ثقافة المقال

الجزائر نجمتنا المقدسة•• وذاك ضوؤها

عياش يحياوي*
أصبح الحديث عن الأعزاء الموتى أشبه بفيلم شاهدناه أكثر من مرة، حتى أن الطريقة التي نتمثل بها الفجيعة ونعبّر عنها تكاد تكون واحدة· لذا، وجبت المطالبة بتكثيف الموتات جميعها في موتة واحدة نتفاجأ بها ونُصدم ونفجع لها وينتهي هذا المسلسل الرتيب· غير أن الموت يأبى إلا أن يجيء آحادا ومتقطعا، وهكذا، في كل مرة يتوارى جبل كان منذ لحظات مشهدا عضويا في جغرافية تفكيرنا ولساننا وتفاعلنا مع العالم· أحيانا أشعر أن الموت يظلم الجزائر، إنه لا يبرحها حتى يقفل إليها، ألم يشبع هذا الرفيق اليومي لأهل الجزائريين من الابتلاع والتفجيع وإحداث الفراغات المهولة في الوجدان الفردي والمجتمعي؟ كلما شرعت في استرجاع وجوه المثقفين الذين غادروا بلدي إلى الأبد في العشرين سنة الأخيرة، أسرعت لإيقاف الشريط واضعا رأسي بين ركبتي لهول المشهد، حتى أن بعض المثقفين التمس من ذاكرتي أن تمحو ملامحهم أو تمحوهم نهائيا، لأن غيابهم مضحك ومفجع وغير محتمل· ها هو الروائي الكبير الطاهر وطار، يختفي، نعم ستظل رواياته تتحدث عنه مثلما يقول الكثيرون، غير أننا نريده هو متحدثا ومتفاعلا لا رواياته، إن الموت يأتي ببساطة مثل بائع الحليب في الحي، يأخذ منا أعز الناس ويتسلل إلى مغارته في السماء، ونحن مطالبون بترتيب ما له علاقة بالحفر والكفن والدفن وتعداد المناقب، وكأنها وظيفة متفق على تفاصيلها··
شخصيا قبل الروائي يعنيني الإنسان الفرد، لقد كان وطار جزائريا في لسانه وارتباكاته وإبداعه ونفوره وامتعاضه ونميمته· حين التقيت به في الشارقة بعد استلامه جائزة الشارقة لخدمة الثقافة العربية سنة ,2005 كنت مشغولا مثل طفل بصياغته للقاموس الجزائري اليومي وهو يتحدث بعفويته المعروفة، أذكر أنه أخذني إلى أيام الحزب الواحد وراح يشرّح مرحلة سياسية كان لها أثر كبير وما يزال في البنية الذهنية للجزائريين كلهم، كنت أتمنى حينها لو أن كاميرا فيديو تصور تدفق وطار بهجائياته للأفراد والتكتلات والمرحلة· إن وطار على الرغم من أسفاره وقراءاته وسعة اطلاعه ظل إلى آخر لحظة من حياته يسلك سلوك الفلاح الجزائري، والعامل الجزائري، وهنا تكمن أصالته· كان يقول لي، أنت يا عياش بربري لأنك من أولاد درّاج وهم قبيلة بربرية، وكنت أقول له يشرفني أن أكون بربريا، ولكني لست بربريا، وأولاد دراج لا صلة لهم بإخواننا البربر، لكنه كان يربت على كتفي قائلا: (لا لا يا عياش··· اسمعني ··أنت بربري)· وكنت التقيت به قبل سنة من ذلك في مهرجان القرين بالكويت، فقد كان هو شخصية المهرجان، بحضور الطاهر بن عيشة وشخصيات ثقافية جزائرية عديدة·
كانت الجالية الجزائرية في الإمارات تنتظر بفارغ الصبر زيارته إلى دبي لاستلام جائزة العويس الثقافية، لكن خاب أملها حين علمت أن ظروفه الصحية تمنعه من السفر الطويل· يومها رحت أسترجع آخر اللحظات التي عشتها معه في الشارقة سنة ,2005 أسترجعها لأعانقه من خلالها وأجمع تفاصيل محبتي لشخصه الريفي، الذي يذكرني برجال الريف من أهلي·
يكفي جيلي فخرا أنه عاش في زمن هواري بومدين والطاهر وطار وبومعزة وغيرهم من رجالات وحرائر الجزائر· لكنه جيل أحدث فيه الموت ثقبا غربالية لا نهائية، وتزداد المأساة حين يتعلق الأمر بالمثقفين الجزائريين المقيمين بالخارج بصورة دائمة، يفتقدون وجوه أصدقائهم المثقفين في البلد، يسترجعون الملامح والأصوات والمواقف، وذات صباح أو مساء يرن الهاتف: ”فلان الدايم الله”· كنا مطالبين بالسفر إلى البلد لرؤية وجوه من يصنعون الإيقاع الثقافي اليومي للجزائر، أما بعد الموت فنكون مطالبين بالسفر مرتين، مرة إلى البلد ومرة ثانية إلى العالم الآخر لرؤية وجوه اختفت إلى الأبد· لكن يبدو أن الحياة تخرج من الموت والموت تخرج من الحياة، إنها واحدة من أعظم حكم وجودنا العابر على الأرض·
رحم الله وطار·· فقد كان حقلا خصيبا، طالما تفيأنا ظلال أشجاره واستمتعنا بثماره، فأشعرنا أنه منا، وأشعرناه أنه منا، وأن الجزائر نجمتنا المقدسة··· وذاك ضوؤها·

 

 

 

 

 

*شاعر جزائري مقيم في الإمارات

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق