ثقافة المقال

حوار مع شاعر الفلسفةأبي العلاء المعري

(رهين المحبسين) ج١

الدكتور سالم بن رزيق بن عوض ــ جدة

شاعرنا الكبير ضرب أكباد الإبل في بلاد الشام وكانت لمدن العراق في رحلاته نصيبا كبيرا ، فقد وقف على جمال بغداد ، وسماوة العراق ، وعراقة البصرة والكوفة ، طالباً للعلم ومحباً للعلماء ، وصارفاً مرحلة هامة من حياته في التعلم والعلم ، والتربية والطلب ، وإن كانت النتيجة التي وصل إليها مؤلمة فهو اليوم قعيد داره ، وحبيس ليله ونهاره ، نقترب من شاعرنا

شاعرنا الكبير /الأجيال العريضة تريد شيئاً من سيرتك ؟
أبو العلاء المعري :
لي الشرف الذي يطأ الثريـــــا // مع الفضل الذي بهر العبـــــــــــادا
وكم عين تؤمل أن ترانـــــــــي // وتفقد ، عند رؤيتي الســــــــــــودا
ولو ملأ السهى عينيه منـــــي // أبر ! على مدى زحـــــــــــل وزادا !!

شاعرنا الكبير / الجماهير تتساءل عن هذه الشخصية ، ومن يقف خلفها وهل هي حقيقة أم خيال ؟
أبو العلاء المعري :
تذكرت البداوة في أناس // تخال ربيعهم سنة جمــــــــــــــــادا
إذا نزل الضيوف ولم يريحوا // كرام سوامهم ! عقروا الجيــــــــــــادا

شاعرنا الكبير / إن نفاسة معدنك ، وعريض شرفك وكريم أرومتك لا تشك فيها الجماهير ، فأكرم بك وبعشيرتك ، وجميع العشائر والقبائل ، ولكن من حق التأريخ أن يسجل الوطن والمواطن !
أبو العلاء المعري :
وأهل بيت من الأعراب صبغتهم // لا يملكون سوى أسيافهم بيتـــــــــــــا
جنٌ إذا الليل ألقى ستره برزوا // وخفضوا الصوت كيما يرفعوا الصيتــــــا
بيني وبينك من قيس وإخواتهـا // فوارسٌ ! تذر المكثار سكيتــــــــــــــــــا!!

شاعرنا الكبير / اعتادت الجماهير في لقاءاتها مع شعرائها أن تسأل في البدء عن حياة الشعراء وأيامهم ..لكننا في هذا اللقاء نضع الخيار لك فمن أين تريد أن تبدأ الرحلة مع الجماهير المحبة ؟
أبو العلاء المعري :
أراني في الثلاثة من سجوني // فلا تسأل عن الخبر النبيث
لفقدي ناظري ، ولزوم بيتي // وكون النفس في الجسد الخبيث

شاعرنا الكبير / كأن شاعرنا يريد أن نبدأ بالبكائيات ، والألم والعذاب دون غيره!!
أبو العلاء المعري :
غَيْرُ مُجْدٍ في مِلّتي واعْتِقادي // نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنّمُ شادِ
وشَبِيهٌ صَوْتُ النّعيّ إذا قِيس // بِصَوْتِ البَشيرِ في كلّ ناد
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمَامَةُ أمْ غَنْت // على فَرْعِ غُصْنِهــا المَيّاد !!

شاعرنا الكبير / المحبون لشعرك يريدون أن يروا صور المحبوب والجمال فيه!
أبو العلاء المعري :

علّلاني فإنّ بِيضَ الأماني // فنِيَتْ والظّلامُ ليسَ بِفانــــــي !
إن تَنَاسَيْتُما وِدادَ أُناسٍ // فاجعَلاني مِن بعضِ مَن تَذكُرانِ
رُبّ ليلٍ كأنّه الصّبحُ في الحُسْن // وإن كانَ أسْودَ الطّيلَـــــــــــسانِ
قد رَكَضْنا فيه إلى اللّهْوِ لمّــــا // وَقَفَ النّجْمُ وِقْفَةَ الحَيــــــــــْرانِ
كمْ أرَدْنا ذاكَ الزّمانَ بمَدْحٍ // فشُغِلْنَا بذَمّ هذا الـــــــــــزّمَانِ !

شاعرنا الكبير / كأن التجربة العملية في هذا غير واردة في حياة شاعرنا ولا أدل على ذلك مما ذهب إليه بعض النقاد أن أبا العلاء لم يكن له هوى ؟
أبو العلاء المعري :
ألا في سبيلِ المَجْدِ ما أنا فاعلُ // عفافٌ وإقْـــــدامٌ وحَزْمٌ ونائِلُ
أعندي وقد مارسْتُ كلَّ خَفِيّةٍ // يُصَدّقُ واشٍ أو يُخَيّبُ ســـائِلُ
أقَلُّ صُدودي أنّني لكَ مُبْغِضٌ // وأيْسَرُ هَجْري أنني عنكَ راحلُ
إذا هَبّتِ النكْباءُ بيْني وبينَكُمْ // فأهْوَنُ شيْءٍ ما تَقولُ العَواذِلُ
تُعَدّ ذُنوبي عندَ قَوْمٍ كثــــيرَةً // ولا ذَنْبَ لي إلاّ العُلى والفواضِلُ

شاعرنا الكبيرة / دعنا الآن من ذنوبك سوف يكون لنا عودة في حوارنا معك عن أقوال الناس فيك وفي شعرك ولكن ألا ترى معنا أن الأنهار الجارية ، والحدائق الغناء ، والثمار اليانعة ، والجمال الباذخ ، والطبيعة الساحرة التي مر عليها شاعرنا وترحل بها ، وعاش فيها ووصفت له ألا ترى أن لا أثر لها في شعرك ؟!
أبو العلاء المعري :
ولما رأيتُ الجهلَ في الناسِ فاشياً // تجاهلْتُ حتى ظُنَّ أنّيَ جاهلُ
فوا عَجَبا كم يدّعي الفضْل ناقصٌ // ووا أسَفا كم يُظْهِرُ النّقصَ فاضلُ
وكيف تَنامُ الطيرُ في وُكُناتِها // وقد نُصِبَتْ للفَرْقَدَيْنِ الحَبائلُ

شاعرنا الكبير / إلى هذا الحد كانت الأجواء مظلمة وظالمة ! حتى أن شاعراً كالمعري لا يحس الجمال ولا يستطيع تصويره لنا ؟!
أبو العلاء المعري :
إذا وَصَفَ الطائيَّ بالبُخْلِ مادِرٌ // وعَيّرَ قُسّاً بالفَهــــــــــــــاهةِ باقِلُ !
وقال السُّهى للشمس أنْتِ خَفِيّةٌ // وقال الدّجى يا صُبْـــــحُ لونُكَ حائلُ
وطاوَلَتِ الأرضُ السّماءَ سَفاهَةً // وفاخَرَتِ الشُّهْبُ الحَصَــى والجَنادلُ
فيا موْتُ زُرْ إنّ الحياةَ ذَميمَةٌ // ويا نَفْسُ جِدّي إنّ دهـــــــرَكِ هازِلُ

شاعرنا الكبير / معرة النعمان ، حلب ، دمشق ، وطرابلس ، مواطن مر عليها المعري في رحلته لطلب العلم ، والتلقي ، فكيف مرت دون أن يسجل هذه المرحلة الغالية ؟!
أبو العلاء المعري :
فاقْتَنِعْ بالرّوِيّ والوَزْنِ منّي // فهُمومي ثقِيلــــــــــــــــَةُ الأوْزانِ !
من صُروفٍ ملَكنَ فكري ونُطْقي // فهْيَ قَيْدُ الفؤاد قَيْدُ اللّســــــــــانِ
وَبِلادٍ وَرَدْتُها ذَنَبَ السِّرْحـــــان // بينَ المَهاةِ والسَّــــــــــــــــــــرْحانِ !

شاعرنا الكبير / يرى بعض النقاد أن تلك الرحلة إلى مدن الشام كانت مرحلة هامة في تشكيل فكر ، وروح ، وعاطفة المعري ، وأنها ملأت نفسه بالسعادة التي ما لبثت أن تلاشت ؟!
أبو العلاء المعري :
إذا أنْتَ أُعْطِيتَ السعادة لم تُبَلْ // وإنْ نظرَتْ شَزْراً إليكَ القـــــــــبائلُ
وإنْ سدّدَ الأعداءُ نحوَكَ أسْهُماً // نكَصْنَ على أفْواقِهِنَّ المَعـــــــــــابلُ

فإن كنْتَ تَبْغي العِزّ فابْغِ تَوَسّطاً // فعندَ التّناهي يَقْصُرُ المُتطــــــــاوِلُ

تَوَقّى البُدورٌ النقصَ وهْيَ أهِلَّةٌ // ويُدْرِكُها النّقْصانُ وهْيَ كوامــــــلُ

شاعرنا الكبير / الزوراء ، هيت ، وتكريت ، الكرخ ، مغان وقف عليها شاعرنا الجميل ، فنهل منها أرضاً وسماءً وعلماً وأدباً !
أبو العلاء المعري :
هاتِ الحَديثَ عن الزّوْراءِ أوْ هِيتا // ومَوْقِدِ النارِ لا تَكْرَى بتَكْـــــــريتا !
يا عارِضاً راحَ تَحْدُوهُ بَوارِقـــــــُهُ // للكَرْخِ سُلّمتَ مِن غيْثٍ ونُجّــــــــيتا
لنا ببَغْدادَ مَن نَهوَى تحِيّـــــتَه // فإنْ تَحَمّلْتَها عنّا فحُيّيـــــــــــــــتا
إجْمَعْ غَرائبَ أزْهارٍ تَمُرّ بهـــــــا // مِن مُشْئِمٍ وعِراقيٍّ إذا جِـــــــيتا

شاعرنا الكبير / بغداد ، دجلة ، والنخيل ماذا أضافت لشاعرنا وقد أقام بها سنة كاملة ؟!.
أبو العلاء المعري :
كفى بشحوب اوجهنا دليـــــــــــلا // على إزماعنا عنك الرحيـــــــــــــلا !
تأملنا الزمان فما وجدنـــــــــــــا // إلى طيب الحياة به سبـــــــــــــيلا
ذر الدنيا إذا لم تحظ منهـــــــــــا // وكن فيها كثيراً أو قليـــــــــــــــلا
بهرت ويوم عمرك في شــــــــروقٍ // فدام ضحًى ولا بلغ الأصيـــــــــــلا

وردنا ماء دجلة خيـــــــــــــــر ماءٍ // وزرنا أشرف الشجر النخـــــــــــيلا
وزُلنا بالغليل وما اشتفيــــــــــــنا // وغاية كل شيء أن يــــــــــــــــزولا

شاعرنا الكبير / كانت العودة من بغداد عاصمة الدولة العباسية فاجعة لمحبيك ، فقد ضربت على نفسك العزلة ، ورضيت من غنيمة الترحال بالإياب
أبو العلاء المعري :
كُلُّ بَيْتٍ للْهَدْمِ ما تَبْتَني الوَرْقاء // والسّيّدُ الرّفيعُ العِمــــــــــــــــــــادِ !
والفَتَى ظاعِنٌ ويَكفيهِ ظِلُّ الســـدر // ضَرْبَ الأطْنابِ والأوْتــــــــــــــــــــاد
بانَ أمْرُ الإلَهِ واختَلَفَ النّـــــــــاس // فَداعٍ إلى ضَلالٍ وَهَـــــــــــــــــــــــاد
والّذي حارَتِ البَرِيّةُ فِيـــــــــــــهِ // حَيَوَانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِن جَمـــــــــــاد
واللّبيبُ اللّبيبُ مَنْ لَيسَ يَغْتــــر // بِكُوْنٍ مَصيرُهُ للفَســــــــــــــــــاد !!

شاعرنا الكبير / التشاؤم من الناس ، التشاؤم من النفس ، التشاؤم من الأحداث غلب على شعر الشاعر ؟
أبو العلاء المعري:
حياةٌ عناءٌ، وموتٌ عنا؛ فليتَ بَعيدَ حِمامٍ دَنا
يدٌ صفرَتْ، ولَهاةٌ ذوَتْ، ونفسٌ تمنّتْ، وطَرفٌ رَنا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “حوار مع شاعر الفلسفةأبي العلاء المعري”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هئية إدارة المجلة الثقافية الجزائرية
    أشكر لكم تفاعلكم الجميل مع قصائدنا ومقالاتنا الأدبيية ونشرها في فضاءات مجلتنا الغراء
    نسأل الله تعالى لكم العون والتوفيق ودوام النجاح .
    محبكم وأخوكم الشاعر السعودي الدكتور
    سالم بن رزيق بن عوض
    جدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق