ثقافة السرد

هارمونيكا

*سفيان بن عون

عباراتي التي كتبتها أوجعتها ودموعها نزلت ولم تستطع أن تتحكم فيها،قالت لي ذلك وقد أطلت صورتها على هاتفي الجوال في تطبيقية المسنجرالتي كنّا نستعملها ونحن نتحاور عن بعد تأكدت من صدقها ففي عينيها اثار إحمرار ذاك الذي يعقب نزيف الدموع كان لايزال قائما ،لكن ذلك لم يثر في أي تعاطف أو إحساس بالذنب. تسلل إلى أعماقي برود كبير و حزن أكبر هل صرت قاسيا إلى هذا الحد؟أم أن قناعتي بما قلت ويقيني بضرورة الحسم هما ما جعلاني أبدو فيما أنا الآن عليه من لا مبالاة و عدم انفعال؟
كنت مستاء .تتجمع الأحداث في رأسي ،ألملم التفاصيل المتناثرة… فرغم تشابه الأيام إلا أن الأمر يتراكم شيئا فشيئا كحبات الرمل القادمة من عمق الصحراء تبدو خفيفة ورقيقةولكن حين تتجمع وتأتي على جناح الرياح العاتية تمزق الوجوه وتبيد الدم في العروق…يحدثني أخي عن توتره المستمر تأكله الأيام و لا يفعل شيئا٠٠٠ يدمن الشرب وتدخين الماريجوانا التونسية”الزطلة” .وهو ما عاد الآن قادرًا على شرائها بسب بطالته. قال أنه سيبدأ قريبا ببيعها.ما الفرق بين السجن و بين ما هو فيه…؟؟؟
لأشهر طويلة كان زميلي في العمل يجاورني .يحدثني عن كل شئ، يزعجه الرحيل القادم…” البلاد ما عادت ترتفع لي. أهاجر و ليكن ما يكون أريد لأبنائي حياة أفضل أستراليا بلد جميل أرض عذراء تطلب رجالا مثلنا،لقد تدبرت كل شيء ، هناك يمكن أن أجدني وأخرج من غرقي ولأطفالي سيكون الزمن رائعا …”حين ذكرت أمه العجوز التي سيتركها وحيدة وضع رأسه بين كفيه وطأطأ…ولما رفعه كانت دمعة بطعم الرماد تشق وجهه لنصفين….
منذ أشهر ثلاث لم أعد لبيتي.أعيش وحيدا في شقة صغيرة في الطابق الثاني من عمارة صغيرة غير بعيدة عن البحر غرفتان و بهو واسع ومطبخ و حمام …كان ذلك كافيا جعلت إحدى الغرفتين للنوم والثانية المطلة على البحر كانت مكتبا لي وفي الحقيقة فقد جعلت منها تدريجيا غرفة للنوم خاصة في هذا الوقت من السنة حيث الحر يبدأ بالإرتفاع ما يجعل الغرفة الأخرى غير صالحة للرقاد .من هنا و بسبب النافذة الكبيرة و الشبيهة بالباب كان بأمكاني أن أرى زرقة البحر و أن أعانق نسائمه المنعشة كل صباح أما ليلا فبرودة الماء و رائحة اليود كانتا تزيدان من نشوتي وأنا اتلذذ طعم البيرة الباردة أو أترشف كأسا من النبيذ مع قليل من الطعام…
ليلتها وفيما كنت أتصفح الجريدة وقد لفت انتباهي خبر اختلاس قابض المستشفىفي المدينة التي أسكنها مبلغا ماليا رهيبا فيما رفوف صيدلية المشفى تكاد تكون خالية وجدرانه المشققة في أكثر من موقع تبشر بالموت القادم،رن هاتفي الجوال،في الحقيقة كان الرنين قادما من تطبيقة” المسنجر وقد ظهرت صورتها على الهواء فيما يشير إلى دعوة للحديث وجها لوجه باستخدام “الكام”
ترددت كثيرا في الإستجابة وهو ما كان كافيا لإنقطاع المكالمة….غمرني احساس بالراحة عميق…لكن ذلك سرعانما تبدد ،إذ تعاود الرنين وكان هذه المرة لحوحا لا ينقطع.قبلت طلبها… حين ظهرت صورتها كان وجهها باهتا وعيناها محمرتان وخصلة من الشعر تنزل على جبينها لتغطي نصفه…لقدكنت مستاء ومتوترا غارقا في شرابي وضياعي.
كيف لم انكسر أن يعود كما كان ؟ … الصراخ والكلمات الكثيرة التي كانت تخرج من فمها دفعة واحدة و دون معنى عدا السباب و الشتائم الموجعة و نوبات الهستيريا التي كانت تدخل فيها من حين لآخر كل ذلك جعل مني رجلا يريد أن يكون وحيدا صامتا وهادئا…هل كنت هادئا؟
في شوارع المدينة و أثناء تجوالي كنت أختار الطرقات الفرعية كي أتجنب أكثر عدد ممكن من الناس وحتى الأصدقاء ما عادت لي الرغبة في لقائهم أما المقهى فقد انقطعت عنه…وفي الحانة كنت أختار ركنا بعيدا. عيناي معلقتان تتابعان مايبث و الكأس في يدي وإني كثيرا ما كنت أهوم بعيدا في تجاويف أفكاري و ذكرياتي البعيدة وحتى القريبة….أبي وهو يحملني فوق كتفيه لأشاهد الصور التي تتحرك على الحائط في تلك القرية الغارقة في عمق الصحراء حيث كان يعمل معلما سنوات السبعين….الطريق الطويلة التي كنا نعدو فيها أنا و إخوتي و نحن أطفال قبل ان يفاجئنا الأزرق الكبير بابتسامته ولونه الفضي في تلك الصبا حات البعيدة والتي كانت بطعمالحلوى ومذاق السكر….Anna الفتاة الأندلسية الجميلة بعينيها العسليتين وشعرها الأحمر ولكنتها الإسبانية وهي تتحدث الفرنسية محاولة أن تعلمني بعض كلمات العشق في لغتها….
آلة الهرمونيكا التي لازمتني سنواات طويلة والاطفال حولي يستمعون مبهوتين لما أعزف… بكائي المر حين أسقطت يوما من يدي وتكسرت…كانت هدية أبي لي ذات صيف بعد عودته من نيس …فرحي الطفولي وأنا أنزل في مصعد المشفى حاملا في يدي طفلي الأول الذي ولد منذ ساعات قليلة…
على شااشة التلفزيون وفي صفحة خاصة بالأخبار ظهر خير جديد : “مقتل العشرات دهسا بشاحنة في أحد شوارع نيس.”
زاد توتري …
عدت إليها كانت تتكلم لا أفهم ما تقول فصوتها كان ثقيلا وعيناي ذهبتا بعيدا…قلت أني سأنهي المحادثة…لم تقل شيئا نقرت على الزرلأطفئ الكاميرا وتطبيقة “المسنجر” في نفس الوقت… ولكن مباشرة بعد ذلك لم أجدني…

 

*قاص من تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق