قراءات ودراسات

عَنْ أَوْهَامِ الدِّيمُقْراطِيةِ وَتَخَرُّصاتِها؟

د. مصــطــفى غَــلْــمَـان*

إنه سؤال لا تجيب عنه الأرقام ولا الإحصائيات المخزية التي ترافق التقارير الرسمية المكتوبة بمداد الأجهزة المعلومة، ولا النتائج الحصرية للافتحاصات والتقارير السرية.
بضع تحليلات سياسية ممهورة بنظام عقلاني يمكن الخلوص به إلى منجم من التأسيسات التي يمكن وضعها ضمن سياقات توتير أسئلة الفشل وتحلل بنى الوهم الذي عشناه جزءا من قاعدتنا في الاقتناع بما ليس يقنع.
من بين تلك التأسيسات مظاهر النكوص المترتب عن عدم فهم الديمقراطية نفسها. تلك الديمقراطية التي لا تعني فقط تجسيد قيم المثل العليا في أجل اعتبار وتقدير لإرادة الشعب، بما هي بيئة مناسبة لحماية حقوق الإنسان وإعمالها على نحو فعال. بل ان سمو هذه القيم كما هو مكرس في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، جرى تفصيلها بشكل أكبر في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي تتجسد فيه طائفة كبيرة من الحقوق السياسية والحريات المدنية التي تستند إليها الديمقراطيات الصحيحة.
لا تحقق في الدولة المكرسة للتناقضات والاستحالات القيمية، أدنى مستوى من التشرب بالفعل الخالص والمبدئية الواثقة لأجل ترسيخ الضوابط والموازين التي تتيح للديمقراطية أن تزدهر؛ وتحصين نزاهة الآليات الوطنية لحقوق الإنسان والنظم القضائية وفعاليتها؛ وتوطيد نظم تطوير التشريعات وتنمية القدرات الإعلامية لضمان حرية التعبير وسبل الحصول على المعلومات؛ وتعزيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية والعامة، وإشراك الشباب في عملية البناء الديمقراطي وتمكين النخب الثقافية من الاضطلاع بمسؤوليات التأطير الاجتماعي والثقافي والتربوي.
إن الديمقراطية التي تلزم روادها من الساسة الانتهازيين ورعاة المصالح الإمبريالية ووسطاء الريع والإفساد؛ على تنميط الحياة السياسية والاقتصادية وجعلها إقطاعا احتكاريا ومنظومة استبدادية، ليست قمينة بالاستدلال والترقي. إنها إحدى القيم الكونية غير القابلة للتجزئة. وهي تستند إلى إرادة الشعوب التي تعبر عنها تعبيرا حرا، كما أنها تتصل اتصالاً وثيقاً بسيادة القانون وممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وتستطيع الشعوب أن تنهض بعمرانها وإنسانها، وتستدرك جوهر وجودها وبقائها انطلاقا من الإرادة الحرة والنزيهة لشعوبها، وهي محصنة من كل آفات الانحراف والتحلل ما دامت قادرة على حماية مكتسباتها الحضارية والأخلاقية.
إن ما تشهده تجربتنا الديمقراطية المأسوف عليها لا يعدو أن يكون صراخا في واد أو سقوط أهواء بعد أثر ظل. لا يمكن تقييم ما يجري الآن على خريطة البشرية، من الردة المسجاة والنكوص الميداني المثير للاشمئزاز والشفقة سوى الاصغاء لمنطق التواري الذي تعرفه أقل التصنيفات والمراتب لتمظهرات التنمية وأدوات الاشتعال في شتى مجالات الإبداع والابتكار والبحث العلمي. ابدأ بما شئت، من التربية والتعليم إلى الزراعة والفلاحة، إلى الصناعة والتجارة، إلى الرقمنة ومجالات المعلوميات والتكونولوجيا، إلى القضاء والعدالة الاجتماعية، إلى محاربة الفساد والاستبداد، إلى حقوق الإنسان والمرأة. …
أين نحن إذن من تمكين الحكم الرشيد، ومراقبة الانتخابات، ودعم المجتمع المدني، وتعزيز المؤسسات الديمقراطية والمساءلة؟
كل الذي يجري بين ظهرانينا تمارين قديمة بحراس أغبياء. والبقية تخوض صراعات ضيقة الأفق وتجاذبات في اللحظات الفارقة من عمر وطن يحتضر ويعزي نفسه في صمت مريب!
يرى هابرماس ان أخلاقية النقاش الأساس المعياري للديمقراطية، وهو يكتسب إمكانية تجريبية تأخذ في الحسبان تعدد أشكال التواصل، التي من خلالها تتكون إرادة جماعية ليس فقط على التفاهم الأخلاقي للهوية الجماعية بل أيضا على المعادلة القبلية في المصالح والضغط القائم على الاختيار العقلاني وفق الحدود النهائية للوسائل المملوكة من قبل الإثبات الأخلاقي والتجانس. وهو ما يروم خلف عقل تواصلي يميز الفعل والسلوك الأخلاقي عن غيره.
من ثمة فالديمقراطية كمذهب يجسد العالم المعيش لن تقوم له القائمة مادام محجوبا عن عالم الأنساق الذي يخضع بالأساس للعقلنة الحسابية التي تتميز بالوظيفة والأداتية والفعالية.
أريد أن أقول أن الفقد المتعب لديمقراطية لا تؤمن بارتباط وتوازن العالمين المعيش والانساق لن ينتج سوى البؤس الأيديولوجي والمشاريع العرجاء والثقوب الغارقة في الفقر التدبيري والأقنعة الملغومة.
منذ فجر الاستقلال وحتى البوم ومآلات ديمقراطيتنا المغشوشة تبلسم وعودها المنتظرة بصباغات الكذب والهراء ووطاويط البروبجندا العقيمة. لم تبلغ طور النضج ولا قوة الرهان. ظلت تعبث بمصير الشعب وتقتل فيه آخر عرق من ناره المشتعلة. لم تأبه به رياح الربيع العربي الأول، ولا احتدمت بين أضلعه المكسورة فوران حراك الريف واحتجاجات المهمشين المطحونبن في كل أصقاع البلاد.
كما لو أنها غادرت ميدان التجريب فينا. فلا هي ديمقراطية، ولا هم يحزنون!
بل إنها حثالة الديمقراطية بعينها. حماقة وصفاقة. أضاعت زهرة شبابنا، وهي تزحف نحو معبد الذكرى حيث تقف أرحامنا ممتلئة بالتحدي والصمود المغلف بغموض داكن معتم !!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق