراعات جزئية لا تحتاج كفاءة أعلى من الموت للتخلص من عذاباتها؛ سواء أكان تحت التراب أم فوق التراب.

الفكرة التي تمسكت بها الرواية بقوة وعملت بتفان لأجل أن تنساح في الأذهان؛ لتسلبها في نهاية المطاف أهمية التفكير في الخطوة الجماعية التالية؛ بإزاء مجريات الأحداث العظام التي شهدت تونس أول خيوط فجرها الصافي ورأت فيه الرواية هامشاً لا غير مرت عليه بلا احتفاء و بلا تحقير. بحيث أنها أيضا وبلا منطلقات تساؤلية ولو هامشية، أرتنا( البوعزيزي )كحالة على حاشية السرد بدت لها ساطعة وتامة المعنى، فاكتفت بالإشارة إلى الحالة من بعيد ولم تقترب أكثر. وثقت بنفاسة ما في جعبتها فأنفت التزلف على ما يبدو. وبثقة من يحتفظ بأصل الأشياء ويتقن الضرب في الصميم، أفرغت متنها فضاءاً لاستجلاء الصورة خارج المنعقد الجمعي_المشتبك والمهتز_؛ بمستواها الإنفرادي المستقل منفصلاً بمشاغل خاصة شاغلة في عباب الحياة الأحادية القانطة التي لا تؤتمن على شيء، ويمشي الهم فيها مجتمعا لمعالجة صفائح الواقع المتلظية، ولملمة شظايا عيش تكمن لذته الوحيدة في تجنب الألم.
بهذا الوعى العالي والعميق، لخصت الرواية حكايتها الصادمة بعكس علائق الحس السائدة؛ وبخاصة التوهم بكون مفردات الخبز المحترق تغري بشيء متحد، وتحتمل نفس مضمون التوجع المفرد.
مغلفة إياها بجو مضطرم من الشاعرية المستعذبة في عمومها والمأخوذة أحيانا بقوالب لفظية مزخرفة إما تفتقد المقام وإما تفتقد باطن ينطوي على مرمى قصي أو دلالة متقدمة. وهذا في مقابل توظيفها الجيد للحوار _كعنصر بنائي هام_ لبيان مواقف ومنطق الشخوص_ كأصل_ وللتعبير في مرات عديدة عن أشياء كامنة في ذات الرواية؛ الذي يؤخذ عليها من وجه آخر عمومي استغراقها في الوصف الدقيق البطيء على حساب تماسك واطراد الحدث.
على أنها بالإجمال، قد مهرت في تحويل الكلام إلى ممارسة فنية إبداعية لا تستعلي على القارئ وتخلق فيه جمالية من شأنها التخفيف من فورة الشرور المعروضة أمام عينيه ببذخ وإفراط؛ وبتحيز كذلك بغير تلطف، مثيراً للأعصاب بالنسبة للقارئ المنتمي إلى جنس الرجال؛ ففيما عدا الشر الطبيعي الشامل _بطبيعته_ فإن الشرور سمة ذكورية جِبليَّة من منظور الرواية، باستثناء العجز عن تسامي الكمال فقد رأت فيه شراً أنثوي لا يناسب الذكور بمعناه البعيد المتاخم للصلاح. المحتوى الذي خلف لدي إدراكا خاصا بتلقائيته، وبعفوية ضراوته، ومنكشف رقة خرجت منه بكينونة أنثوية ناعمة هشة؛ لم تستطع الرواية إحاطتها بلحاء من الصلابة يخفي دخيلة الوهن _الكفء الملائم_. كما عجزت عموما أن تجعل قارئ مثلي يتردد ولو للحظة قبل أن يمكنه الجزم بأن أنثى من كتبت هذه الرواية دون أن يطالع غلافها. أنثى بكل تفردها الفطري في إبصار مستدق التفاصيل الفارقة في النطاق الثينيوي والأزواج التقابلية، وبنفورها الطبعي من الرؤية الكلية غير الدقيقة. ولذلك بدا لي مأنوسا أنها لم تجد في جبل( بوقرنين )أية معان متعالية ورفضت تمثله على خلاف الذاكرة والخيال الشعبي، أثر طهر وجلال باقٍ لبراق المعراج؛ وخالته على النقيض من ذلك شيطان بقرنين وبعينين جمرية مريعة لا تبصر حقيقة الأشياء البعيدة حتى لو كانت مشتعلة كإرادة” تونس “الأنثى الراشدة التي تقاتل في الأسفل على ساحات متعددة لكي تحمي أشطار استقرارها الحياتي من التبدد. كما رنا قبلا عن أفكار طفولتها الصحاح المصنوعة وقد أحالها الجهل العقدي والميل الخرافي إلى وساوس قهرية رهابية وعذابات نفسية لا تنتهي. ولأجل أنه “بمسماه ومطبوعيته” لم يكترث يوما لشؤون تونس( الأسم المؤنث المعنوي )، وظل أشد لامبالاة لمتاعب أحواض الزهر وسط دورا فيها تهالكت قرفا على “شارع المجاري المفتوحة ” في “حي المزبلة “؛ المسكون بمخاوف زهر “عنبر الليل” داخل حوض ينوء بأنينه الآثم متخما برفات حلم برئ توسل الشر لمغادرة ” حفرة “ضاقت عليه وضاق بها؛ فخذلته الوسيلة وأخلدته إلى ذات حفرة التهمت لحمه ولفضت عظامه المسحوقة بعدها إلى كيس النفايات.

حبكة الرواية المبتكرة الثاقبة الذي تمنيت الاكتفاء بها دون إقحام موضوع جريمة القتل؛ كمنصة صراع ظهر لي ببنية سطحية لايأخذ نموذجه السببي أية مضامين خلاقة. وذلك إذا ما استثنينا ملائمة قالبه الناقد لمظاهر الحياة العصرية، وذلك المقطع الوصفي المناسب لواقعة القتل، والتصوير الدقيق للمشاعر التي اعترت بطلة الرواية عقب الجريمة قبل تجاوزها عتبة الشعور إلى الوعي بحقيقة الوضع، وحالة جمود الحس، ومحاولة التبرير بحجج غوغائية. لم أجد على أية حال، أنها أفسدت كل شيء بسافر وفاقها مع فكرة حتمية الجريمة أو إخراجها على أقل تقدير من دائرة الانحراف غير المقصود عن الصواب. وذلك لكون الرواية لم تبذل أي جهد بالأساس لتحمل القارئ على التسليم بهذه الفكرة المغشوشة. ولا أعلم كم من القراء وسعهم التسليم برغم هذا. الأمر الذي يتوقف بطبيعة الحال على مقدار ضيق القارئ من عدمه بالرسائل المشفرة، وإحتماله إدامة النظر إلى أن تنفقئ فقاعة التعمية هنا فيظهر مباشرة على السطح مضمون الصواب المتوجب في هذه الحالة ملتحما بسؤال بدهي عن العائق الذي حال دون فعله؟؛ سؤال أجابت الرواية عنه بلا تكثيف وبمنهتى بساطة غوائية المسَلَّمات”خشية الفضيحة “.. جواب لايمكن وصمه بالعبثي لفرضيته المنطقية ولمقتضى واقعيته. ولهذا رأت الرواية بأنه يمكنها مواصلة سيرها السوداوي الحثيث غير مجبرة على التوقف الشارح عند هذه الفكرة؛ تاركة القارئ لإرادته المستقلة ليقرر إما اللحاق بها على عماء أو البقاء قليلا في العاصفة بارتقاب برق يضئ معنى عمومية الانحراف وإطلاقه وخصوصية الصواب ونسبيته. وعندها يسهل على القارئ التقاط المعنى المعقول ومتابعة الرواية وفق بوصلتها الفكرية الخاصة والحيوية؛ مقتنعا بوجهة نظرها بهذا الخصوص حتى النهاية. إلى أن غادرت بطلة الرواية تونس بطريق الجو نحو الشمال( إيطاليا )على سبيل النضج في مواجهة تحديات الواقع بلا كدرة استلاب بقبح منفر أو افتتان ضحل ساذج. وإن كنت افترض هنا رسالة ذات مغزى أصلي لائح موجهة من( نَوَّار )بطلة الرواية إلى المحارب القرطاجي الجسور( حنبعل )رجل تونس الغابر وشكلها الرمزي، المقدس، المستمر؛ الذي انتهى في حاضرها العظامي الخَرِب إلى تمثال نصفي؛ برأس نزعت باقي أطرافه فلا رجل يقدم بها مجددا على ركوب المخاطر، و لا يد يصنع بها طرقا جديدة على أرضه المطموسة أو حتي يتجرع بها السم ثانية ويذوق الكبرياء مرة أخرى. وبقى بوجه متجهم ضل الطريق؛ يتنفس الصعداء و غبار الكتب القديمة مستهلا، ويقاسى هوان الشأن انتهاءا في زحمة الأجساد المتجردة في أحد صالونات التجميل النسائية. عاجزا عن ان يبعث فيها القليل من الحشمة، بعدما كان مبعث رعب( روما )العظيمة وخطرا على أبوابها.
كما أن الفقه بغرض الرواية في تثبيت تميز التجربة الأنثوية( فكرا وانفعالا وأحلام )، وإثبات امتيازها في إدراك الذات وسط عالمها الخارجي الذكوري؛ يدفع إلي الظن بوجود رسالة أخرى محتملة موجهة إلى( ابن خلدون )المنتصب قامة في شارع الاستقلال والمكروب مقاما مقفر إلا من كتابه المغلق. في عالم متحجر لا يمكن لأحد فيه مشاهدة نظرته الجامدة المليئة بالحسرة؛ لأن كل ماحوله يستدعي الإهتمام وليس بمقدوره الالتفات في بؤس خلوده الصخري.
ومهما يكن الأمر، لا أجد قيمة حقيقية لهذه الحبكة بمفردها على رفاهة السرد. وتظل محل نظر من قبلي كماسبق القول. كما لا أزال آخذ على البطانة الموضوعية للسرد بأسره، مجموع هوسه الاستعلائي بالتشاؤمية على ظاهر فأل مرئي في واقع الرواية لم يتمكن من حجبه، وأستبد به الإخلاص المتطرف لديستوبية الرواية مع ذلك فوق مايحتمل واقع الفساد، وأيضا لانشغاله العدمي بترسيخ الفردانية بمقابل التحولات الإجتماعية؛ التي أصرت الرواية على النظر إليها كشرط وجودي للتباينات الحاده، ومردا لإتساع المسافة بين المواقف؛ شيدت على أساسه الخاطئ حكمها _القاطع التحكمي_ بأن لاوجود للفهم المشترك جملة وتفصيلا. مسقطة بذلك أسس موضوعية متينة كالتنشئة الإجتماعية المتواترة، وصيرورة الاندماج في منظومة الحياة الجمعية بالنتيجة السببية.
ووفق هذا التأطير، لم توفق الرواية تماما في إقناعي شخصيا بواقعية صورها السوداء الحالكة، وبمعقولية إحساسها المتكاثر بالشقاء. على نحو أنها ومن حيث لا تدري خلقت من( نَوَّار )بطلا لا يختلف بشيء عن باقي وحوش الشر التى صاغتها. وهي بذلك أبعد ما تكون انعكاسا لهموم وانشغالات موجودة في النص ممايمنع فهمه في ذاته ولزام تفكيكه لهذا الغرض. ممالا يتأتى لكل قارئ طريقا إلى فهمه بإعمال الفكر خارج النص وبخاصة في ظل إنقطاع الرواية عن مختلف ظروف الكاتب الإجتماعية. بل واستظهرت من هذه القطيعة_ما خيل لها_ دليلا على عدم وجود معنى بالمرة لهذه المسألة الديناميكية.
وبغض الطرف عن أمر التصدعات الداخلية لنص الرواية، فقد أطلت بمسحة أدب نافع الأثر رفيع الدلالة. وهو ما دفعني في الحقيقة للحديث عنها، إشادة و تقديرا لقيمة الوفاء للقضايا العادلة التي تمنح صاحبها بيان ساحر لدي التعبير عن هواجسه ولو بإشارات لا تستغرق أكثر من ثانيتين لدى قراءتها.. بذلك المشهد القاسي من الشر الأخلاقي _ “النوعي “_لكيفية التعاطي مع القضايا الأسمى. أيّن تستحيل( فلسطين )صنم من الشهد يعبد خواء وتفكهة بلا نسك وبشعيرة وحيدة، شكلانية، ميسرة لا تتطلب سوى نسيج( كوفية )ترتدى في الفعاليات والمناسبات الخاصة وتنزع بختامها، وترتمي لاحقا منسية مهملة على كرسي مطعم فاخر للوجبات الغربية.
بمثل هذا الإيجاز البليغ أوفت الكاتبة على المعنى وعلى غاية الإعداد الفكري، وأوصلت للقارئ رسالتها الأسنى من عمق الواقع الذي فتحته على مصراعيه كاشفة عن اللامرئي في ظاهره المحسوس. و به أختطت مكانها المتميز _برأيي_ في عالم الأدب الروائي الذي أصبح يعاني الازدحام الغث ونزارة التميز. وإن فعلت هذا ببالغ عبوس وتطير، فقد رسمت على خاطري بسمة تفاؤل بانتظار نتاج جديد على ذات الطراز التأملي.. وما أحوجنا لهذا في راهن واقعنا الملتهب شديد النزق.

*كاتب وأكاديمي/ اليمن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق