ثقافة المقال

هل التراث يعني التخلف ؟

بقلم بلكبير بومدين٭

فتح الأستاذ عمر أزراج نافذة للنقاش عبر صفحات جريدة الخبر الجزائرية، عن سلطة التراث على وعينا ولا وعيينا، وهل التراث ينتسب للماضي فقط أم له تأثير يمتد للحاضر؟ و هو ما دفع السيد محمد نور الدين جباب للمساهمة في هذا النقاش المفتوح بمقال حمل عنوان حتى لا نظل كائنات تراثية، حاول من خلاله إثارة مجموعة من المخاوف تتعلق بسيطرة التراث على وعينا ولا وعيينا، و مدى استغلال التراث في الخطاب الذي يقف كحجر عثرة أمام التقدم و التنوير، و بالتالي نتحول كما يقول صاحب المساهمة إلى كائنات تراثية، محكوم عليها أن تظل أبد الدهر بين الحفر، لا تتنفس، و لا تستنشق إلا غبار الزمن المتراكم. في البداية علينا أولا و قبل كل شيء أن نتفق على أن هناك خطأ كبيرا و التباسا مقصودا أو غير مقصود يقع فيه الكثيرون ممن يتناولون موضوع التراث، فهناك خلط بين التراث كتاريخ و ثقافة و قيم ورموز، و بين فهم و تأويل البشر لمضامين هذا التراث. و هو ما يجعلنا نتساءل: هل التفسيرات المنفرة من التراث و التي تعلق تخلفنا و كل مشاكلنا و نكساتنا و خيباتنا على شماعة التراث، و القائمة أساسا على الفهم الخاطئ له تجعلنا ننسلخ من تراثنا، ونتنكر لتاريخنا، و نحدث قطيعة مع قيمنا و محيطنا الذي تشكلنا فيه؟ وهل دائما كما ذهب صاحب المساهمة أن التمسح بالتراث و اللجوء إلى الماضي، لا يكون إلا عندما يفقد الأحياء الأمل في الحياة، و يفلت الحاضر، و تنسد أفاق المستقبل؟ الكثير من التجارب و العديد من الدراسات أثبتت عكس ذلك، إذ يؤكد على سبيل المثال أغلب الباحثين و المختصين الذين تناولوا التجربة اليابانية بالبحث، أن تطور دولة اليابان و التنمية الاقتصادية الكبيرة التي شهدتها، ما هي إلا نتيجة أساسية للتراث الثقافي و الحضاري الياباني، فالعادات و التقاليد و القيم و المعتقدات لها تأثير كبير على سلوكيات و تصرفات الأفراد، و لا يمكننا إغفال ذلك، فهي تساهم في دفعهم _إن جاز الاقتباس من أبي القاسم الشابي_ إلى هواية صعود الجبال، و تبعدهم عن العيش أبد الدهر بين الحفر. فالحاضر زرع الماضي، و المستقبل جني الحاضر، لذلك يعتبر الكلام ناقصا و مبتورا إن تكلمنا عن المستقبل مفصولا عن التراث، أو عن تناقض التراث و الحداثة أو المعاصرة، و هو بصورة ما يمكن اعتباره و فق رؤية الدكتورة نجاح العطار، ” اختزال لمفهوم الثقافة غير القابل في سعته و استيعابه للانفصام بها في كليتها و شموليتها و تاريخها و استمرارها في منظومتها المعرفية، و عمقها الزمني من جانب، أو عن تجددها و حداثتها و دورها المتقدم في بناء الإنسان ووعيه، للارتقاء بالحياة، و صنع التقدم، ورسم حدود المستقبل المنفتح على الممكن”.

وقد تبين للسيد جباب في نهاية مساهمته، أن الجهد السياسي يحتل الصدارة في معركة التراث، ثم يوضح بأن تخطي التراث معركة سياسية، لأن أصحاب المصلحة الحقيقية في التقدم و التنوير و الحداثة، جماهير لا تزال ملوثة بالماضي و أوهامه، مع ملاحظة أن صاحب المساهمة لم يفصل هنا بين الماضي و بين أوهام الماضي، على اعتبار أن كل ما هو ينتمي للماضي كل ما هو يعني الأوهام و فقدان الأمل في الحياة، و هذا إن دل على شيء إنما يدل على درجة كبيرة من التعميم و السطحية، و هي من بين الصفات الأساسية التي يعتبرها المفكرون و المختصون أنها ساهمت في تأخر و تخلف مجتمعاتنا عن ركب الحضارة. و أظنني هنا أتفق مع الأستاذ أزراج، الذي ذهب إلى تأكيد أنه لا يختلف اثنان في أن السياسة باعتبارها فكرا و ممارسة تتأثر بشكل حاد وعميق بالتراث بمختلف أشكاله ومضامينه، كما بين أنه بالرغم من المكاسب المتقدمة التي أحرزت عليها الدول الحديثة في الغرب، إلا أنها مازالت لم تتخلص كلية من الأفكار الإقطاعية المخلة بالعدالة، و خاصة عند تعاملها مع الدول المتخلفة، وأمام هذا الواقع لا يلغي الأستاذ أزراج التاريخ، و لا يوجه سيفه للتراث، إنما النتيجة التي خلص إليها هي أولوية و ضرورة تحليل التراث و تمحيصه و نقده. و في الأخير لا أعتبر هذه المساهمة بمثابة إنقاص و تقليل من الجهد الذي بذله السيد جباب، إنما هي بمثابة إثراء للنقاش المفتوح، و فتح أبواب جديدة بإمكانها لفت النظر إلى بعض القضايا الجوهرية التي تعطل حركة تقدمنا إلى الأمام.

٭بلكبير بومدين: أستاذ جامعي و عضو الاتحاد الوطني للإطارات بالجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق