قراءات ودراسات

الدكتور أحمد عبد الملك في روايته (الأقنعة): حالة من الترقب والإثارة

أيمن خالد دراوشة*
عن مؤسسة الرحاب الحديثة صدر للروائي الدكتور أحمد عبد الملك رواية الأقنعة وهي الرواية الرابعة له بعد ثلاث روايات سابقة بدأها برواية أحضان المنافي 2004م وهي عبارة عن سيرة ذاتية، ثم القنبلة 2006م وأتبعها برواية فازع شهيد الإصلاح في الخليج 2009م، والمتتبع لروايات الدكتور أحمد عبد الملك يجده لم يخرج عن الخط الروائي الذي انتهجه في تتبع التأريخ الاجتماعي للواقع الخليجي بكل جرأة وصراحة ووضوح؛ لتصبح رواياته بحق جديرة بالدراسة والنقد والتحليل حيث يبرز لنا الهم الخليجي بشكل خاص والهم العربي بشكل عام موظفاً أدواته الفنية التي تحيل النص بجمالياته وروعته إلى لوحة فنية تصل بروعتها ورصانتها إلى مصاف الروايات العربية التي اعتنت بهمومها وقضاياها وإن اختلفت بالشكل والمضمون ولكن بنفس الشفافية والموضوعية. نعود إلى رواية الدكتور أحمد عبد الملك “الأقنعة” وهو عنوان مختار بدقة متناهية عن موضوع الرواية والتي تجري أحداثها في فندق لندني ومن الملاحظ أن العنوان جاء بصيغة الجمع لا المفرد فليس هناك قناع واحد بل أقنعة لا تلبث أن تسقط لحدث ما ، وهو ما حقق به الروائي احمد عبد الملك جمالية التعبير، لمضمون روايته التراجيدية الشيقة.
بالإضافة إلى أن (الأقنعة) تُضفي نوعاً من الغموض على ما هو آت في القصة – كما يبدو للوهلة الأولى- لكنه يتضافر هنا مع حالة من الترقب وإيحاءات اللحظة الراعشة في ذهنية المتلقي ، وهو ما يزيح الستار عن جوانب التشويق والإثارة، في فضاءات الرواية المثيرة والتي ستتضح معالمها لنا شيئاً فشيئاً.
بعد العنوان، تبدأ القصة بأسلوب سلس جميل ملفت للنظر، مستخدماً الجملة الكنائية ((الفندق اللندني الضخم فاتحاً صدره لمئات النزلاء…)، وقد تم أنسنة الفندق للإنتقال في ذهنية القاص من المعنى إلى المحسوس، وكأن الفندق الضخم شخص يفتح صدره للكثير من الزوار، وهو ما يعطي للتخييل في اللقطة المبدعة، قوة في إثارة المشاعر والأحاسيس لدى المتلقي ، وقد استخدم القاص في التخييل أسلوب الإبداع والابتكار، للتجسيد والأنسنة والربط بين المعنى والمحسوس، الضخم ومئات، وهما مربوطان بالأصل، ولكن بطريقة مبتكرة ومغايرة ، وضمن تقنية أسلوبية فيها الكثير من الانزياحية الإبداعية، لجلب انتباه القارئ والتأمل في العبارة، قبل الشروع في قراءة الرواية كاملة، وكأنه يوحي بالمزيد من هذه الكنايات وتبهير العبارات. وورود الجملة ( فاتحاً صدره…) بهذا الشكل الإيحائي الكنائي وهكذا – ومنذ البداية- يصور لنا القاص مشهداً درامياً مثيراً ، تملؤه الأوصاف العميقة والتهكم المباشر، بينما عبر بجمل قوية الدلالة، على تصرفات الشخوص وتحركاتها داخل الفندق بكل حرية  (الأعين الجائعة – ابتسامات عريضة – يحتويها الفراء الثمين- يقف رجل الاستقبال بقبعته السوداء…) وقد نرى في السرد عبارات فيها عامية، ولكنها شيقة ومفهومة بعيدة عن الغموض واللبس، واستخدام العامية بين العبارات الفصيحة تأتي من أجل لفت الأنظار على مضمون الرواية، وهو ما نجح فيه الروائي بعملية التناغم بين الشكل والمضمون معاً وبأسلوب الواقعية الجديدة، مما ساعده ذلك في إعطاء صورة سينمائية واضحة، شيقة، ومثيرة، أستطيع أن أسميه بالصورة المأساوية الساحرة، أي مأساوية من حيث معاناة الشخوص على أيدي معذبيهم  من الشارك وقسوة الحياة  وساحرة من حيث النقل الحي والمباشر وبتقنية الانزياح والتنميق في الكلمة المعبرة مثل: ( واقفة كالزمن الأخضر- تستعرض فحولتها، ينقر نافذة الجناح الملكي، تتمترس وراء المجهول، متمسك بقشة الرسائل… ) ويبدو كأن الروائي يتعمد الفجائية والتدريج معاً في الإفصاح عن الحدث
فهو يصور للقارئ مثلا مشهد الجريمة ويتوقف ، ليفاجئ القارئ بعد أسطر بالشخصية الأولى في الظهور، في ذلك المشهد المثير للأعصاب حقاً، ( جاء الليل ، إنه ليل حاسم بالنسبة لجنة…. )
ومن ميزة هذه الرواية استخدام الروائي قصة داخل قصة فهي رواية تركيبية فخالد شخصية مركزية في الرواية إلا انه يروي لنا قصة أخرى وهذا شيء جديد لم نعتد عليه في الروايات العربية إلا ما ندر.
وبرغم الإسقاطات السياسية والأحداث التي عصفت بالوطن العربي فهناك إشارة إلى بعض الأحداث السياسية  في فترة السبعينيات كالحرب الأهلية اللبنانية عام  1975م وغزو العراق للكويت عام 1991م وانتهاء بعام الثورات العربية 2011م والتي كانت سبباً في سقوط أقنعة وتوالد أقنعة جديدة.
الرواية هي أشبه برواية نفسية فلسفية عبر بها الكاتب عن مكامن النفس البشرية خاصة في قضايا المرأة التي تعد أكبر مستودع للأسرار والأكثر تحملاً لمصاعب الحياة ، المرأة هذا اللغز المحير لكل معاناة حيث أبحر بنا الكاتب في عالم الغرائز والحاجات التي تعد من أصعب ما تعانيه المرأة.
الأقنعة رواية غاصت بنا إلى أكثر مشاكل العصر تعقيداً نراها في التوازن واللا معقول فمن الفساد الإداري والمالي إلى الفصل التعسفي والتقاعد القهري والتنميط الاجتماعي وتكبيل الحريات بالمراقبة والتهديد والتعذيب وتغييب الكفاءات تحت مسمى تجديد الدماء. لقد جمع مؤلف الرواية بين الرومانسية بأرقى صورها والجريمة والسياسة والمشكلات الاجتماعية واضعا القارئ في حيرة من تصنيف الرواية في أي خانة تصب … ووفق الكاتب إلى حد بعيد في جعلنا نكتشف مدينة لندن خباياها وأسرارها أزقتها وعبر الأحداث المتصاعدة نرى العاطفة تتدفق بسلاسة بسيطة، مما يعطي المزيد من المصداقية للتجاذبات الشخصية والصور الحياتية المعبرة التي تحفل بها الرواية. وقد دعم القاص سرده بكثير من الواقعية الممزوجة بفضاءات خياله الخصب، وهو ما يبعد الملل عن نفس القارئ ويضفي الكثير من الإبداعية على النص القصصي فالواقع يمكن أن يصبح ممكن الحدوث، ونستشف الكثير من الواقعية من الزمان والمكان اللذين تتفاعل فيهما حوادث الرواية، فالمكان هو الفندق اللندني الضخم ، بينما الزمان قد يكون عام 2011، أي السنة التي لها حساباتها وذكرياتها المؤلمة والتي شهدت سقوط الرؤساء العرب عن عروشهم الملتصقة عشرات السنين.
(سدد الضابط لكمة ولكمتين وثلاثاً نحو وجه ناصر..) ص197.
وبحشده لهذه الكلمات الثلاث / لكمة- لكمتين- ثلاثاً- في هذا الحيز الضيق من المساحة اللغوية ، يكون قد وضع القارئ في حالة من الترقب والإثارة، وخلق لديه نوعاً من القلق، ورغبة عارمة في التفاعل مع الأحداث التي بدأت تتوالى بشكل تصاعدي شيق ومثير، لتنزاح – من خلالها- الأمور للقارئ شيئاً فشيئاً حتى نصل إلى العقدة التي يبدو لنا الحدث عندها مزلزلاً ومروعاً، أحداث حيكت خيوطها على أيدي مصور بارع للوحات تجمع بين روعة التعبير وشفافية الصورة، بحيث تحتشد في ذهن القارئ مشاهد متتابعة لصور من الواقعية المتخيلة، التي تجعله يصور نفسه وجهاً لوجه أمام الحدث الكارثي كأنه ينظر إليه بعينيه الدامعتين: (هذا الجسد الذي أضحى سكراباً..) ص159. وهي إحدى الصور الفنية المعبرة عن الحالة التي وصلت إليها شيخ
رواية الأقنعة للكاتب أحمد عبد الملك  تعد  بمثابة ملحمة أدبية إنسانية عرضت كل هموم الإنسان و كشفت زيف الكثير من الحقائق المتداولة على اعتبار إدراجها ضمن الأسلوب الواقعي ويمكننا أن نوضح سياق الرواية كما يلي :
–  جنة امرأة ثرية جدا ومن عائلة مرموقة فقدت العاطفة الزوجية فارتدت قناعاً لتعويض عاطفتها المفقودة…
–   منى وروضة ابنتا جنة يبحثن عن الحرية والممنوعات المفقودة في الوطن الأم فتهاجران برفقة والدتهما…
– سعود شخص ثري جداً وزير نساء باحث عن اللذة بعد أن ارتدى قناعاً وشد الرحال إلى لندن بحثاً عن المتعة واللذة المحرمة…
– خالد شخصية متزنة متعلقة بالوطن وتطالب بإصلاحات ومكافحة الفساد والسارقين ملاحق من الدولة ومراقب يقيم علاقة عاطفية مع جنة ويتعرض للتعذيب بسبب مواقفه الإصلاحية.
–  ناصر تشبه شخصية خالد بمواقفه الوطنية إلا أنه يعيش قصة حب جارفة كان مصيرها الفشل بسبب الأصل والعادات الاجتماعية المتحجرة
– الشارك شخصية نافدة في الدولة وفاسدة يقوم بعمل رجال المخابرات وعقد الصفقات المشبوهة ، ويلاحق الشرفاء من رجال الوطن للتنكيل بهم.
– شيخة امرأة ثرية فقدت العاطفة الزوجية بسبب ارتباطها برجل مسن فتبحث عن عاطفتها المفقودة بشخصية ناصر إلا أنها تلاحق من الشارك ليفشل قصة حبها مع ناصر الذي لا ينتمي للعائلة ولا يوازي مستواها الاجتماعي المرموق.
– غنوة  -عربية بائعة هوى – هكذا تكسب رزقها ، تزوجت من جندي بريطاني.
– أمينة امرأة تعمل مع أمن الدولة وتلاحق المعارضين للإيقاع بهم.
وهناك شخصيات أخرى ثانوية: مادلين رفيقة العمر لشيخة ، جون زوج غنوة، العنود امرأة وطنية يعجبها آراء خالد، محمود موظف الجوازات، بوجروي زوج جنة، عبد الله الشاب الذي أحبته جنة في جامعة بيروت العربية، منيرة زوجة سعود، سعيد شقيق جنة، وآخرون .
نهايات الشخصيات في العمل الروائي  :
–    خالد بطل الرواية  يتم التحقيق معه من قبل الشارك ويتم تعيينه – إبعاده- سفيراً في إحدى الدول الأوروبية.
–    ناصر ييأس من حبه لشيخة ويرضخ للأمر الواقع بعد أن أصبح بعين واحدة بسبب التعذيب.
–    جنة تُسجن بسبب الجريمة التي ارتكبتها وتتوفى بالسل الرئوي أثناء سجنها لتعود إلى وطنها جثة هامدة.
–    شيخة استسلمت كناصر للأمر الواقع بسبب ملاحقتها المستمرة من قبل الشارك لتعيش حبيسة قصرها.
–    سعود يُقتل من قبل جنة انتقاماً منه بسبب مغامراته النزقة واغتصابه جنة.
–     غنوة بائعة الهوى العربية تُسجن على خلفية مقتل سعود وتغادر السجن عائدة إلى وطنها الأم وتعيش حياة مطمئنة بعد أن باعت شقتها.
مقتطفات من الرواية أثارت إعجابي:
إرهاب: ( ألم تكن بعض دول المنطقة هي الحاضنة للإرهاب أيام القتال في أفغانستان ؟ من صدر المجاهدين ؟ ومن مولهم ؟ واخيرا عادوا وفجروا أنفسهم بالرياض وبغداد واليمن …) ص107.
تجديد الدماء: ( تبدو قاعدة تجديد الدماء تلوح في الأفق . وكثيراً ما احتج الكتاب على موضوع التقاعد المبكر . ولكن الكثير لا يعلم أن الدماء الجديدة فاسدة أحياناً ، ولم تكتمل فيها الكريات اللازمة للنجاح.) ص11.
تقاعد مبكر: ( الإحالة على التقاعد أمر معروف وعادي في أغلب دول الخليج ، حتى وإن لم يصل سن الموظف إلى سن التقاعد..) ص10.
مشكلة التعليم: ( لماذا يتهرب الإعلام العربي من مناقشة قضية التعليم بصورة مهنية بعد ان تدهور مستوى الطلاب..) ص22.
ندم: ( حاول “خالد” ان يمسح آثار ما حصل البارحة مع “جنة” ! وجلس يعاتب نفسه كثيراً عما اقترفه! كيف انفلت بهذه الطريقة ؟ وكيف خان زوجته وأم عياله ؟ كيف تجرع الويسكي والفودكا ؟ وهو الذي لم يشرب خمراً البتة.. ) ص 109.
ظلم: ( الظلم في النهاية ، لا بد وأن يدفع ثمنه بعض المخلصين والأوفياء .. كم من الشخصيات انحنوا .. فذهبت ريحهم وصاروا يعانون العنة المبكرة مع زوجاتهم لأنهم ( ضلوا عن سواء السبيل ) التقرب إلى النافذين يحتاج تضحية بل لإلقاء الذات واعتبارها من مسوخ قبائل الزولو أو تميمة من تمائم قبائل الأبوروغني الأسترالية ) ص157.
يأس: يئس ناصر من حب شيخة رغم كل محاولاته وإصراره على التقرب منها. لقد أصبحت شيخة ذكرى . ذكرى لوطن اعتبره ناصر سيحميه وسيدفئه ويعينه على النائبات . لكن شيخة ما عادت تهتم به ولا لرومانسياته . كانت حياتها والحفاظ عليها أهم ، واستجابتها لطلبات الشارك أهم. خلع ناصر القناع وذهب إلى المسجد مستعيذاً بالله من الشيطان الرجيم) ص207
وفي نهاية قراءتنا لهذه الرواية الشيقة لا نستطيع إلا أن نغبط الدكتور أحمد عبد الملك لجرأته وصراحته غير المعهودة في الروايات الخليجية  حينما وضع يده على الجرح مستعرضاً كل المشكلات والأمراض الاجتماعية التي تعاني منها مجتمعاتنا بشكل عام والتي تضع القارئ في خانة الحيرة والقلق والاضطراب…

* كاتب وناقد من الأردن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق