أخبار وإصدارات

تجربة جديدة على المسرح: وللمعوقين دور في حياتنا

محمد اللمداني*
في قاعة امتلأت عن آخرها و ضمت أكثر من مائتين شخص، رُفع الستار لأول مرة في مدينة مونتريال الكندية عن مسرحية غنائية- درامية أبطالها جميعهم من المعوقات، حيث استمر العرض لمدة ساعة و نصف الساعة تقريبا تحت تصفيق حاد من الجمهور الذي كان أغلبه من الكيبيكيين، وقد جاء العرض بعد عمل دءوب ترأسته وسيلة حجابي وهي معوقة جزائرية تقيم في كندا منذ أكثر من سبع سنوات، وقد جاء العمل بعد مجهود استمر لمدة سنة تقريبا، و قامت حكومة الكيبيك بتقديم التغطية المالية الكاملة لهذا العمل الإبداعي. كان موعد رفع الستار عن مسرحية أشاهدها لأول مرة على الساعة السابعة تماما من نهاية الأسبوع الماضي، و كنت متشوقا لذلك فلم يسبق لي أن شاهدت مسرحية أبطالها من المعوقين،حيث كان هناك الكثير من التساؤلات دفعتني للذهاب إلى المركز الثقافي لـ”هنري بوراسة” في شمال مدينة مونتريال، رغم أن الوصول إليه يحتاج حوالي الساعة و الربع تقريبا،ولكن كل العوائق التي حدثتني فيها نفسي زالت بعد أن اتخذت قراري بالذهاب إلى هناك رغم المطر و البرد و بُعد المسافة. وصلت إلى المركز قبل الوقت بقليل، اتخذت مكاني مع ضيفين رافقاني، و بدأ التوافد على المسرح الذي يضم حوالي 200 كرسي تقريبا، أعلنت الساعة دقاتها السبعة و لكن الستائر لم تُرفع، بدأ الشك يراودني، فربما قرر المنظمون تغيير البرنامج، أو أن هناك معوقات تقنية منعت العرض في الوقت المحدد، و لكن لم أنتظر طويلا.. حيث ظهرت سيدة قالت بفرنسية بسيطة، أن هذه التجربة ستكون رائدة في حال تعاطف الجمهور معها، و دعم المساعي الرامية إلى إدماج المعوقين في المجتمع، و كان إلى جانب السيدة امرأة أخرى تترجم ما تقوله الأولى بالإشارة لأناس لا يعرفون لغتنا..توقفت السيدة عن الكلام المباح و أعطت إشارة الانطلاق.
* مسرح التفرد
بدأ العرض.. و بدأ الممثلون يتقدمون إلى الركح،كان السيناريو أبسط بكثير مما تخيلت، لقد قام عدد من المعوقين بالحديث عن معاناتهم مع الكرسي المتحرك، و ما الذي كان يواجههم حقيقة في حياتهم.
كانت هناك سيدة قالت” أجلس هذا الكرسي منذ 38 عاما، أنا لا أستطيع الكلام أو الحركة إلا بمساعدة الآخرين، و أنتم تنظرون إلي و تستمعون أيضا عبر جهاز تمَّ تسجيل كل ما أريد  قوله عليه، و لكن رغم كل ذلك، أتمنى منكم أن تتقبلوني كما أنا، و أن أكون في مجتمعكم فلدي الكثير من الأشياء يمكن أن أضيفها”.
و تتالت القصص التي كانت تنتهي دائما تحت تصفيق حاد من الجمهور، كانت الإضاءة تُعطي مسحة من الحزن، فهي مزيج من الألوان الداكنة، و لكن كان هناك دائما شعاع من سقف المسرح يهبط على الممثلة التي تمثل أو تتحدث إلى جمهورها، و كأن هناك من يريد أن يقول أن الله موجود في كل مكان رغم أنهم لا يؤمنون هنا كثيرا.
* الغضب الساطع
..وظهرت وسيلة على المسرح بكرسيها المتحرك و سردت قصتها على الحضور” أنا متزوجة من رجل غير معوق، و لدي ولد واحد منه اسمه ” خليل” و لكن الجيران لم يؤمنوا بذلك، وعندما شاهدوا زوجي للمرة الأولى كانت صدمة عنيفة لهم، لأنه حسب رأيهم لا يمكن لمعوقة أن تتزوج من رجل غير معوق، لقد تزوجت أثناء دراستي في فرنسا من جزائري يعرف كيف يحترم المرأة و يقدرها”.
لم تتوقف العروض على سرد المعاناة الشخصية لكل واحدة من المشاركات اللواتي بلغن ثمان نساء،بل تخللتها أغنية “سلمى يا سلامة”  مع بعض الرقصات بالكرسي المتحرك، بالإضافة إلى عروض مسرحية قصيرة بمثابة “اسكتشات” كانت جيدة النص و التمثيل، و لكن كان أكثر النصوص تأثيرا عندما تحدثت امرأة كيبيكية معوقة اسمها ميشيل عن ” فلسطين” و تحدثت عن القصف الإسرائيلي و معاناة الشعب الفلسطيني تحت القصف،كان التصفيق حادا، و كان الحضور متفاعلا جدا مع العروض على اختلافها.
* ليس كل شيء
لم يكن ذلك كل شيء، بل كان يوجد على هامش العرض بعض اللوحات الزيتية و الرسومات و الصور الفوتوغرافية التي شارك فيها المعوقون، كما شاركت وسيلة ببعض الرسومات في صالة ضمت كل أعمال النساء المعوقات.
* من وراء الستار؟
بعد انتهاء العرض و مشاهدتي لمعرض الرسومات و الصور، التقيت بـ “وسيلة حجابي” و طرحت عليها بعض الأسئلة، أخبرتني بصوتها ذو الطبقة العالية، و كأنها تريد أن تقول ” أنا هنا و لا يمكن لإعاقتي أن توقفني”.. تحدثت دفقة واحدة” أنا متحصلة على ديبلوم في البيولوجيا من جامعة باب الزوار في أوائل التسعينيات، ثم انتقلت إلى العاصمة الفرنسية باريس من أجل إكمال تحصيلي العلمي، وقد تحصلت على عدد من التدريبات العلمية، و شاركت في مشروع بحثي عن السرطان، و لكن لم أستطع أن أكمل دراستي بسبب زواجي، و أنجبت ابنا وحيدا،ثم انتقلت إلى انجلترا و بعدها إلى الجزائر، إلى أن استقر بي المطاف هنا في مونتريال منذ حوالي سبع سنوات،وأنا أعمل موظفة في أحد المؤسسات الخاصة المهتمة بالنساء وهذا هو السبب أن جميع المشاركين في العرض كانوا من النساء، و أضافت إن الإعداد لهذا العمل استمر سنة كاملة، وقد استطعنا أن نتمه بمساعدة الحكومة الكيبيكية التي غطت كل المصاريف اللازمة، لقد حاولنا أن نقول أننا موجودين ،وقادرين على عمل الكثير”.
نظرت في عينيها قبل أن أودعها فوجدت بريقا حادا يدل على الإصرار و التحدي، و قلت في نفسي من هو المعوق؟ و جاءتني الإجابة أن المعوق هو الذي ينظر للآخرين على أنهم معوقين(….).
قبل أن أغادر، تحدثت إلى أحد المشاركات في العرض وهي امرأة كبيرة في العمر، قالت لي جملة واحدة”لقد انتظرت هذه اللحظة 67 عاما”.
كان ردي في نفسي.. يا هل ترى كم من السنين سينتظر في بلادي المعوقين حتى يأخذوا حقوقهم، رغم أنني متأكد أن الأسوياء لم يحصلوا على حقوقهم حتى الآن(…).
م.ا

*كاتب صحفي وباحث يقيم في كندا، وحاصل على إجازة في اللغة الفرنسية والاتصال.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق