قراءات ودراسات

اختراع الأخر في قانون الأهالي الفرنسي:

الدكتور طارق بوحالة*

نستحضر في هذه الورقة “قانون الأهالي” الذي صاغته السلطات الفرنسية الاستعمارية في مارس 1871، وهو مدونة من المدونات الخصبة التي ساهمت في تشكيل روح الخطاب الاستعماري، فهو جملة من القوانين التي تطبق في حق الأهالي الأصليين سواء كانوا من الجزائريين أو من الأفارقة القابعين تحت نير الاستعمار الفرنسي.
وبالعودة إلى نماذج مختارة من المواد القانونية لهذا النظام وقفنا عند صور تمثل الأخر المسمى: “الأهلي”،هذه الصور التي لا تعكسه حقيقة في كثير من الوضعيات، ما يثير التساؤل عن الحقيقة التاريخية، ليتم اعتبارها مجرد تمثيلات مخترعة ضمن المنظومة الخطابية الغربية عموما والتي كثيرا ما اخترعت شعوبا وجهات من العالم دون وجه حق تاريخي.
ويكفي العودة إلى القول التالي: “حين يتأمل المعاصرون العربي فإن أغلبهم لا يرى سوى متوحش مرعب حين يعتبر أنه غير قابل للإدماج، أما الأسود فيظل متوحشا أو طفلا كبيرا ينبغي أن تسوقه سلطة رادعة في أنظار اللحظة المفترضة -الدائمة التأجيل في الواقع- حيث يمكنه الإفلات أخيرا من قصوره العقلي والقانوني، أما الفيتنامي الموصوف بالغامض وغير قابل للنفاذ، فهو لا شك ينتمي إلى حضارة هامة ولكنها أدنى من حضارة فرنسا من وجهات نظر عديدة.”(1)
يفرق هذا القول بين ثلاثة نماذج للآخر وهي: العربي والأسود والفتنامي، فالعربي متوحش لا يمكن ترويضه ويستحيل إدماجه داخل الحضارة عكس الأسود الذي يتصف بهمجية ظرفية تنتظر من يأخذ بيدها للانتقال بها إلى مرحلة التحضر. أما الفيتنامي فهو صاحب حضارة في الأصل هي أقل درجة من الحضارة الغربيّة.
وما يدعم هذا الموقف ما صوره كتاب “لوسيان ليفي-برول الذي يحمل عنوان (العقلية البدائية ) والمنشور عام 1922 الإفريقي بوصفه الآخر للأوربي بالكامل، وافترض أن لدى الإفريقي عقلية سابقة للمنطق وبالتالي لم تكن لدى الإفريقي القدرة على التمييز، ولا على الفصل بين الخرافة والحقيقة، وخلافا للأوربي، كان الاتجاه العقلي لدى البدائي مختلفا جدا”(2)
ويرى الناقد الهندي آنيا لومبا أنه “مع تطور الاستعمار اتسعت النشاطات التبشيرية، وكذلك المخاوف الأوربية من التلوث، وقويت آيديولوجيات الاختلاف العرقي جراء دمجها في الخطاب العلمي، وادعى العلم أن الخصائص البيولوجية لدى كل مجموعة تحدد سماتها النفسية والاجتماعية.
تعقد هذه الرؤية فرزا غير عادل وتمييز عنصري بين شعوب مختلفة عن بعضها البعض من جوانب عرقية ودينية وجغرافية وتاريخية، لكنها -من منظور الخطاب الاستعماري- أقل درجة من الرجل الأوربي والفرنسي على وجه الخصوص.
وأخضعت صور الأخر إلى مغالطة مقصودة عندما تم التفريق السابق بين النماذج البشرية المذكورة تفريقا تعسفيا غير صحيح، والسبب الأساسي هو امتلاك المستعمر للقوة والمعرفة ما خول له “اغتصاب التمثيل” وتم تصويره للأخر وفق ما يريده ولو كان على حساب الحقيقة، يتجاوز القول السابق قرونا طويلة من الحضارة العربية والإسلامية، حيث تجاهل العلاقات التاريخية التي جمعت بين الطرفين. فمقولة أن العربي متوحش لا يمكن ترويضه هي تمثيل يجانب فيه الخطاب الاستعماري الحقيقة من أجل تبرير مستقبلي لما سيطبقه على الأهالي خاصة في الجزائر من قوانين ردعية.
إن المثير في المقولة المذكورة سابقا أنها ليست فقرة من قصة أو رواية أو سردية شعبية متخيلة بل هي فقرة من النظام القانوني الخاص بالأهالي، الذي كان حريّ أن يرتكز على حقائق تاريخية واجتماعية ومبررات منطقية لا تجانب العقل والحقيقة التاريخية، لأن النصوص التنظيمية والقانونية لا تؤسس على فكرة التخيل التاريخي مثلما هي النصوص الأدبية التي لها طريقتها في مناقشة القضايا المختلفة.
وما يساند ذلك أن رجال القانون والسياسة والعسكريين قد أسهموا بشكل أساسي في تقديم ثم تبرير مثل هذه الاختراعات الخطابية اتجاه الأخر المغلوب على أمره. فهذا مثلا الجنرال الفرنسي: بول آزان يقول: “الخطأ الأساسي المرتكب في إفريقيا الشماليّة يتمثل في الرغبة في تطبيق المبادئ الأساسيّة والإدارية التي تحكم فرنسا في القرن العشرين…”(3)
هناك مغالطات في هذا القول أهمها أنه ليست هناك رغبة في تطبيق المبادئ الأساسية للحضارة الفرنسية على شعوب شمال إفريقيا العربية طبعا، كما أن فرنسا الاستعمارية ليست حريصة على ذلك.
لسنا في مقام المتحاملين على أي قول يصدر عن رجالات الاستعمار ولكننا إزاء قضايا لا يكن للعقل البسيط تقبلها دون الشك فيها، لأن السؤال المركزي الذي يتبادر إلى أذهننا هو: ما المنفعة التي تعود على دولة وشعب يصرف ملايين الفرنكات ويرسل ألاف الجنود إلى ما وراء البحار؟
وما يدعم ذلك ما جاء على لسان رئيس المستعمرات الفرنسية “ألبير سارو” قائلا: ” إننا بمنحنا السكان الأصليين سلطات وحريّات لا يسعهم استخدامها، إنما نعيد إلقائهم في الفوضى التي أنقضناهم منها، وليس من حقنا إعادة رميهم في الظلمات بعدما أنرنا جباههم بمطالع مستقبل جديد.”(4)
رغم أننا قد نجد من يقول بصدق هذا الطرح وبراءته، فإنه يختزن مضمرات تتعامل مع الأخر دائما كونه أقل ودون المستوى، فهو قاصر لا يمكنه تسيير أموره، وهو الذي كان يعيش في الفوضى التي انزاحت عنه عن طريق المبادئ الأساسية التي تم توفيرها من قبل المستعمر. لكنه رغم ذلك لا يمكنه المحافظة على هذه المنجزات.
هي نماذج اخترنها لنبين أن قانون الأهالي قد سبق بتبريرات مختلفة تعيد رسم صور الأخر المتمثل في شعوب ما وراء البحار خاصة شعوب مستعمرات فرنسا المعروفة، التي يأتي على رأسها الشعب الجزائري. وما تتصف به هذه الصور والتمثيلات هو أنه مفارقة للواقع وللحقيقة ومقتربة من الاختراع والتزييف الخطابي والسردي، الذي وجب مرافقته للآلة الحربية والعسكرية. فالخطاب الاستعماري قد احتاج في كثير من مقولاته الفكرية والقانونية إلى تنميط صور الأخر المستعمر (بالفتح)، لتسهيل تمرير هذا الخطاب دون صعوبات ورفض من قبل مختلف النخب في الغرب.
المراجع:
1-أوليفيه توكور غرانميزون: نظام الأهالي، ترجمة العربي بوينون، منشورات بغدادي، الجزائر، ط-2011.
2-نايجل سي غبسون: فانون: المخيّلة ما بعد الكولونيالية، ترجمة خالد عايد أبو هديب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط1، 2013، ص150.
3-نظام الاهالي، ص52
4-نظام الأهالي، ص57

*أستاذ النقد الثقافي/ جامعة ميلة، الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق