ثقافة المقال

د. عبد الكريم الأشتر الأب والمعلم

د. ماجدة حمود*

أحسست وأنا أقرأ قول جبران: “للرجل العظيم قلبان، قلب يتألم، وقلب يتأمل” كأنني أمام وصف يجسد أستاذي المرحوم د. الأشتر، فقد اجتمعت لديه الحساسية وعمق الرؤية! لذلك كان حديثه في قضايا الفكر والنقد حديث العقل والقلب معا، حتى كأنه يرفض الكلمة التي لا تعرف نبض القلب، لهذا تميّز بتناول الهموم العامة وكأنها همه الخاص، فجاءت كلماته المكتوبة والمسموعة حارة مؤثرة، لذلك استطاع أن يجسّد لنا أثناء تدريسه صوت الأبوة الحانية وصوت المعلم المعطاء. إننا قلما نجد إنساناً مثله، في هذا الزمن، يدرك معنى الحياة في القيم والعلم لا في المال والمناصب، آلمه هم الوطن حتى فتك بقلبه، لا يمكن أن أنسى صوته الذي خنقته العبرات (أثناء تكريمه في اتحاد الكتاب) وهو يتحدث عن خيبته في استرجاع فلسطين وإجهاض حلمه في تحقيق الوحدة العربية!

كم أفتقدك يا أستاذي وأبي الروحي! فقد جعلت التعليم رسالتك في الحياة، لهذا كنت تلقي المحاضرة بقلبك وعقلك معا، كي تربي النفوس والعقول!

لم ترَ في المناصب وزخرف الحياة سكينة لروحك، كانت الكتابة، التي لم تفصل فيها بين البحث العلمي والنفس الإنسانية هي متعتك ورسالتك! لم أجدك يوماً تفصل الباحث عن الإنسان، كنت عزيز النفس، اكتفيت بحب طلابك وزملائك، فنشرت عطر المودة حيثما حللت، لهذا لم أجد إنسانا تحوطه القلوب، وتجلّه النفوس حيثما حلّ سواك! فقد اجتمع حولك الطلاب من جميع الطوائف والأفكار، حتى إنني كنت أتساءل: كيف التقى في حبك الماركسي بالمتدين…

لقد علّمتنا كيف توحّد الشخصية المخلصة أبناء وطنها! بفضل ما تجسّده من قيم أصيلة في فعلها وقولها!

كنت مهموما بوحدة هذه الأمة، فسعيت عبر مؤلفاتك إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية (كتاب “الملتقى” يشهد على ذلك) كما سعيت إلى التقريب بين المسلمين والمسيحيين في كتاب “أوراق مهجرية” حين ذكرت إعجاب أدباء المهجر المسيحيين بسماحة الإسلام.

أحسست بالمسؤولية تجاه المال العام، لهذا كنت تضحي براحتك، فتجلس ساعات في بهو الفندق، تنتظر موعد السفر، كي لا تكلّف خزينة الدولة دفع أجرة يوم زائد! لم تشتكِ يوما من سوء المعاملة، أو الإهمال! كنت تكتفي بترديد (سامحهم الله) وحين تستغرب أمرا كنت تردد (سبحان الله)  كان قلبك النبيل متعوّداً على تحمّل المرارة والخذلان، أعرف كم آلمتك الحياة، لم تبخل عليك بمصائبها، فواجهتها بالإيمان والعمل، والكثير من الصبر! وحين اجتمعت الأمراض عليك في أيامك الأخيرة لم تشتكِ، كنت تتحملها بصمت، كي لا تحزن أحباءك!

لم تكتفِ بمهنة التدريس، بل كانت الكتابة شغلك الشاغل،  وقد أتاحت لك فترة التقاعد فسحة من الوقت، فأنتجت ما يعجز عنه الكثير من الباحثين! لتعلّمنا أن رجل العلم لا يتقاعد أبداً!

أعرف أنه كان يحزّ في نفسك أنك لم تنصرف للأدب، فالدراسات الأكاديمية أخذت وقتك، ومنعتك من تحقيق حلمك الأدبي! لهذا أسعدني أن تنصرف إلى كتابة سيرتك الذاتية، أدهشتني رهافتك وحيويتك الأدبية في وصف شخصيات عايشتها، كما أدهشتني حياتك الغنية في كفاحها من أجل العلم ورفعة الإنسان والوطن! كم أتمنى اليوم أن تجد هذه السيرة من ينشرها! كي تتعلم على يدك الأجيال مثلما تعلّمنا!

التقت في كتبك الحداثة بالتراث، فقد كنت تلفت نظر طلابك وقرّائك إلى ضرورة الإفادة من كنوز الماضي المعرفية والجمالية، لتكون في خدمة الحاضر، فالتراث، في رأيك، صخرة مكينة يمكن أن نجعلها عقبة في الطريق إلى المستقبل، ويمكن أن نبني عليها بيتنا الحديث، لهذا كنت تطالبنا أن نكون أمناء وأحرارا في وقت واحد، أمناء على التراث نحفظه ونفهمه ونقدره ونغار عليه ولا ننقطع عنه، وأحرارا لا نتعبّده ولا ننقطع إليه.

لهذا كنت من أبرز المنافحين عن اللغة الفصيحة، التي رأيت أن لها وضعا خاصا، إذ تشكل رابطة تؤلف بين العرب في أي زمان وأي مكان، فدعوت للحفاظ على أصولها وسلامتها، وصححت الأخطاء التي يرتكبها الأدباء، والتي رأيتها جرحاً نازفاً في صدر الأدب، كما انتقدت أولئك الذين يستخدمون العامية في الحوار، كنت تدعو إلى استخدام لغة فصيحة سهلة تقترب من لغة الحياة دون أن تتورط بالعامية.

إن هذا الرأي لم يمنعك من الاهتمام بالأدب الشعبي، لذلك لم ترفض في كتابك “ألوان” دراسة  المواويل الشرقاوية التي كتبت بالعامية.

لا يمكن أن أنسى كيف حوّلت المناسبة الخاصة بتكريمك في اتحاد الكتاب إلى مناسبة عامة، توقفت عند واقعنا البائس وشرّحت همومنا الكثيرة التي مازالت تنخر جسدنا، واقترحت بعض الحلول التي تسهم في معالجة الداء العضال الذي نعاني منه، أحسست أنني أمامي مثقف من نوع نادر ينسى ذاته في أشد لحظات تألقها! يعمل بحس عال من المسؤولية، لأن ضميره الحي يرافقه في كل لحظة! لن نستغرب أن يعلو في خطابك هذا صوت الهم العام، ويخفت صوت الذات، فقد أفلحت في توحيد وجعك الذاتي بوجع أمتك!

بيّنت لنا أن معنى الحياة يتجسد بالعمل، وأن كل ما حولنا يدعونا إلى بذل الجهد، فلو تأملنا حال اللغة العربية اليوم لوجدناها في حال لا تحسد عليها، لذلك دعوتنا إلى مقارنة حالها بحال لغة ميتة هي لغة الأعداء أحياها العمل حتى باتت لغة العلم، تترجم عنها المعرفة إلى لغات العالم، في حين نجد لغتنا العربية التي كانت لغة المعرفة لقرون طويلة على شفا هاوية، تتصاعد أصوات كثيرة من أجل نبذها واستخدام اللغة الإنكليزية مكانها!

ليس غريبا ما تعانيه لغتنا من ضعف، في رأيك، فاللغة صورة عن أبنائها، لهذا دعوتنا إلى العمل من أجل إنقاذ الأمة من ضعفها، والإسهام في بناء إنسان جديد مؤمن بأصالته ومنفتح على الحياة الحديثة! فالكل مسؤول عن هذا الضعف، ولن ينقذنا سوى تكريم العمل، كأنك أردت أن توقظ فينا حس المسؤولية الذي نخدّره في داخلنا، لنعيش حياة أكثر راحة، لا يهمنا إذا كانت أكثر هوانا! كانت كلماتك، تنـزف ألما على ما نحن فيه! إنها كلمات من خبر الحياة بحلوها ومرها! مثلما خبر معانيها، فرأى روعتها تتجلى في القيم النبيلة التي لن تتحقق إلا بالعمل والتضحية!

قلت في نفسي ومازلت: ليتنا نتعلم من أستاذنا اتساع الأفق، والسعي للتعلم من الصغير والكبير! لعل أكثر ما يؤثر في النفس هو سؤاله رأي تلامذته فيما يكتب!

ليتنا نتعلم من أستاذنا محاسبة الذات! وعدم تنـزيهها عن الخطأ! فكثيرا ما أسمعه يقول: قد أكون مخطئا! أو كان عليّ أن أفعل كذا!

ليتنا نتعلم منك الإخلاص للعلم والعمل معا، لهذا أحسست أن تفانيك في عملك مرآة تفانيك في علمك! ما أحوجنا إلى مثل هذا الإخلاص اليوم!!

لقد علمتنا يا أستاذي كيف تكون الكلمة صدقا، وكيف يتحول الحرف إلى نبض يشع إخلاصا ونورا، فكنت ضمير أمة ومنارة علم! كم أرثي لهذا الجيل الذي بات يفتقد القدوة الصالحة بين أساتذته!

ترانا نستطيع أن نمتلك روح أستاذنا السمحة التي تعذر الآخرين، وتستوعب أخطاءهم سواء أكانوا من المثقفين أم من الناس العاديين!؟

علمتنا كيف يكون الإخلاص منهجا للحياة! وكيف يكون العلم انفتاحا على كل جديد يطوّرنا ولا يذهب بأصالتنا!

هأنذي أحس باليتم للمرة الثانية في حياتي، فقدت قلباً أبوياً،يحيطني برعايته وعلمه! أبحث الآن عن سند روحي فلا أجد! أفتقد نبرتك الأبوية تنصحني وتشجعني على العمل رغم كل الإحباطات! لكن عزائي يا أبي وأستاذي أن قيمك وتعاليمك مازالت حية بيننا!

*ناقدة من سورية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق