قراءات ودراسات

سيكولوجية الحكام العرب..

مشروع دراسة ميدانية

هـادي العلوي*

تستهدف هذه الدراسة توجيه عناية الباحثين الثوريين نحو الكشف عن الملابسات النفسية للسياسة العربية الراهنة من خلال الكيانات الرسمية الحاكمة . ولست أنكر أن التطبيق الحرفي لمبدأ الدراسة الميدانية غير ميسور هنا بسبب طبيعة الموضوع ، إذ يستحيل علينا القيام باستجواب ، عن طريق استمارة مثلاً ، والطلب إلى المعنيين تثبيت إجاباتهم لأغراض البحث ، ما دام الأمر متعلقاً بمجموعة من الأشخاص يتبوأون مركزاً يختلف عن ذلك الذي تكون فيه المجموعة الخاضعة للفحص الميداني من الناس العاديين (1) . للتعويض عن ذلك يمكن استكمال شروط الدراسة بالرجوع إلى المصادر التالية :

1- التاريخ الشخصي ، 2- السلوك اليومي ، 3- الوضع السياسي كما يجب الاعتماد على فحص النماذج المتيسرة ، تقريباً للدراسة من الواقع المعاش واستنقاذا لها من التجريد .

وهذا يقتضي بدوره أن يصار إلى التسمية ، وبالنظر لحساسية الموضوع فأن هذا الشرط لن يكون متوفراً بتمامه . على أننا نستطيع من الجهة الأخرى أن نستفيد من فرص الصراع بين الأنظمة العربية فنتناول أيـا منها على حـدة ، ولكن مع الحذر من السقوط في شرك الاستدراج . أن تشريح أي نظام عربي يجب أن لا يتضمن تزكية للنظام المنافس .

التصنيف الأولي

لمعرفة الأصول التي يرجع إليها الحكام العرب يمكن استخدام معيارين عريضين : طبقي ، واجتماعي خاص ، وذلك على الوجه الآتي :

طبقيــاً:

أن توزع الأوضاع الطبقية في المجتمع العربي هو الأساس ، بطبيعة الحال ، للانتماءات الطبقية للحكام . لسنا نجد المجال المناسب هنا لدراسة هذه الأوضاع ولكن يهمنا الإشارة إلى الصفة الغالبة في لحظة نشوء هذه الكيانات ، فنلاحظ أن الوضع شبه الإقطاعي كان هو السائد في عموم المنطقة العربية ، باستثناء الجزيرة التي تسودها حالة بداوة حالت دون أن تستكمل وضعها الطبقي الخاص . ومع نمو الاقتصاد الصناعي والملكية الرأسمالية في بعض الأقطار نشأت البورجوازية بأقسامها المتعددة : كومبرادور ، بورجوازية وطنية ، بورجوازية صغيرة . على أن ظهور وتطور البورجوازية لم يتم على حساب النظام السائد – شبه الإقطاع – فقد تعايشت الطبقتان بل وتداخلتا أحيانا على النحو المعروف .

لتحديد الهوية الطبقية للحكام العرب من خلال هذه الأوضاع نجد : – في الأقطار المتطورة نسبياً وهي مصر والشام والعراق – الفئات الحاكمة خليط من ممثلي الإقطاع والبورجوازية . في الجزيرة ، نجد والحجاز والإمارات – بدو اليمن – حكومة دينية بحتة تمثل نظاما عشائرياً . في الشمال الأفريقي ، المغرب – ملكية شبه إقطاعية .ليبيا – بدو . تونس والجزائر – استعمار مباشر . في المراحل التالية أعيد ترتيب الأوضاع الطبقية في أنحاء كثيرة فصارت على هذه الشكل :

الأقطار المتطورة نسبياً – الفئات الحاكمة أصبحت بورجوازية صرفا، ثم تطورت أوضاع قسم منها باتجاه سيطرة البورجوازية الصغيرة التي تتألف منها الآن بعض الفئات الحاكمة . ومن خلال البورجوازية الصغيرة استطاعت أن تنفذ إلى السلطة بعض العناصر من حثالة البروليتاريا .

الجزيرة العربية – نجد والحجاز والإمارات – بدو ، مع بعض المواقع البورجوازية . اليمن الشمالية – نظام عسكري متحالف مع البدواة الحاكمة في نجد والحجاز . الشمال الأفريقي – المغرب – خليط من البورجوازية وشبه الإقطاع . الجزائر – بورجوازية صغيرة . تونس – بورجوازية في إطار عام . ليبيا – بورجوازية عسكرية .

المعيار الثاني للتصنيف يعتمد على الوضع الاجتماعي الخاص لرجل الحكم، وبتطبيقه على الحكام العرب نراهم ينحدرون من المواقع التالية :

1- الجهاز الإداري – ويأتي منه الوزراء و أحيانا رؤساء الوزارات ، حيث يحدث في قسم من النماذج أن تتألف الحكومة من كبار الموظفين المسلكيين كالمدراء العامين ورؤساء الوحدات الإدارية الكبيرة . من أمثلة هذا المنحدر حكومات الأردن ، آخر تشكيلة وزارية لعبد الكريم قاسم في العراق وحكومات العهد العارفي في العراق أيضاً .
2- من الجيش – وذلك في الانقلابات العسكرية حيث تتألف الحكومة من الضباط بما في ذلك رئيس الدولة .

3- شخصيات اجتماعية مستقلة ليس لها ماض سياسي أو معتزلة للعمل السياسي . ويدخل في هذا الصنف الشخصيات التكنوقراطية التي أعتمد عليها نظام عبد الناصر وخليفته في مصر .

4- من وسط وطني – يحدث ذلك عندما تتألف حكومة أثر انتفاضة أو ثورة وطنية لا تحقق كامل أهدافها ففي مثل هذه الأحوال تلجأ القوى المتنفذة إلى تأليف حكومة تضم بعض العناصر الوطنية ولكن دون أن تكون خاضعة لنفوذ الحركة المجهضة لأن الثقل يبقى إلى جانب السلطة القائمة وهي الفعلية . مثال ذلك الحكومات ((الوطنية)) في سوريا ولبنان بعد زوال الاحتلال الفرنسي والحكومة العراقية بعد ثورة العشرين .

أن تصنيف الفئات الحاكمة طبقياً هو إحدى المقدمات الضرورية لمعرفتها سيكولوجيا . على أن تحقيق هذه المسألة ليس ميسوراً ، بالنظر إلى أن علمي النفس والنفس الاجتماعي لم يوليا عناية كافية لهذا الجانب من حياة الإنسان ومجتمعه ، وفي حدود معرفتي فأن علم النفس الطبقات لم يظهر حتى الآن ، ولكن لدينا مع ذلك بعض الملاحظات الثاقبة بهذا الخصوص في آثار المفكرين الاجتماعيين من العصور المختلفة . وأننا لنعلم بفضل هؤلاء المفكرين أن للوضع الطبقي تأثيراً عميقاً على سلوكية الأفراد ، وعندما يرتبط هذا الوضع بمرتكزات استغلالية ، حيث تسود الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ولسائر الأشياء تبعاً لذلك ، فأن السلوك الفردي يتحدد وفقاً لروح التملك . وهو معيار جوهري للتفريق بين سلوكية الملك وسلوكية المحروم ، وبالتالي بين سلوكيتين طبقيتين مختلفتين.

وبالاستناد إلى سوابق الفكر الاجتماعي التقدمي يمكننا أن نشخص في سلوكية المالك هذه المجموعة من السمات :

الطغيان المقرون بالغرور – ضعف الوازع ((النزعة)) الإنساني – التحلل الأخلاقي … يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار أيضاً الاختلاف في ظروف العمل حيث يكتسب كل من مالك الأرض والفلاح ، والعامل و رب العمل وضعاً نفسياً خاضعاً في بعض معطياته لتأثير هذه الظروف .

أساليب الوصول إلى السلطة

إلى جانب المرتكزات الاجتماعية تلعب طريقة الوصول إلى السلطة دوراً ، يبدو لي أنه غير ضعيف ، في تكييف نفسية الحكام . تنقسم هذه الأساليب إلى صنفين عامين : شرعي ، أنتزائي .

مقياس الأول هو حصول الموافقة الشعبية ، أما أشكاله في الوقت الحاضر فيتميز منها الانتخابات الحرة _ ومثالها حكومة اللندي في شيلي.

الثورات المسلحة – وهي على قسمين :الانتفاضة الشعبية الشاملة ، ومثالها ثورة أكتوبر البلشفية ، الحرب الشعبية الطويلة الأمد ، ومثالها ثورة الصين وكـوبا .

الانتزائي:

أطلق هذا الوصف في الأدب السياسي القديم على عملية اغتصاب السلطة ، وأصلهُ من الفعل نزا ينزو بمعنى التوئب المصحوب بالسرعة والطيش كما يؤخذ من طريقة استعماله . وللأنتزاء في الوقت الحاضر عدة أشكال ، بقدر ما يتعلق بالمنطقة العربية :

1-الانقلاب العسكري الذي يتخذ أحد شكلين : عملية عسكرية بحتة من داخل الجيش ، أو عملية مختلطة يشترك فيها مع الجيش مغامرون مدنيون يمتلكون نوعا من التنظيم السياسي .
2-الالتفاف على حركة وطنية ، وقد أسلفت الحديث عنهُ .
3-التواطؤ المباشر مع القوى الأجنبية – العمالة .

يترتب على الانتزاء سلوكية مطابقة تتسم بـ : روح الشقاوة – العنف القمعي – النزعة الأستبدابية احتقار الشعب والخوف منه . ومن النادر أن تتوافر هذه السمات في السلطة التي يوصل إليها بطريق شرعي . أن هذا ما يستنتج من ملاحظة السلوك السياسي والشخصي لرجال الحكم في الكيانات السياسية من النوع الأول مثل : لينين ، ماوتسي تونغ ، هوشي منه ، فيديل كاسترو …

لدى مطابقة أساليب الوصول إلى السلطة مع الكيانات العربية نجد أن الغالب هو أسلوب الانتزاء بأشكاله المذكورة آنفاً ، ونلاحظ في المقابل عدم حصول تجربة انتخابات حرة في المنطقة ، أما الحرب الثورية المؤيدة إلى السلطة فمن المعلوم أنها حصلت في الجزائر ثم انتكست ، وتكررت بصيغة محدودة في اليمن الجنوبية ، وهناك تجربة ناشئة تخطو نحو التعمق في عمان – أقليم ظفار .

تأثيرات الوضع الحضاري

أن الانتروبولوجيا النفسية تربط بين اضطرابات شخصية الفرد والتحلل الحضاري Cultural Disintegration حيث تنظر إلى الأول كارتكاسات بشرية للأخير (2).

وتوخيا للدقة يجب التمييز بين الحالتين من السقوط الحضاري هما التحلل والتخلف ، أما التحلل فهو السمة العامة للمجتمعات الغربية المعاصرة ، وهو نتيجة لأزمة النظام الرأسمالي في المرحلة الإمبريالية الراهنة . من نتائج هذه السمة شيوع الأمراض النفسية الخطيرة خاصة في الولايات المتحدة حيث تكتسب الرأسمالية صيغتها الإمبريالية العميقة بالقياس إلى الدولة الرأسمالية في أوربــا .

وأمـا الثاني فيختص بالمجتمعات الشرقية الحاضرة . والتخلف في هذه المجتمعات يحتوي التحلل زائداً : الجهل ، بخلاف المجتمع الغربي الذي يرافق تحلله الحضاري نهوض عملي وثقافي شامل . أمـا السمات التي يتميز بها المتخلف حضارياً فيمكن رؤيتها ضمن الإطار التالي:

•· الميل إلى المظاهر ، تدل على ذلك المقارنة بين زركشة الأزياء التقليدية وألوانها الصارخة وبين بساطة الأزياء الحديثة .

•· المبالغة في البذخ الشخصي (3) ، ضعف الحس التنموي .

وعلى صعيد العلاقة بالفرد المتفوق حضارياً تبدو شخصية المتخلف أضعف ، مما يتمثل في الشعور بالضآلة الذي يحسهُ الأخير في مجرى تعامله مع الأول (4) .

بعد أن رسمنا الخطوط العامة للخلفيات الطبقية الاجتماعية للحكام العرب دعنا نثير الانتباه إلى الخواص السيكولوجية لشخصياتهم .

الشخصية القناع – انعدام القضية

أن تبلبل أخلاقية المجتمع بنتيجة السقوط الحضاري يعزز النزعة النفعية في سلوك الأفراد مما ينجم عنه ضعف الشعور بالمسؤولية الاجتماعية . على أن النفس الجماعي للعلاقات في المجتمع العربي ، الذي يمثل كأثر من آثار البداوة ، يضع قيداً يحول دون تحول هذه النزعة إلى ظاهرة كما هو الحال في المجتمع الرأسمالي الغربي . أن النفعية موقف أخلاقي وفلسفي للبورجوازية المعاصرة ، فلكي تأخذ مجراها كظاهرة لا بد من الاتصال بموقع بورجوازي . وقد تيسر ذلك بفضل الانفتاح على الغرب الذي جاء عبر الاحتلال الأوروبي لبعض البلدان العربية ، ثم عبر الكيانات الرسمية التي تخلى لها الاحتلال عن حكمهُ المباشر . ولقد صادف الموقف البورجوازي وهو يغزو المجتمع العربي علاقات وقيماً اجتماعية مفككة تستبطن قدراً وافياً من التحلل واللامبالاة ، فطورها باتجاه أخلاقياته . ومن هنا طفقت النفعية تلقى موطئ قدم أرسخ وأوسع متكافلة مع ضعف الشعور بالمسؤولية الاجتماعية لدى الفرد . ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن هذا التحول كان على أشده في الأوساط التي تغلغلت البورجوازية في بيئتها والتحمت مصالحها بمصالح الرأسمالية الأجنبية المسيطرة ، في حين ظلت البيئات الريفية تعيش مرحلة تحللها السائب في شبه عزلة عن تطور الحياة في المدن .

ثمة فارق جوهري يفصل بين نفعية الفرد المتخلف ونفعية نظيره في المجتمع المتقدم . فالنفعية هناك مفيدة _ إلى حد معين _ بالمستلزمات المطروحة في مجرى النشاط الحضاري الذي يزاوله المجتمع ، حيث يكون الفرد ، ربمـا دون أرادتهُ أو وعيهُ ، جزءاً من هذه العملية الساحقة . أمـا هنا فالنفعية تتكافل مع خلفية راكدة تتميز كما قلت بضعف الشعور بالمسؤولية الاجتماعية وتنتهي أخيراً إلى تجريد الفرد من الارتباط بقضية عامة توجه نشاطهُ الفكري أو العملي .

وبتأثير ذلك يتحول الإنسان إلى كائن سلبي – غريزي ، وتتكيف همومه في هذا الاتجاه لتدور على محور المكاسب الفردية التي تنمو في معزل عن الالتزام الاجتماعي . على أن هذا الفارق قد لا يبدو واضحاً بما فيه الكفاية ، خاصة في هذه الفترة التي تشهد المزيد من تحلل المجتمع البورجوازي في الغرب ، ولكن علينا أن لا نغفل البعد الحضاري الذي يظل إحدى السمات الأساسية لمجتمع قطع في طريق التقدم العلمي والتقنوي خطوات هائلة لم يعد له الخيار في أن يتراجع عنها.

نطل من هنا على شخصية الحاكم العربي ، بوصفه تجسيداً متطرفاً لسلبيات مجتمعهُ ، لنراها تدور على محور (مـا أريد أن يكون) على حساب (مـا يجب أن يكون) وأصلاً من ذلك إلى التلبس بالشخصية القناع من ذلك النوع المخصص لتسخير الآخرين في سبيل المصلحة الفردية ، الذي يعدهُ جان ميزونوف – عالم النفس الاجتماعي – أوقح الأقنعة .وتتمحور حول هذه النقطة قضية الحكام العرب من المحيط إلى الخليج وبصرف النظر عن الاختلاف في المواقف الشعارية والأيديولوجية. أمـا محتوى المصلحة الفردية بالنسبة لهذه النماذج فيظهر على أحد وجهين : الزعامة والسيطرة ، الثراء والمتع الشخصية .

وقد يجتمع الوجهان في شخص واحد ، وهي الحالة الغالبة ، ولكن الوجه الأول قد يوجد بمفرده ، ومثاله جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم ، اللذان لم يعنيا بجمع ثروة خاصة لأن مطامحهما مستغرقة كلياً في عقدة الزعامة ، وهي أحد أعراض مرض حب الظهور الذي يصيب الفرد، تبعاً لما فصلته مباحث علماء النفس ونفس الطفل . يجب أن يشار مع ذلك إلى أن الإصابة بهذه العقدة لا تفترض الورع من وجه آخر ، فالحكام المصابون بها يجدون على الدوام من الفرص مـا يشبع نهمهم إلى التمتع . أن المسألة تتعلق هنا بالحالة الغالبة .

ضعف الحـس التنموي

تتصل هذه الحالة بما سبق ، أي بتجرد الحكام من قضية عامة توجه نشاطهم . أمـا سببها فيرجع بدوره إلى ظروف التخلف الحضاري . أن ركود المجتمع وتحلله لا يساعدان على طرح المشكلات المتعلقة بالتطور والتنمية على أي اتجاه ، والفرد المتخلف يكون في العادة خاملاً ، غير فعال ، حتى بعد اكتسابه معرفة عصرية في فرع عملي أو تقنوي معين . وإلى القارئ هذا النموذج :

يسافر عدد كبير من الطلبة إلى البلدان المتقدمة ، رأسمالها واشتراكها، وينضمون إلى نفس الجامعات والمعاهد التي يتخرج فيها العلماء من الفروع العلمية المختلفة . وهم يتخرجون أيضاً ويحصلون على شهادات بالكفاءة أسوة بزملائهم في تلك البلدان . ولكن خريجينا يعودون ليعملوا بوتيرة مماثلة لتلك التي يعمل بها مواطنوهم غير المتعلمين ، ويتصرفون وهم في الجامعة أو في معاهد البحوث كموظفين من النوع العادي ، دون أن يظهروا ميلاً مكافئاً نحو الإنتاج المستقل أو الإبداع . وقد لاحظت من معايشتي للحياة الجامعية عندنا في العراق أن أفضل كوادرها من الناحية العلمية لا يزيد على كونه معلماً ناجحاً يجيد هضم المواد المدرسية وتلقينها لطلابهُ .

أن ضعف الحس التنموي لا بد أن يترك آثاره على شخصية رجل الحكم . وإذا استذكرنا مجمل أوضاع السلطة العربية التي تعقبناها حتى الآن فأن التأثير لا بد أن يكون هنا أشد . في وسعنا ملاحظة أن الحكام العرب ، وهم أقل خبرة من الخريجين المتخصصين ، لا يملكون القدر الأدنى من حوافز السياسة التنموية ، وهو مـا يعبر عنهُ هبوط مستوى خطط التنمية والافتقار إلى مشروعات تنموية طموحة ، مع العجز عن تنفيذ الخطط الموضوعة رغم ضآلة حجمها ، ففي حين يقترن التنفيذ في البلدان المتطورة الموضوعة – الاشتراكية خاصة – بالتسارع الذي يترتب عليه وفر كبير في زمن الخطة ، يجري التنفيذ هنا بوتائر قاصرة عن حجم الخطة مما يؤدي ، باستمرار ، إلى انتهاء المدد المحددة لها وهي لا تزال قيد الإنجاز . الشاهد مأخوذ من الواقع : أن الأقطار العربية على اختلاف حكامها لم تتطور منذ نشأت الكيانات الحالية ، ولم تزل على وجه الأجمال عند النقطة التي بدأت منها في نهاية العهد العثماني .ومـا يشاهد من معالم عصرية في هذه الأقطار يجب أن يوضع على ملاك المواجهة الاعتيادية لمتطلبات الحياة ، وهـذه المواجهة تتحدد ضمن خط المهام اليومية لأجهزة الدولة ، التي لا تغير وتيرة عملها من سلطة إلى أخرى كما أنها تحافظ في العادة على عناصرها التقليدية وسط التغيرات .

سلوكية القراصنة

تظهر في الحكايات التي تتحدث عن القراصنة في الأزمنة القديمة سمتان متلازمتان:

الأولى اندفاعهم المغامر في القتال وخوض المعامع الخطرة بسرعة وطيش . الثانية إفراطهم في اللهو أثناء الفترة ما بين معركة وأخرى .

ويظهر الشيء نفسهُ لدى عصابات النهب والسلب المنظمة ، التي يبدي أفرادها شجاعة فائقة في مقاومة العدو وينغمسون في عين الوقت في الملاذ التي تستهلك مـا يحصلون عليه بمغامراتهم .

هذه السلوكية تظهر أيضاً عند ذلك الفريق من الحكام العرب الذين يصلون إلى السلطة بانقلاب عسكري أي عن طريق المغامرة التي تخضع لعامل المباغتة والسرعة . والانقلاب العسكري يقترن عادة بعدم القدرة على أطاله المعركة لأن عناصرهُ قصيرة النفس بحكم محدوديتها من الناحيتين التنظيمية والأيديولوجية ، مع انعدام القاعدة الجماهيرية لتحركاتها .

في غضون هذا الجو النفسي يثير الانتصار السريع الذي يحققه الانقلاب العسكري غروراً مصحوباً بالميل إلى استثمار النصر على وجه العجلة . يتمثل ذلك في الركض الجنوبي وراء المكاسب والتفكير في الثراء العاجل ، أمـا اللذة فتمارس بابتذال واضح يشير إلى طريقة ممارستها في أوساط القراصنة . ويقترن ذلك كلهُ في بعض الأحيان بموجة فرح غير اعتيادية تعكسها أجهزة الأعلام الصوتية والصورية من خلال طغيان النهج الترفيهي و الإطرابي على البرامج . وفي بعض الحالات ، تتطور حالة الفرح إلى تهريج عام , ولدي مشهد ذو دلالة عميقة ولكن بعض الملابسات تمنعني من الاستشهاد به.

أن سلوكية القراصنة تترتب على الشعور بموقوتية السلطة ، وهو ناتج بدوره عن الوصول إلى السلطة عن طريق المغامرة العسكرية الخاطفة . وقد عبر أحد السياسيين العراقيين عن هذا الشعور بكلمة مأثورة جاء فيها أن العراق خيمة محترقة وأن الشاطر هو من يأخذ منها ما يقدر عليه قبل أن تفوت الفرصة وتأتي عليها النار .

اختيار شخصيات ضعيفة للمناصب الرسمية

أن الانقلابات العسكرية تؤدي على الأكثر إلى الدكتاتورية . وإذا استثنينا تجربة عبد الله السلال في اليمن فأن الزعماء الذين وصلوا إلى الحكم عن هذا الطريق تحولوا بسرعة إلى دكتاتوريين . ولم يكن ذلك بسبب كفاءاتهم بقدر مـا هو مدين في الحقيقة لطبيعة الانقلاب العسكري ، حيث يظفر إلى السلطة أكثر القادة قدرة على المغامرة . ولكن المغامر – الدكتاتور ، وهو في كل الأحوال من الضباط أو المغامرين القليلي الخبرة في السياسة ، نادراً مـا يتمتع بالمؤهلات التي تجعلهُ يلقى قبولاً ذاتياً من الحاشية أو الجمهور مما يلجئهُ إلى استخدام سلطاتهُ للتخلص من العناصر الكفوءة في قيادة السلطة ويحل محلها عناصر أقل كفاءة من داخل القيادة أو حتى خارجها ، ومن الغالب أن يكون هؤلاء من ذوي الدور الثانوي في الانقلاب . وبذلك يتخلص المغامر من المنافسين ، أو من الأشخاص التي يتوقع أن تشعر بكفاءتها أو قوتها إلى جانبهُ ، كما يضمن تكوين الحاشية من عناصر ضعيفة الشخصية، محدودة الكفاءة ، لتسهيل فرض نفسهُ كدكتاتور وصيرورتهُ أقوى شخصية في التشكيلة الحاكمة التي جاء بها الانقلاب .

عانت أنظمة الحكم العسكرية من هذه الأساليب بشكل حرمها من كفاءات قيادية وإدارية نافعة ، وقد ساعد ذلك على أضعافها وتعريضها للتقلبات السريعة ، رغم عنايتها الشديدة بقمع المعارضة .

الادلال

عندما يشعر الإنسان أن الأشياء مسخرة له وأن جميع من حولهُ هم في خدمته ، يتعرض للإصابة بمرض الادلال . والادلال أن يعطي الفرد لنفسهِ من الحق في التصرف ما لا يملكهُ غيرهُ ممن يقف خارج وضعهُ الخاص . وهو في الأصل حالة طبيعية تظهر عند الطفل بحكم وجودهُ في دائرة الرعاية من الكبار . لكنه يظهر أيضاً عند المريض الذي يقع بسبب مرضهُ تحت دائرة مماثلة من الرعاية ، على أن أدلال المريض يتوقف على قوة شخصيتهُ وشدة تحمله فالمريض المعتد بنفسهُ قد لا يحتمل الظهور في موقف الضعف مع الذين حولهُ من رعاتهُ ومعالجيهِ كما نجد عند الجرحى من المقاتلين . وهناك بعض الحالات التي يظهر فيها الادلال بصورة موقته كما يحصل بالنسبة للمسافر العائد ، أو المرأة في ساعة الزفاف .

أن ظروف الادلال متوفرة على صعيد السلطة في الأحوال التي تكون فيها الأخيرة وسيلة للكسب الشخصي أو ، بمعنى آخر ، في السلطة البيروقراطية غير الشعبية ، وعلى وجه الخصوص في الأنظمة الدكتاتورية. أن رجل الحكم يجد نفسهُ هنا محاطاً بالحاشية ، التي أشرنا إلى تركيبها في الفترة السابقة . وهو بحكم سيطرتهُ المطلقة على الأمور يشعر فعلا أن كل الأشياء مسخرة لهُ وأن الجميع هم في خدمتهُ ، ومع أنهُ قد يعلن أحياناً أنهُ يعمل لخدمة الشعب فهو ، في الواقع ، يستبطن لا شعوراً بأنهُ مخدوم من قبل الشعب بسبب كونهُ في قمة السلطة .

شاهد من الواقع : نظرت مرة إلى الوصي على عرش العراق الأمير عبد الاله وهو يمتطي العربة الملكية في طريقهُ لافتتاح البرلمان وكانت العربة مزركشة على طريقة عربات الزفاف وكان الأمير بدوره مزركشاً. وقد حدث أن نفرت الخيل من شدة الازدحام فانحرفت العربة عن الطريق فأخرج الوصي رأسهُ من داخل العربة وهو يتأوه على شاكلة مريض يقدم لهُ دواء يرفض تناولهُ ، ولم يكن يتكلم وأنمـا كانت تعابير وجههُ تنم عن انفعالهُ . أن حركة وجه الأمير هنا حركة خاصة يصعب على أي شخص آخر أن يرسمها على وجهه ما لم يتمتع بنفس مركزهُ في السلطة .

هذا النموذج سرى في الذين أتوا بعد الأمير من أمراء العراق ، وهو في الحقيقة سمة طاغية في أنظمة الحكم العربية الحاضرة . وممـا يقوي في رجل الحكم نزعة الادلال سلوك الحاشية ومن ورائها أجهزة الأعلام حيث يحاط الرئيس بهالة من التصرفات التي توحي بتفردهُ واستحقاقه ما لا يستحق سواه من البشر . كما تغدق عليه ألقاب مثيرة للشره والغرور.

أن الادلال يجعل رجل الحكم شخصاً غير اعتيادي يخضع في تصرفاتهُ لمواصفات شاذة إلى المدى الذي يجعل التعامل معهُ عسيراً للغاية . ويعمق ذلك من عزلة السلطة عن الشعب بتأثير الشرخ الذي يحدثهُ في الطبيعة الذاتية لكل منهما . وبتأثير ذلك كان الشعب يشعر أنه يواجه في قمة السلطة كائنات فوقطبيعية ، وقد كان هذا الشعور قوياً في الماضي وربمـا فسر لنا ذلك الاندفاع العفوي في تقديس الملوك وتأليههم في بعض الأحيان . ولكن تقدم الوعي الاجتماعي في العصر الحالي جعل النظرة إلى هذه الكائنات الفوقطبيعية تختلف ، فالشعوب الآن أميل إلى احتقارهم منها إلى تقديسهم . وقد صار مناط الاحترام هو كون رجل الحكم مألوفاً من الشعب بعد أن نزلت الألوهية من عليائها تاركة للوعي أن يحدد مجرى العلاقات الاجتماعية .

سيكولوجية العمالة

للعمالة صوت قد يكون هو النهائي في إدارة السياسة العربية الرسمية ، وهي ترجع في ملابساتها السيكولوجية إلى نفس الخلفيات التي تضمنتها هذه الدراسة . من ذلك ما يتصل بالشعور بالضآلة الذي يحكم العلاقة بين الفرد في المجتمع المتخلف ونظيرهُ المتحضر الغربي فبمقدور الباحث أن يرى فيه منطلقاً أساسياً لتفسير عمالة الأول للثاني . ولكن يجب أن يضاف إلى الفارق الحضاري عامل القوة ، فالعميل لا يكون كذلك ألا حين تكون هناك دولة عاتية محتلة أو ذات نفوذ راسخ في المنطقة . أن هذا هو السبب في أنهُ لا يوجد بين العرب عملاء للسويد أو سو سيرا مثلاً بينما يوجد عملاء للولايات المتحدة وبريطانيا العظمى .

ثمة في هذا الصدد معيار تأريخي يدعوني إلى مراعاة هذا المنطلق في تفسير العمالة يتمثل في حقيقة أن الأمة العربية لم تشهد في الماضي مثل هذا السيل من العملاء للأجنبي ولم يرد منذ بداية العصور الإسلامية حيث شارف العرب مرحلة نهوضهم الكاسح ما يشير إلى “ظاهرة خيانة” حصلت على المستوى السياسي أو العسكري في مجرى العلاقات مع الدول الأجنبية الكبيرة التي كانت قائمة آنذاك ، كما يحدث حالياً على المستويين وبالنطاق الواسع الذي شهدتهُ العلاقات مع الدول الاستعمارية. أمـا السر في ذلك فيرجع في تقديري إلى أن الأمة العربية كانت حينذاك هي المتفوقة في الحضارة والقوة على ما عداها فمن الطبيعي أن لا يساعد ذلك على خلق البيئة النفسية المناسبة لتفريخ الخيانة أو العمالة للأجنبي .

يحسن بنا أن نضع في الحساب أن العوامل النفسية لا تعمل بمفردها بل من الأحرى أن تكون تابعة للأصل المادي الذي يتعذر عليها الفعل دون الرجوع إليه كعامل أولي محرك . والأصل المادي في مسألة العمالة هو التوافق الطبقي بين العميل والسيد المستعمر ، فالحكام العرب ينتمون كما بينتُ سابقاً إلى إحدى طبقتين : شبه إقطاع أو بورجوازية ، ويعطي هذا بحد ذاتهِ أساساً للتواطؤ مع الإمبريالية التي تبحث هي الأخرى عن ركائز من نفس الطبقات . وقد عنيت الدراسات السياسية بإيضاح هذا الجانب الذي يكاد أن يصبح من بديهيات علم الثورة المعاصرة .

ملحوظة ختامية

اعتمدت في تسجيل المبادئ الأولية لهذا المشروع على المصادر المتداولة في علم النفس بفروعهِ المعروفة : نفس اجتماعي ، نفس الطفل ، النفس العسكري ، الانتروبولوجيا النفسية . وليس في الإمكان مع ذلك استنطاق هذه المصادر لتقدم لنا الحلول الجاهزة لكل القضايا التي قد يثيرها مشروعنا هذا ، أن علم النفس لا يزال يتجنب الخوض في السياسة ناهيك عن أن موضوعاً من قبيل سيكولوجية الحكام العرب يظل في كل الأحوال عسيراً على غير أهله ، أولئك الذين يكتوون بناره ويعيشونه عن كثب . لذلك فأن شطراً كبيراً من البحث قد أعتمد على افتراضات خاصة مستقاة من الواقع السياسي ، وهي من هنا قابلة لأن تكون موضوعاً للنقاش من قبل كل من المختصين السيكولوجيين والكتاب السياسيين ، وهذا ما أتمناه ، فليس رغبتي في توثيق افتراضاتي بقدر رغبتي في أن تحظى هذه العقابيل الشاذة بمـا تستحقه من الفضح العلمي توطئة لاقتلاعها من جذورهــا .

*هادي العلوي (بغداد)

الهوامـــش

(1) – من هنا تشير هذه الدراسة إلى الحقل عملي سياسي لا يزال بكراً . لذلك يأخذ نشرها طابع التحريض المباشر على دراسة هذه الناحية المهملة كلياً في أدبنا السياسي . وطبيعي أن هذا الطابع لا ينفي عنها تعميماتها وبخاصة في القسم الأول حيث لا تدرس القاعدة المادية لسيكولوجية الحكام العرب (المستوى الاقتصادي والتحديد الدقيق لنمط الإنتاج السائد) آلا بشكل تقريبي ، عــام ، سريع . وهي أذن دعوة إلى البداية . وكل بداية محكومة بشروط محددة . (أحد الشروط لهذه الدراسة أنها لا تنتج داخل الجامعة ، حيث لا تزال جامعاتنا محكومة بببغاويه البطالة المستعبدة من قبل السلطة) . لذلك ، لا تكتشف أهمية هذه الدراسة ، على الرغم من كونها بداية تحريضية ، ألا من خلال مناقشتها و أعاده طرح المسألة من جديد . وهو مـا يرجوه صاحب الدراسة نفسهُ . (هيئة التحرير)

(2) – من الضروري عدم إغفال الفروق بين المجتمع المتحلل حضارياً والمجتمع البدائي . أن الأول لا بد أن يكون قد مـر بفترة نشاط حضاري أعقبها ركود وتحلل أمـا الأخير فلم يتصل بهذه المرحلة فبقيت حضارتهُ منسجمة مع نفسها ، ولذلك فمفهوم التحلل لا ينطبق عليه .

(3) – من ظواهره عند العراقيين : الميل إلى السكن في الفيلات الواسعة مقابل قناعة الفرد الأوربي بالسكن في الشقق التي تمتاز بصغر المساحة بالمقارنة مع الفيلا العراقية ، مع توفر المستلزمات الحضارية والصحية . يلاحظ أيضاً أن المتخلف يحرص على مظهره الشخصي وينفق عليه جزءاً كبيراً من مدخولاته دون أن يقابله بعناية مماثلة بالشروط الصحية والحضارية لبيئته الخاصة .

(4) – مثال ذلك زواج العراقيين بالمرأة الغربية . أن أكثر هذه الزيجات تفتقر إلى التناسب في عمر الزوجين – زيادة في عمر الزوجة – مع عدم توفر مواصفات شخصية تبرر الاختيار كالجمال أو المستوى العلمي ، ولكنها تتم تحت تأثير هذا الوضع اللاشعوري . وقد لاحظت لدى عوائل وأقرباء المتزوج من غربية إحساساً بالفخر ينبع من وجود هذه المرأة في العائلة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق