قراءات ودراسات

فدوى طوقان والشعر المقاوم

فراس حج محمد *

تناولت الشاعرة فدوى طوقان، كبقية شعراء المقاومة، كثيراً من الظواهر التي يمارسها الاحتلال الصهيوني في محاربة الشعب الفلسطيني الصامد على أرضه ووطنه، بدءا من السجن والتعذيب إلى هدم البيوت وانتهاء بالقتل والنفي، وسأقف عند بعض قصائد الشاعرة فدوى طوقان، لتتبع هذا التسجيل التأريخي لأهم أحداث النضال الفلسطيني، وقمع الاحتلال للفلسطيني، ليجعله يتراجع عن دوره، وينثني عن هدفه في تحرير وطنه.

أولاً: الحزن والهم الذاتي: جاء هذا الملمح في كل قصائد الشاعرة، وخاصة تلك التي تنتمي إلى المرحلة الرومانسية عندها، أي مرحلة ما قبل عام 1967، وقد بدأتُ في هذا الملمح من شعر المقاومة عند فدوى؛ لأنه لم يفارقها في كل قصائدها، فترى الحزن يظلل كل قصائدها في الأعم الأغلب، ومن هذه القصائد التي تمثل هذا الملمح خير تمثيل قصيدتها “صلاة إلى العام الجديد”، وتنتمي القصيدة إلى ديوان “أعطنا حباً” الذي صدر عام 1960م، ويشكل حلقة من حلقات الوجدان والذاتية عند الشاعرة، وقد جاءت القصيدة بعدما تعرضت الشاعرة للموضوع نفسه عام 1957م في قصيدة تحمل الاسم نفسه، “أعطنا حباً”، وهنا تصرح الشاعرة أنها لن تأسف على هذا العام الذي قد “شيعناه” فقد كان شريراً، عينه تنضح قسوة، وقتل أحلامنا وشردنا، وبالتالي فإنها لن تذرف الدموع أسفاً عليه وبكاءً بين يديه.

وتأتي قصيدة “صلاة إلى العام الجديد” لتعبر عن شوق وجداني تجاه هذا العام الذي تأمل الشاعرة أن يكون أفضل من العام الذي سبقه، وكأن الشاعرة هنا، وهي تتحدث عن هم ذاتي تعبر عن وجع ناخر في عظم الناس جميعا حين تسأل العام الجديد:

ما الذي تحمله من أجلنا

ماذا لديك!

فتأمل الشاعرة أن يعطيها العام الجديد الحب والضياء والأمل، وأن لا يكون كالأعوام السابقة، فتتلاشى الأماني مخلفة وراءها الجراح والذكريات التي تفيض بالشعر ليس إلاّ.

تتخذ القصيدة الشعر الحر شكلاً فنياً للتعبير عن مشاعرها وما يعتمل في خلجات نفسها، فهي ترغب بالتحرير الاجتماعي والانطلاق، فرأت أن الشكل الجديد الحر يعطيها هذا التعويض النفسي الذي اشتاقت إليه، فجاءت القصيدة ذات غنائية هادئة وموسيقى حزينة مفعمة بشيء من الأمل، يظهر في ألفاظها وصورها، وإن حاولت أن تتكئ على بعض العناصر الشكلية الظاهرة لجذب عناصر الشكل الفني ضمن تأثير الموسيقى الخارجية، ومن ذلك اعتمادها على القافية التي جاءت في نسق معين، من مثل قولها:

في يد يدينا لك أشواق جديدة

في مآقينا تسابيح وألحان فريدة

فاستخدمت الشاعرة هنا الدال والهاء كرابط موسيقي، أحدث موسيقى ظاهرة، ثم تأتي في السطر الرابع بقافية جديدة:

سوف نزجيها قرابين غناء في يديك

وفي الشطرين الخامس والسادس بقافية ثالثة:

يا مطلاً أملاً عذب الورود

يا غنياً بالأماني والوعود

ثم تختتم المقطع الأول من القصيدة بقافية السطر الرابع قائلة:

ما الذي تحمله من أجلنا

ماذا لديك!

إنه نسق من الموسيقى المتنوعة، يتسق مع ما تطمح له الشاعرة من تنوع لعامٍ جديد والأماني الجديدة في ذلك العام الجديد. ثم يستمر هذا التنوع الحيوي الموسيقى في بقية مقاطع القصيدة، متنقلة بين حروف المعجم لتأتي بالقوافي المتناغمة مع أمانيها العِذاب التي تطمح أن تكون محققة ماثلة في العام الجديد، اسمع إليها، وهي تنشد في نهاية القصيدة:

أعطنا نوراً يشق الظلمات المدلهمة

وعلى دفق سناه

ندفع الخطو على ذروة  قمه

تجتني منها انتصارات الحياة

يـتراوح أسلوب الشاعرة في القصيدة بين الخبر والإنشاء، فتبدأ القصيدة بالأسلوب الخبري ثم تستعمل النداء، وتختم المقطع بالاستفهام، ويقتصر المقطع الثاني على الأسلوب الخبري، ليكون المقطع الثالث مبدوءاً بالأسلوب الإنشائي القائم على الأمر عبر الجمل المركبة، فتبدأ الجملة بالاستفهام، لينتهي المقطع بالجمل الخبرية، وكذلك بقية مقاطع القصيدة. ويبين مراوحة الشاعرة بين الأسلوبين، وتنوع الأساليب الإنشائية أنّ الشاعرة لديها مشاعر مضطربة قوية، صادحة بالأمل تريد لها أن تتفجر ثورة وأملاً وحباً ونوراً جديداً مظهرةً ذلك في أساليبها.

ويتبع الأسلوب الألفاظ، فالألفاظ هي المادة الأساسية للأساليب الشعرية، وقد نهلت الشاعرة من قواميس الشعر الوجداني الرومانسي، فشكلت لوحةً رومانسية طافحة بالحياة مبثوثة في مجمل جسد القصيدة الذي يرتعش بالأمل في بداية العام الجديد، فنرى الألفاظ: الأشواق، ألحان، قرابين، غناء، أملاً عذب الورود، الأماني، أفق الصعود، دفق سناه، انتصارات الحياة، وبالمجمل فكل ألفاظ القصيدة تنتمي إلى ذلك القاموس الشعري الرومانسي الذي يستخدمه شعراء الرومانسية، من أمثال علي محمود طه، ود. إبراهيم ناجي، في قصائد الحب والغزل العاطفي الحزين.

ويتبع هذا الملمح في قصيدة الشاعرة، بل ضرورة لازمة في شعرها وشعر الرومانسية عموماً أن تتكرر ألفاظ بعينها في القصيدة، فقد تكرر الفعل (أعطنا) في القصيدة أربع مرات مفتتحة به مقاطع القصيدة، إضافة إلى تكرار أسلوب النداء والاستفهام في المقطع الأول، فهي تريد أن تؤكد فكرةً واحدة، فاستدعى ذلك تكرار الألفاظ والأساليب.

واعتمدت الشاعرة في القصيدة على الصورة الشعرية التقليدية، حيث الاستعارات في قولها: قرابين غناء، ما الذي تحمله من أجلنا، كنوز الخير، تنفجر، أغانينا ستخضر، فرحة الخصب… وغير ذلك من الصور الشعرية المنبثقة عن اللغة المجازية الاستعارية،  وهذا ما يظهر جلياً في شعر فدوى طوقان وأشعار أبناء جيلها من الشعراء الرومانسيين في البلاد العربية.

ثانيا: هدم البيوت:

يظهر التلازم المستمر بين الأرض الفلسطينية والإنسان الفلسطيني في بيته الذي يؤويه، وقد اقترن البيت بالوطن في ثقافتنا المتوارثة في شعرنا العربي القديم، حتى أن البيت ارتبط بالزوجة بمعنى من المعاني ؛ وذلك في الأثر المروي عن إبراهيم الخليل عليه السلام، مخاطبا زوجة ابنه وهي لا تعرفه:

“قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال:هل أتاكم من أحد؟ قالت : نعم ،أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه . فسألني عنكَ فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا . فأخبرته أنّا بخير . قال: أفأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأمرني أن أمسككِ”، كما تماهت صورة الدار مع صورة الزوجة كما ورد في التعبير القرآني “وأزواجاً لتسكنوا إليها”، بل ارتبطت المرأة بالأرض في قوله تعالى “نساؤكم حرث لكم” عبر كناية لطيفة تحيل إلى الوظيفة الاجتماعية لكلٍ منهما.

ومن هنا برزت ظاهرة الامتزاج بين الإنسان وأرضه في الشعر الفلسطيني للتعبير عن علاقة أزلية غير منفكة، على الرغم من محاولة القادة الصهاينة الفصل بين أرض فلسطين والفلسطيني بمقولة الحكم الذاتي للسكان وليس للأرض، ولذا جاء في شعر فدوى طوقان “الإنسان، والأرض، والدار”، لتعبر عن علاقة غير منفصلة.

وعندما يصر الصهيوني على هدم بيت الفلسطيني  يبغي اقتلاع جذور الفلسطيني، ويهدد عوامل صموده بما يحدثه من خواء نفسي يشعر به الفلسطيني جراء هدم بيته، فهدم البيت إذن يشكل جزءاً من الحرب النفسية التي يشنها الاحتلال على كل الوجود الفلسطيني، وجزءاً من الحرب الجماعية والعقاب العام الذي يعم الناس صغيرهم وكبيرهم.

وتشير فدوى طوقان  إلى هذا الأسلوب الاحتلالي في قصيدتها (حمزة)، ذاك الفلسطيني الذي هُدِم بيته، وقد نشرت القصيدة  في ديوان الليل والفرسان، وهي تتفق مع بقية قصائد الديوان في أنها صورة من صور المقاومة الشعرية، وتشير الشاعرة إلى هذه الواقعة في سيرتها الذاتية “الرحلة الأصعب” في الفصل السابع عشر صفحة (113-114) وحمزة هذا هو ابن عمها، فقد هدم بيته واعتقل ابنه، ولكنها تجعل منه حالة عامة لكل الفلسطينيين. وتقول الشاعرة في ذلك “لم يكن بيت حمزة أول بيت فجره ديناميت جيش الاحتلال، ولن يكون بالتأكيد آخر بيت، ما أكثر أصحاب البيوت الذين مروا بتجربة حمزة، تقول فدوى في القصيدة:

كان حمزة

واحداً من بلدتي كالآخرين

طيباً يأكل خبزه

بيد الكدح كقومي البسطاء الطيبين

هذه الأرض امرأة

في الأخاديد وفي الأرحام

سر الخصب واحد

قوة السر التي تنبت نخلاً

وسنابل

تنبت الشعب المقاتل

ويظهر هذا التعميم منذ بداية القصيدة، فحمزة واحد من أهل فلسطين كالآخرين يعتاش ويكدح بيديه كبقية الناس البسطاء، ويبدو حمزة صامداً متحدياً يشجع ابنة عمه على الصمود واصفاً الأرض بالمرأة، ففيهما سر واحد هو الخصب والعطاء.

كان حمزة ابن خمس وستين سنة عندما نسفوا بيته، ولكنه يقف متحدياً الاحتلال صارخاً في وجههم قائلاً: “الله أكبر الله أكبر”، لم ينل هذا العمل من عزيمته، فما زال شامخاً مرفوع الجبين:

قال لي حين التقينا ذات يوم

وأنا أخبط في تيه الهزيمة:

اصمدي، لا تضعفي يا ابنة عمي

هذه الأرض التي تحصدها

نار الجريمة

هذه الأرض ستبقى

قلبها المغدور حياً لا يموت

جاءت القصيدة على تفعيلة البحر المتدارك، فيها النفس القصصي متخذاً شكل الشعر الحر، مقسمة إلى قسمين، الأول: حديث الشاعرة عن حمزة وآراء حمزة في التصدي للاحتلال والصمود في وجهه. والثاني: مشهد هدم البيت وأوامر الاحتلال في الإخلاء. وقد تعددت في القصيدة الأصوات؛ فهناك صوت الشاعرة في بداية القصيدة:

كان حمزة

واحداً من بلدتي كالآخرين

طيباً يأكل الخبز

بيد الكدح كقومي البسطاء الطيبين

ثم يأتي بعد ذلك صوت حمزة داعياً ابنة عمه للصمود من مثل قول الشاعرة على لسانه:

اصمدي لا تضعفي يا ابنة عمي

هذه الأرض التي تحصدها نار الجريمة

هذه الأرض ستبقى

ويظهر كذلك في المقطع الثاني صوت الجندي الآمر:

وتعالت طرقات أمره

اتركوا الدار!

ساعةً أو بعد ساعة

وتعتمد الشاعرة في بناء مقاطعها أحياناً على القافية، ولكن مع التنوع فيها، فقد بنت المقطع الأول على قافيتين. وكذلك فعلت في المجموعة الثانية المقطع الأول منها، فقد بنته على تعدد القافية، وهكذا فإنّ نظام القافية في القصيدة ليس واحداً، وإنما تنوع حسب الدفقات الشعورية التي تحس بها الشاعرة.

يغلب على القصيدة الأسلوب الخبري الذي يناسب السرد القصصي التي اتخذته الشاعرة أسلوباً في سرد قصة حمزة وهدم بيته، بالإضافة إلى عودتها إلى (عنصر الحوار) أو تعدد الأصوات في القصيدة، كما سبق وأشرتُ إليه. أمّا ألفاظ القصيدة، فقد جاءت واقعية تنضح من بحر الواقع الفلسطيني وتناسب موضوع القصيدة، وقد استغلت الشاعرة استغلالاً موفقاً الألفاظ التي تدور حول المقاومة مثل (البيت، الاحتلال) لتشكل بذلك معجماً لغوياً في دوائر ثلاث:

أ + ب: دائرة الاحتلال والمقاومة، فظهرت في الألفاظ التالية: “الهزيمة، لا تضعفي، الأرض، الجريمة، المغدور، الخصب، المقاتل، الشعب، تميد، مخاض، ميلاد جديد، نسفوا الدار، غرفة التعذيب، الجند….”.

ج- دائرة البيت: الشرفات، الدار، ركام الحجرات، البلدة….

كما واستخدمت الرمز من مثل (غرف الدار الشهيدة) فقد صورت البيت عند هدمه وسقوطه على الأرض شهيدا، لكن شتان ما بين الاثنين، فالشهيد يصعد إلى السماء في جنات النعيم، وهدم البيت مجرد حجارة تنهار على الأرض، ثم يحملها أولئك الأطفال ويرجمون بها الاحتلال. كما أنها عبرت عن جرافات الاحتلال التي هدمت الدار بقولها 🙁 أفعى تلوّت).

تقدم الشاعرة في القصيدة مشهدين: مشهد الفلسطيني المقاوم المناضل المجابه للاحتلال الذي تعرض لهدم بيته واعـتقال ابنه،  ويصر مقابل ذلك على الحياة والمقاومة، وهو عالي الجبين، وتبع ذلك مشهد جزئي، هو هدم البيت وكيف خر المنزل شهيداً كبقية أبناء الشعب الشهداء. أما المشهد الثاني: فمشهد الاحتلال بقوته وجبروته وتسلطه وأحكامه التعسفية، وبذلك فإن الشاعرة تفضح ذلك التناقض في منطق الاحتلال عندما يدعى حرصه على تحقيق السلام والأمن للمواطنين، وبذلك تعرض القصيدة مشهدين متضادين.

ثالثا: السجن وآلامه:

وفي قصيدتها “إلى المغرد السجين ” والتي تهديها للشاعر الفلسطيني كمال ناصر، تبين الشاعرة من خلالها آلام النفي والسجن والمضايقة المستمرة، التي عانى منها الفلسطينيون، من خلال تجربة الشاعر الفلسطيني كمال ناصر، حيث تنتهي معاناته من الاحتلال بالتصفية الجسدية، فقد اغتاله الإسرائيليون في لبنان عام 1973م، وكانت هذه القصيدة إهداءً من الشاعرة لكمال ناصر عندما كان معتقلاً في الضفة الغربية في الخمسينات”.

وتعتبر القصيدة من قصائد فدوى طوقان التي تنضح بالأفق المقاوم تجاه الاحتلال وجبروته وتسلطه، حيث وقفت مع محنة ثائر ومقاوم يقبع في السجن، فتبدأ القصيدة ببيتين من الشعر الموزون المقفى على النمط التقليدي، على البحر المتقارب، موظفة مـــا  يمتاز به هذا البحر من نفس حماسي غنائي وموسيقي عالية، تقول فدوى:

شدوكَ يأتينا حبيب الصدى

محلقاً رغم انغلاق الرحاب

يا طائري السجين فاصدح لنا

من خلف جدران الدجى والعذاب

وتمزج الشاعرة في هذه القصيدة بين النَّفَس المقاوم والنفَس الوجداني الرومانسي من خلال عرض أفكارها، فيتماوج ويمتزج الإحساس بالظلم وحب الانعتاق والانطلاق والحرية مع بعض عناصر الوجدانية الرومانسية، فنلاحظ ذلك في قولها:

إذا أنت طلق الخطو طلق الجناح

أيام كانت ظلة الياسمين

تحضننا وأنت تشدو لنا

شعر المنى والزهو والعنفوان

فتقرب النجوم من أرضنا

تصغي إلى اللحن ونصغي

وتختتم الشاعرة القصيدة مبشِّـرة بالحرية الموعودة، رغم ما يحيط من حولنا من ظلام وانسداد الأفق:

يا طائري هناك درب الرجاء

هناك يمتد درب الرجاء

رغم انطباق الليل من حولنا

وجدير بالذكر أنّ الشاعر كمال ناصر، قد رد على الشاعرة بقصيدة أخرى عنوانها من الأعماق يقول في مطلعها:

لئن جاء شدوي حبيب الصدى

يوافيك رغم انغلاق الرحاب

فذاك لأني نشــــــــــرت جناحي

يعانق في جنــــــاحيك العذاب

ويستعير الشاعر كمال ناصر من ألفاظ الشاعرة في القصيدة السابقة بعض الألفاظ والعبارات، من مثل قوله:

تظلنا ظلـــــــة الياسـمـــين

جناحان من لذةٍ واكتئاب

وعلى الرغم من أن الشاعرة بدأت القصيدة ببيتين على النمط التقليدي، إلاّ أنها لم تلتزم بذلك، فقد تحررت في بقية القصيدة من هذا النمط الرتيب، لتخلق شكلها الفني القائم على التفعيلة واتساق عددها مع الدفقات الشعورية، إلا أنها قد احتفظت نوعاً ما بالقافية، وإن تنوعت، والقصيدة بهذا إلى حد ما تشبه البناء الفني في القصيدة السابقة.

لقد سبق القول في أنّ مفردات الشاعرة وتراكيبها ما زالت تنهل من معين الشعر الرومانسي، وإن وجدنا هنا ملمحاً يبرق بأمل الثورة والانتصار والحرية يبشر بظلال أدب المقاومة والثورة في شعر الشاعرة، ولكنها بالمجمل لم تتحرر من فيض الشعر الرومانسي حتى وهي تكتب عن ثائر مناضل عاش الظلم والسجن، وهذا بتقديري راجع إلى عدة عوامل، أهمها عاملان:

الأول: العلاقة التي تربط الشاعرين معاً، فالذي دعا الشاعرة إلى كتابة القصيدة، ما كان بينها وبين صديقها الشاعر من لقاءات ومودة تشير إليها في القصيدة، وهو يذكرها بها في رده عليها.

الثاني: أنّ القصيدة جاءت في مرحلة الشعر الوجداني في شعر فدوى طوقان، تلك الفترة التي ما زالت الشاعرة تحياها، فالقصيدة هي مجرد مشاعر وإحساس عاطفي تجاه صديق يعاني من الأسر والاعتقال ليس أكثر، ولم تصل إلى حالة الثورة والتحريض ضد المحتل، أو أن تكون القصيدة ضمن إستراتيجية شعرية انتهجتها الشاعرة. ولذلك فإنّ معجم الرومانسيين ما زال يطغي على شعر الشاعرة ومفرداتها وتراكيبها.

تميل الشاعرة هنا إلى استعمال الأسلوب الخبري، وتراجع الأسلوب الإنشائي، وإن وجد بعض الجمل الإنشائية الطلبية مثل “يا طائري”، إلاّ أنّ طبيعة الموضوع والموقف يفرضان استخدام الأسلوب الخبري، فالقصيدة نوع من المجاملة بين صديقين يتذكر فيها المرسل أياماً جميلة ولقاءات عذبة بينهما. مما دفع الشاعر كمال ناصر بالرد عليها بالأسلوب نفسه في قصيدته “من الأعماق”.

تُقوم الصور الفنية في هذا النص أيضاً على اللغة المجازية التي تتخذ من الاستعارة شكلاً لها، بدءاً من العنوان “المغرد السجين” الذي يشير إلى الشاعر، حيث استعارت له صفتين متناقضين، فهو مغرد وسجين ضمن استعارة تصريحية واحدة تعـيد صياغتها في قولها: “يا طائري السجين” حيث تدور هذه الاستعارة المكررة في الفلك نفسه متسقة مع المغرد السجين، ولكنها تشير –كما سبق القول- إلى الشاعر نفسه .

وتعمد الشاعرة كذلك إلى الاستعارة المكنية في قولها:

“جدران الدجى والعذاب “ودرب الرجاء ما زال يمتد مشع الضياء” لتصل في نهاية القصيدة إلى أمل رغم ما يحيط بها من أهوال الظلم والاحتلال، وبذلك تكون الصورة الشعرية في القصيدة قد أدت غرضين، وهما:

1-      التعبير الجمالي الذي يشتاق إليه الشعراء، ولا يستغنون عنه.

2-     التنبؤ بالمستقبل المفعم الزاهر بالأمل، فاللغة مجازية غير متحققة في أرض الواقع بأمل تحققها في المستقبل، أو تحقق في المستقبل القريب.

رابعا: الحرية:

أصدرت الشاعرة في عام 1969م ديوان الليل والفرسان، وهو الديوان الأول للشاعرة بعد النكسة، وسقوط الضفة الغربية بيد الاحتلال عام 1967م بعد مسرحية حرب الأيام الستة، وبذلك أصبح الوطن الفلسطيني سليباً من بحره لنهره، مما جعل الشاعرة تنفض عنها ثوب ما اعتادت عليه من رومانسية وهم ذاتي، لتتوشح بثوب المقاومة والشعر الحر ضد الاحتلال، ومن أمثلة ذلك قصيدة “حرية شعب” حيث تداخل صوت الشاعرة بالصوت الجماعي، لتعبر بذلك عن اندغام الوجداني الذاتي بالهم الجماعي، ليرتفع صوتها معلنة منذ بداية القصيدة:

حريتي .. حريتي .. حريتي

صوت أردده بملء فم الغضب

تحت الرصاص وفي اللهب

فهي تتحدى الظلم، ظلم الاحتلال، تناضل من أجل الحرية، ليس في فلسطين فقط أو ما عرف “بالضفة الغربية”، بل إن ذلك تعدى الضفتين: الشعبين في فلسطين والأردن اللذين تجرعا ذل المهانة في احتلال بغيض هجّـر أهل فلسطين إلى الأردن عبر جسر يفصل البلد الواحد ويشقه إلى نصفين، فهي تطالب بالحرية للبلدين وليس لفلسطين وحدها:

والضفتان ترددان: حريتي!

ومعابر الريح الغضوب

والرعد والإعصار والأمطار في وطني

ترددها معي!

حريتي حريتي حريتي

وبذلك تتحول مناضلة على كافة الصُّعد، محرضة البقية الباقية، الكثرة الكاثرة، ليكونوا بركان ثورة في كل مكان:

في الأرض في الجدران في الأبواب في شرف المنازل

في هيكل العذراء في المحراب في طرق المزارع

في السجن في زنزانة التعذيب في عود المشانق

متحديةً إجراءات الاحتلال التعسفية من سجن ونسف دور وتعذيب وحرائق، ستظل تناضل حتى ترى وتحوز الحرية الحمراء التي تفتح فيها كل باب أوصده جُرم الاحتلال ليعم الضياء، وتتحقق الحرية في الضفتين الشقيقتين اللتين ما هما إلاّ بلد واحد مزقه الاحتلال وظلمته الأنظمة الرجعية العربية.

تختار الشاعرة لقصيدتها وزن البحر الكامل، هذا البحر الحماسي الفياض ليستطيع حمل ثورة البركان المتفجرة في أعماقها، والذي يناسب الثورة على أرض الواقع متحررة من نظام القصيدة التقليدية، فيفيض الشعر بركاناً، يكسح ألغام الاحتلال وجبروته.

وتقسم الشاعرة القصيدة إلى قسمين، تعلن في القسم الأول الحرية للضفتين رغم كل شيء، وتعلن في القسم الثاني الرد الطبيعي على ظلم الاحتلال بالمقاومة والصمود لتتحقق في نهاية القصيدة الحرية للضفتين، وبذلك تربط الشاعرة القسمين بمجموعة من الأسطر الشعرية وردت في نهاية المقطع الأول، وأعادتها الشاعرة في نهاية المقطع الثاني، لترسم بالكلمات لوحة الثورة والنضال الفلسطيني وذلك في قولها:

والضفتان ترددان: حريتي

ومعابر الريح الغضون

والرعد والإعصار والأمطار في وطني

ترددها معي

حريتي

حريتي

حريتي

وتنهال في القصيدة الكلمات الحاملة لأفق الغضب التي تحصنت به الشاعرة، فيظهر في قوافي الأسطر الشعرية الأولى مكررة قافية الباء وقافية الهاء بتواتر يومئ بالموسيقى الخارجية:

صوت أردده بملء فم الغضب

تحت الرصاص وفي اللهب

وأظل رغم القيد أعدو خلفها

وأظل رغم الليل أقفو خطوها

وأظل محمولاً على مد الغضب

ويتخذ المقطع الثاني الإستراتيجية الموسيقية نفسها في بناء كل سطرين أو ثلاثة على قافية واحدة، لتمنح القصيدة رتابة موسيقية غير معهودة في أشعارها السابقة، لأنها تريد قرع الأسماع بهذا، واستعمال الألفاظ المكررة مثل حريتي، حريتي لتأكيد الحرية والإصرار عليها، لاسترجاع الوطن السليب، كما أنها تنوع في القوافي المتتابعة، ليسمعها من لم يكن يعدّها شاعرة مقاومة ووطن، فتدخل بهذه القصيدة سلك الشعراء المقاومين، ومن الطراز الأول.

تقوم القصيدة من أولها إلى آخرها على الأسلوب الخبري الذي يناسب الموضوع والشكل الفني لها، فالقصيدة خطابية ذات نبرة عالية يلائمها هذا النوع من الكلام وهذا الضرب من النظم، وقد جاءت ألفاظ القصيدة من معجم الشعراء المقاومين فغصت بألفاظ: النار، الغضب والمطر والإعصار والرعد والمشانق والحرائق واللظى والحمراء. كما وجدت فيها ألفاظ المعاناة والقسوة من تعذيب وسجن وسلاسل وزنازين ونسف.

كما كانت بعض الألفاظ ذات بعد رمزي واضح، كالرعد والإعصار والأمطار والريح ، لتعبر عن مدى تأثير هذه الألفاظ قي فعل المقاومة من شدة وثورة وهيجان وتمرد على الاحتلال ومقاومته، ولأجل ذلك فقد تكررت في القصيدة عدة ألفاظ فرضت لحظة الإبداع نفسها على هذه الألفاظ، فتكونت قصيدة زاخرة ذات أبعاد رتيبة في موسيقاها عبر ما تكرر من ألفاظ من مثل حريتي التي تكررت في القصيدة سبع عشرة مرة، عدا كلمة الحرية الواردة في العنوان وكلمة الحرية الحمراء الواردة في المقطع الثاني من القصيدة، فكانت تسع عشرة كلمة تؤكد هذه الحرية التي لا تراجع عنها.

من ناحية أخرى، يلاحظ اعتماد الشاعرة على الفعل المضارع بشكل كبيراً جداً، فقد استخدمت الفعل المضارع أيضاً تسعة عشرة مرة في القصيدة، وهنا يمكن أن يسجل الدارس لهذه القصيدة ملاحظة هامة يكشف عنها التحليل الأسلوبي، حيث أنّ الفعل المضارع يدل على التجدد والاستمرار في الفعل، في الحاضر والمستقبل، وتستخدمه مع ألفاظ الحرية يشكلان وعياً دالاً، تفيض به القصيدة في أنه لا بدّ من التحرر، ولا بد من الفعل المستمر لهذا التحرر، فكان لكل لفظ من ألفاظ الحرية لفظ من ألفاظ الفعل المضارع لاستمراره وديمومته وتحقيقه.

بقي لي أن أشير في خاتمة الحديث عن ألفاظ القصيدة وأسلوبها في هذه القصيدة استعارة الشاعرة من الشاعر أحمد شوقي بعض ألفاظ بيته في قصيدة “نكبة دمشق” وذلك في قوله:

وللحرية الحمراء بابٌ

بكل يد مضرجة يدقّ

فوظفته الشاعرة فدوى طوقان (بتناص) جميل دال في قولها:

حتى أرى الحرية الحمراء تفتح كل باب

تخف وطأة الصورة الشعرية في هذه القصيدة لترسم الشاعرة صورة مشهديه كليه في صورتين متوازنين: صورة الاحتلال بتعسفه وظلمه، وصورة المناضل والثورة بكل إصرارها وتشبثها بالحرية، وإن لمحنا بعض الاستعارات التقليدية في القصيدة من مثل: فم الغضب، الريح الغضوب، ويردد النهر المقدس، والضفتان ترددان، الليل يهرب، أعمدة الضباب، ولكنها جاءت لتساعد في تزيين الصورة الكلية المبتغاة من القصيدة بشكل عام.

خامسا : التصفية الجسدية:

يبدو ذلك في قصيدة “جريمة قتل في يوم ليس كالأيام”  فتختار الشاعر في هذا النص أن تكتب عن جرائم الاحتلال، فها هي أفعال قديمة وجديدة لم تتغير ولم تتبدل، فمنذ وجد الاحتلال، وهدفه قتل البراءة، لأنه ليس بريئاً، اغتيال الفرح لأنه لا يعرف إلاّ الحزن، فمهمته محاصرة الجمال ورميه بالرصاص، لأنه لا يفقه إلاّ لغة الدم والموت والبشاعة، هذا دأبه ومشيته التي رسمها لمخالبه عندما رمى بالرصاص فتاة ذاهبة إلى مدرستها تحمل كتبها، ليست إرهابية أو تحمل مسدساً، بل إنها وادعة تسير بمريولها هادئة مطمئنة ولا تعلم أنّ الوحش بانتظارها ليمزق جسدها الغضّ النضر، ويحول البراءة إلى جثة مقتولة هو جسد الطالبة منتهى الحوراني.

تلك الصورة نفسها التي أردت الطفلة “إيمان حجو”، وتلك الطفلة التي اغتالتها أكثر من عشرين رصاصة في جسدها، إنها جريمة قتل في يوم ليس كالأيام:

بغرفتها دورها المتعبة

تلملم أوراقها المدرسية

حذار العدى يا بنية

فعين العدو تصيب

وما كذب الكلب، كان عدو الحياة يطاردها في المسير

ويُنشب في عنقها مخلبه

وتـنحو الشاعرة في هذه القصيدة المنحنى القصصي، حيث السرد عن أيام الطفلة،  وكيف تودعها أمها في الصباح عند ذهابها إلى المدرسة وترد عنها عين الحاسدين، وتسير الأحداث لتتصارع مع وحش الاحتلال، وتكون النتيجة باستشهاد الطفلة منتهى التي تتحول إلى رمز لكل فلسطين، فتنشر مريولها الملطخ بالدم على سطح المنازل والمساجد والكنائس، ولكنها قصة قد بدأت بموتها قصص، وانفتحت بجرحها جروح:

ونعلن أنّ المطاف القديم انتهى

ونعلن أنّ المطاف الجديد ابتدا

نعم إنه عهدٌ جديد للشاعرة وللوطن وللشعب، سيشهد فيه فظائع كثيرة لمحتل لا يعرف الرحمة، وكأنها نبوءة الشاعرة التي تنبأت فيها بكل فظائع الاحتلال التي ما زالت تُسَطَّر يومياً حتى اللحظة في كل بقعة من بقاع الأرض، التي يسيطر عليها محتل غاشم ظلوم.

وقد جاء هذا السرد القصصي بتسلسل شعري يناسبه وموسيقى شعرية تناسبه أيضاً، فجاءت القصيدة بالشعر الحر بنَـفَس موسيقى حزين هادئ، يتمازج مع الموقف الحزين باستشهاد طفلة بعمر الورد.

وينعكس هذا الشكل وهذا الأسلوب على الألفاظ، حيث جاءت الألفاظ متوازنة مع الموضوع المتحدث عنه، ويوائم السرد القصصي، والحوار في القصيدة، ونلمح كذلك في القصيدة  عذوبة الألفاظ الرومانسية، ولكن ليست الرومانسية التي تتعاطف مع فتاة تُغتال في ربيع عمرها الغض وحسب، ولكنها محملة أيضاً بأمل الثورة، وكأن هذا الحدث روح يجسد الثورة في مستقبل، طالت ناره وعظمت، وأجبرت المحتل على الخنوع والحوار، وإن كان لا يعرف إلاّ لغة الدم والقتل.

ويظهر في لغة القصيدة تأثر الشاعرة بالتراث الديني، حيث وظفت الآية القرآنية في الرد على من ادعى وشهد بصلب السيد المسيح عليه السلام، حيث قال تعالى “وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم”، فتقول الشاعرة موظفة هذه الآية، جاعلة الفتاة في مقابل عيسى عليه السلام، في براءتها وهدوءها وحبها للسلام:

وما قتلوا منتهى وما صلبوها

ولكنها صعدت منتهى

تعلق أقمار أفراحها في السماء الكبيرة

و تعتمد الصورة في القصيدة على رسم صورة كلية من خلال السرد القصصي الواضح في القصيدة، فلا تعبأ الشاعرة بالصورة التقليدية، وإنما هي عبارات خفيفة جميلة ذات أبعاد دلالية أعمق من أن تفسر بالصورة التقليدية المتعارف عليها عند البلاغيين العرب القدماء، وعليه فالقصيدة كلها تجسد صورة البراءة المغتالة على أيدي الاحتلال البغيض، ماذا بعد هذا التعبير “أقمار أفراحها” أو “ينشب في عنقها مخلبه” فليس المقصود الصورة في ذاتها بل ما تدل عليه الصورة، من تصوير الألم والفظاعة التي يثيرها الاحتلال.

سادسا: الانتفاضة الفلسطينية:

تندلع الانتفاضة في عام 1987م، وكانت ردة فعل واحتقان غضب استمر ما يقرب من عشرين سنة، فكانت الهبّة الشعبية، وكان يميزها أمران:

1- الطفل المعجزة والأسطورة.

2- الحجر هو السلاح الجبار الذي وقف في وجهه الآلة العسكرية الصهيونية المدعومة بالعسكر الإمبريالي الاستعماري، فأمطرت هذه الانتفاضة حجارة من سجيل تكوي ضلوع المحتلين وتسجل، من ثم شهداء مزجوا الثرى بالدم، فتفتحت حرية ووطناً تتلألأ بكواكب النور والمجد.

وتأتي قصيدة فدوى طوقان “شهداء الانتفاضة” المنشورة في ديوان “تموز والشيء الآخر” عام 1989م، لتربط مفهوم تموز الأسطوري رمز العطاء والخير بالشهداء الذين ماتوا واقفين ورمز العطاء والخير لهذا الشعب.

تصف الشاعرة أفعال هؤلاء الشهداء، فقد رسموا الطريق بأفعال فنية قوية شديدة مستعيرة من الأرض عناصرها، فهم أجمل من كل النخل وغابات القمح وإشراق الصبح وأجمل من الشجر المغسول بماء المطر يخيطون أقلامهم من النور الذي شع، ليضيء للسالكين الحياة متجذرين بأرضهم عبر علاقة أمومة لا تنفصل، يصعدون إلى الأعلى ليبعث الأمل الجديد، وهم بهذا الفعل المقدس وبارتفاعهم شهداء قد أوصلوا الأرض بالسماء في ترابط مقدس أدركت أبعادها، فتقول في هذه القصيدة:

رسموا الطريق إلى الحياة

رصفوه بالمرجان بالمهج الفتية بالعتيق

رفعوا القلوب على الأكف حجارة، جمراً، حريق

رجموا بها وحش الطريق

هذا “أوان الشد”

واشتدت وماتوا واقفين

متوهجين على الطريق

متألقين كما النجوم، مقبلين فم الحياة

تتوزع القصيدة على خمسة مشاهد، تتحدث في المشهد الأول عن الشهداء الذين ارتقوا إلى العلى وهم مقبلون على الحياة، فقد أسمعوا العالم صوتهم مروياً، فتألقوا نجوماً في سماء الدنيا.

وتتحدث في المشهد الثاني عن استشهادهم، مصورة شموخهم وصمودهم، وتتابع في المقطع الثالث، كيف تتحقق بالشهداء الأحلام وتزهر الآمال، فهم (الأطفال) صانعو المستقبل السعيد، أصحاب بشارة أمل التحرير، وأمّا المقطع الرابع فتبين الشاعرة العلاقة المميزة بين الشهيد والأرض، فهم باستشهادهم يروّون الأرض فتخصب من جديد، والأرض هي بمثابة الأم، فغيابهم بالشهادة تتجلى في كل معاني حضورهم وتجذبهم الأرض وتعانقهم معها، وتختم الشاعرة القصيدة في اللوحة الخامسة بتوضيح رسالة هؤلاء الشهداء، فهم لا يحبون الموت من أجل الموت، بل من أجل البقاء من أجل الحياة من أجل الأجيال الآتية. ولعل الشاعرة  تشير من طرف خفي إلى قول أحمد شوقي:

بلاد مات فتيتها لتحيا

وزالوا دون قومهم ليبقوا

وقد تنوعت الموسيقى الشعرية في القصيدة، فقد استخدمت الشاعرة ثلاثة أبحرٍ شعرية، فجاء المقطع الأول والخامس على البحر الكامل، والثاني والرابع على البحر المحدث (المتدارك)، والثالث على تفعيلة بحر الرجز، وكأنها تريد أن تقول أن تعدد الفعل في الانتفاضة، وتعدد صور الموت في الانتفاضة وتعدد الشهداء في الانتفاضة، وتعدد المشاعر في الانتفاضة يلزمه التنوع في الوزن الشعري.

يلاحظ في أسلوب الشاعرة في القصيدة استخدامها الأسلوب الخبري حيث اعتمدت على لغة السرد، بضمير الغائب (هم)، فقد تكرر الفعل المسند إلى ضمير الغائب (هم) في القصيدة في المقطعين الأول والثاني ثلاثة عشرة مرة في حين غلب على المقطع الثالث والرابع والخامس الفعل المضارع، وذلك ملائمةً لغرض القصيدة، فعندما سردت أفعالهم (الأطفال) استعملت ضمير (هم) وعندما أرادت تكريس بطولتهم وبيان أهميتها ودورها في الحياة واستمراريتها وديمومتها، استخدمت الفعل المضارع، حتى أنّ الفعل المضارع، “يتصاعدون”، و”يصعدون”،  قد تكرر في المقطع الخامس (خمس مرات) مؤكدة بذلك مصيرهم.

وقد استخدمت الشاعرة الرمز، فالنجوم رمز الهداية، وكذلك (وحوش الطريق) الذي جعلته معادلا موضـوعيا للمحتل الغاصب، فقد استعارت له كلمة (وحش) دليل على جبروته وهمجيته، وكأنه الوحش ذو المخالب الحادة صاحب المخالب التي تنهش الأبرياء (الأطفال والشيوخ والنساء)، وتعبر كذلك بالتوهج عن معنى الاحتراق والإضاءة وبالتالي فهي تعبر عن الحياة التي تأتي عن طريق الموت، فالقصيدة حافلة بالرموز، بأبعادها ودلالاتها. وقد وظفت الشاعرة من التراث القديم البيت المشهور:

هذا أوان الشد فاشتدي زيمْ

قد لفها الليل بسوّاق حطمْ

وهو بيت للشاعر رُشَيدِ بن رُمَيْض، وقد تمثل به الحجاج قبل ذلك في أول خطبة له في أهل العراق عندما بُعث واليا عليهم، تقول الشاعرة فدوى طوقان :

هذا أوان الشد فاشتدي

ودوى صوتهم

في سمع الدنيا وأوغل في الدنيا مراه

هذا أوان الشد فاشتدي

لقد أفسحت الصورة الشعرية في النص  مجالاً واسعاً لعناصر الحياة التي تدفع هجوم الموت، بما أوتيت من عنوان القوة (انتصبوا) (وغابات النخل) و(غلات القمح) و(إشراق الصبح)، فكل مقطع من مقاطع القصيدة هو عبارة عن مشهد شعري فني مرسوم بعناية ودقة بأدوات فنية زخرفية زادت التعبير الشعري روعة ودقة.

وفي الختام، يظهر من خلال ما قدمت من تحليل لنصوص شعرية للشاعرة فدوى طوقان مدى تعبيرها عن الهم العام الذي مرت به القضية الفلسطينية، فقد قدمتْ من خلال النص الشعري أبعاد الحياة بكل صورها، مازجة الذاتي بالعام مرتفعة فيه إلى البعد الجماهيري لتعبر عن كل فلسطيني، بل أبعد من ذلك، لتعبر عن كل محتل، فما جاء في شعرها من صور للمقاومة هو ما يعانيه كل إنسان وقع تحت نير الاحتلال وعايش القهر والإذلال وبالتالي تكون الشاعرة قد حققت المقاومة بأبعادها : الذاتية والوطنية والإنسانية، لتتربع الشاعر عرش الأدب المقاوم مع بقية الشعراء المقاومين.

*كاتب من فلسطين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق