قراءات ودراسات

يتامى فى مملكة الأبدية

أحمد الشريف

” أزمة تولستوى “, أعتقد أن معظمنا قد قرأ أو سمع عنها . فعندما اقترب من عامه الخمسين , كان يشعر بالضياع والاكتئاب , ومرت عليه لحظات أحس انه لايعرف كيف يعيش أو ما الذى يمكن أن يفعله ؟, وكان يسأل نفسه عن جدوى الحياة وعن غايتها . , وكتب فى كتابه ” الاعتراف ” : ان حياتى ماهى الا أضحوكة مريرة جعلنى شخص ما هدفا لها ” , … حسنا ! , ولكن هل هناك علاقة بين ما ذكرت وبين هذه المجموعة الجديدة “يتامى ألابدية ” للروائى والشاعر حسنى حسن؟ , الاجابة, نعم. لقد بدأت المجموعة بقصة ” الشاعر منتحلا “, تحدث فيها الراوى عن تولستوى ورسالته الأخيرة الى صوفيا قبيل هروبه من ” يوسنايا بوليانا ” , ثم يعود تولستوى بحضوره الكثيف الفاتن مرة ثانية فى قصة “على رصبف محطة نائية ” , والتى يتحاور فيها الراوى مع العجوز تولستوى على رصيف قطار هذه المحطة النائية , ثم يطرح علينا وعلى نفسه سؤالا: “هل يؤمن أحد, حقا, بقدرة العمل على شفاء النفس من محنتى الحب والوجود ؟ “, هكذا اذن يتسلل تولستوى ومحنته داخل هذه المجموعة التى تطرح أسئلة – كدأب كتابات حسنى حسن – عن الوجود والحب والحياة والعمل , ” ماذا يشتهون فى الحياة كل هذا الاشتهاء؟! ان كل مافيها ماض الى الانحلال والى الزوال , لاشى يبقى منها , لا الثروة ولا المجد ولا السلطة . ” قصة ( أمانة يابحر) , رغم مرارة أسئلة الراوى الا أنها لا تقتصر فقط على الشعور باللامعنى واللاجدوى والقلق , التوتر لحظات السعادة قصيرة ألاجل والحب الضائع. بل هناك أيضا تيمات وأفكار أخرى مبثوثة فى ثنايا ونسيج قصص المجموعة. هذة المجموعة ومن القراءة ألاولى, يخرج القارىْ بقناعة, عن مدى زخمها, كثافة وعمق أفكارها ورؤاها , ثراء وغنى لغتها , وجمالياتها الفريدة: بناءا , وصفا, حوارا, وأسلوبا. ولما لا وكاتبها هو حسنى حسن صاحب “اسم آخر للظل ” و” المسرنمون “, أحد أهم كتاب جيله ؛ بعمق ثقافته وتنوعها وتمكنه من فن القص والشعر بصفة خاصة وعوالم وأسرار الكتابة والنقد بصفة عامة. لقد عاد بهذه المجموعة القصصية بعد فترة غياب عن الساحة ألادبية التى افتقدته وافتقدت كتاباته ورؤاه .نعود الى خصائص وسمات المجموعة. لعل اللغة سمه وملمح بارز فى هذه المجموعة , مع ذلك لن أتوقف طويلا عند هذه السمة, فقد بات معروفا ومنذ صدور “اسم آخر للظل “أن للكاتب لغة قوية, مصقولة, محكمة, مسيطرا عليها مع ثراء فى المعجم اللغوى ومرونة وقدرة فائقة فى استخدام وتوظيف الكلمات والجمل وتحميلها بطاقة دلالية شاعرية وشعرية معا. يمكننى القول إنها لغة مشبعة بالشعر . هناك جمل وفقرات أقرب الى القصائد أو هى كذلك بالفعل , حسنى حسن شاعر فى نثره وناثر فى شعره , : ” من يأمر الربيع بالمجىء فى مواعيده , بلا تأخير , لتزهر نبتة القلب اليابسة وتتبرعم ؟ من يأتى الحقل , البور الخرب , بصيف الأثمار ومواقيت الحصاد الباقية؟ واخيرا من ينشر عباءة الخريف الصفراء فوق عشب الغابة العجوز ؟ ” قصة (حلم. من اللغة الى الموسيقى , وهى سمة مهمة فى المجموعة ؛ لأن معظم القصص وكما ذكرت , تزخر بأفكار ورؤى عن , الحياة , الحب , الزمن , السلام , الفناء والخلود الخ والموسيقى تقوم بدور الإيقاع المريح الذى يضبط قصص وأجواء المجموعة ويخفف بسلاسة من كثافتها وحمولتها الفكرية وأسئلتها الشائكة . كما أن الرواى يحب الموسيقى ويلتحم ويذوب مع النغمات والألحان , بل ويحلل ويشرح القطع الموسيقية والسيمفونيات والكونشرتو و هذا يبين فى سياق السرد والحكى , بلا تعسف أو ادعاء. ” ومن مشغل الموسيقى , راحت تنساب نغمات البيانو لسوناتا ضوء القمر لبيتهوفن ” قصة (ميشكين) أو سماع الراوى لعذابات القديس ماثيو , ويسأل فى قصة ( نهار سكندرى ) لماذا يوهان سباستيان باخ أكثر من غيره من المؤلفين الذين يحبهم جميعا؟ , ليس باخ فحسب بل يحب أيضا نغمات وموسيقى بوليرو رافيل , قصة ( أمانة يابحر ) , وفيروز وأم كلثوم ومحمد منير , وسيمفونية بتهوفن التاسعة , وكونشرتو الجيتار المعروف باسم ألاندلس , لرودريجو ,قصة ( متحف الهباء ) , وأنغام نزوة تشايكوفسكى الإيطالية النزقة المترعة بالحزن , قصة ( أسفل شلال) , وموسيقى أو برا كارمن لبيزيه , قصة ( أم ملاك) الخ , هكذا وفى جل القصص يلجأ الراوى للموسيقى ؛ كى يحس بالراحة العميقة والهدوء وفى أحايين يشعر بالبهجة والخفة وجمال الحياة . ضمن سمات المجموعة أيضا , تداخل ألافكار الكبرى , الخلود , الفناء , الانحلال والزوال , مع ما هو آنى وشائع ويشغل الرأى العام , ” ألاكسجين السام والمعجون بملح الغم والقهر والهزيمة , الذى تتنفسه أمة واحدة ذات رسالة خالدة , تتمدد خيبتها , وتجترح عورتها , من المحيط الغادر إلى الخليج الفاجر . ” , قصة ( 55أعسطس) , من سمات المجموعة كذلك , جلد الذات . فى أكثر من قصة نجد الراوى يجلد ذاته والآخرين , ” أولئك الذين بعتهم أفكارى وأحلامى ومواهبى , وابتعت منهم سيارة كورية وشقة ساحلية ووظيفة رسمية .” قصة (ميشكين) , أيضا السخرية من نفسه وممن يعرفهم , كما فى قصة ( تيوس وماعز ) , ” كان صهره المقاول الثرى , رجلا جسيما قويا , يصرخ كل شىء فيه بالرغبة فى الحياة . كان يقدم على فعل كل شىء بشراهة تثير عجبه وحسده معا , يأكل بشهية , يضحك بشهية , يساوم بشهية , ومن المؤكد أنه يضاجع كذلك بشهية ” , وفى قصة (سبل الهرب) تقول له نهال : رأيتك تمجد العذاب . فيجيب , إن العذاب والعذوبة مشتقان من نفس الجذر اللغوى , ثم يطرح السؤال بصيغة ثانية , كما فى قصة (الضفة الأخرى لليل) ,” هل هى محض مصادفة أن يكون للكلمتين نفس الجذر اللغوى الواحد ؟” , من جلد الذات والسخرية والعذاب والعذوبة الى حالة القرف والسأم من كل شىء , ” أتساءل , لماذا لانريح أنفسنا؟ لم يعد لنا إلا عشرون سنة أخرى , فى أفضل التقديرات , فلماذا نهدر خمسا منها فى سجن الوظيفة ؟ لماذا ينبغى على أن أنزل الى الشارع كل يوم ؟ وتصدم عينى القذارة والفوضى والعشوائية , والسماجة …ولماذا لا ننأى بأنفسنا عن ذلك كله , وننزوى بعيدا ” قصة ( أسفل شلال ) . رغم جلد الذات وحالة القرف والسأم والعذاب وسطوة الزمن والظروف السيئة وخيبة ألامل فى أشياء كثيرة , إلا أن هناك ما يخفف من هذا ويجعل الراوى يحس بالرغبة فى الحياة وفى لانهائية ممكنات الوجود ؛ أعنى النزعة الحسية فى ثنايا المجموعة.

حب الطبيعة ووصف تكويناتها بشغف , أعنى أيضا , التقاء الراوى بنساء يوقظن فيه مشاعر وأحاسيس , اعتقد أنها زوت , كما فى قصة ( نهار سكندرى) , فقد أثارت فتاة محجبة , تجلس على المقهى لحالها , الراوى , كانت تجلس وتدخن السجائر بثقاب مستعار من الرجال وتقرأ فى كتاب , وقد سبب هذا المشهد له , ربما ما هو أكثر من الدهشة , وتسأل , : فضول معرفى , أم يشوبه شىء آخر له علاقة بكون ” قارئة الكتاب قارئة وليست قارئا ” , حدث ألامر نفسه مع الراوى فى قصة (مجرد صدفة), عندما اقتربت منه امرأة وتكلما معا ثم ركبت الترام , بعد أن تبادلا أرقام التلفونات ووعدته إنها سوف تتصل به, ” فيما راح
هو يتتبع جسدها الصغير, المكتنز باهتزازات أنثوية أهاجت أشواقا, وأشعلت رغبات. لكن وقبل أن أنتقل لملمح آخر , أحب طرح هذا السؤال , حالة جلد الذات وسخرية الراوى المريرة وعدم رغبته فى النزول للشارع كى لاتصطدم عينيه بكل ما هو سىء, ألا تعنى فى قراءة ثانية , رغبة دفينة ومشروعة فى البحث عن المثال , وسعيا وحلما للكمال والجمال؟ ,” كنت تتخيل أنك قادر على تغيير العالم , انظر , العالم لايتغير , وإنما نحن . ” قصة (وجوه الملاك) من خصائص وسمات المجموعة , استحضار شخصيات أدبية وسياسية وتاريخية. فالراوى فنان مثقف يعانى نفسيا وبدنيا وصارت تنغص عليه حياته , أمراض القلب والضغط والنقرس, رغم ذلك لا يتوقف عن كتابة الشعر والقصص والتحاور فى خياله وأحلامه , مع كتابه المختارين و أسماء وشخصيات لها وزنها ومكانتها فى تاريخ الاسكندرية وتاريخ وسياسة العالم.
هذه الشخصيات تم توظيفها فى نسيج السرد والحكى. وصل هذا التوظيف لذروته فى قصة (على رصيف محطة نائية) إحدى القصص الفريدة, عندما استدعى الراوى تولستوى وجعله يجلس على رصيف إحدى المحطات ويكلمه عن الماضى والحاضر , ثم قصة (حلم عقبة) و قصة (الكافلى ألاخير) , التى تماهى فيها الراوى مع إبراهيم باشا , وألاب مع محمد على . أيضا تلك القصة المهمة (أندلس لشام) التى أعتبرها كجسر يربط قصص ألاسكندرية مع قصص المغرب ؛ فالراوى يحكى عن ” الكتاميين ” فى جبال الريف الشمالية فى المغرب , ثم يرجع بذاكرته الى قرية فى الدلتا المصرية, اشتهرت بصناعة ألاثاث , اسمها ” كتامة الغاب “. يعود أساس التسمية للخلفاء الفاطميين الذين قد وهبوا إقطاع هذه المناطق لأمراء الجند ” الكتاميين” ,هذه القصة يمتزج فيها ويشتبك حب الطبيعة ووصفها بالتاريخ بالعلاقة الملتبسة بين الراوى والمرأة التى معه فى السيارة وزوج المرأة, سائق السيارة. ومن الشخصيات وتوظيفها ,للمكان وتبدلاته, حيث تحرك الراوى فى شوارع ألاسكنرية وطرقاتها ومقاهيها وبيوتها وقبل كل هذا , بحرها ومواقعها التاريخية. غير ان الراوى انتقل بنا وتحرك وأحب أيضا مكانا آخر , فمنذ قصة (باب الرواح), انتقل الراوى للمغرب , واستبدل بحر ألاسكندرية بالمحيط ألاطلسى , وشوارعها بشوارع , الرباط وفاس وطنجة , شارع محمد الخامس , علال بن عبدالله , السويقة , قصبة الوداية , نهر أبى رقراق , جبال ألاطلس , غابات البلوط والصنوبر والوديان الخضراء الخ , لكن فى قصص المغرب كما فى القصص السابقة , لم تتغير أشياء كثيرة فى رؤية الراوى وتطلعاته وفلسفته الخاصة للحياة والبشر . غير أن هناك ملمحا مهما كان فى قصص ألاسكندرية واستمر بعد تغيير المكان والسفر للمغرب . وهذا الملمح أحب أن أختم به قراءتى لهذه المجموعة ألاستثنائية : البحث عن حب ضاع وفقد . حب وحيد كالجرح الغائر , تملك الراوى فى شبابه ولم يستطع الخلاص منه ؛ لذا كان يبحث عنه فى أى مكان , ومع أى أمرأة .” ولكنى فى أنتظار صديقتى ” قصة ( باب الرواح ) , ” وهل تيقنت من وجودها هناك ؟” قصة (فات الميعاد) ” ماعادت , بعد , موجودة , أنها ما كانت أبدا موجودة ” قصة ( حلم عقبة ). ولعل قصة ( وجوه الملاك) تعضد فكرة الحب الضائع أو المفقود ؛ فشخصية ” حنان حكيم ” , كانت فى رواية ” اسم آخر للظل “, الرواية ألاولى لكاتبنا .
هذا الحب , ضاع أوفقد بفعل ظروف الحياة ومشاكلها , بفعل القسوة والتعنت والمعتقدات الجامدة , بفعل ضعف ألارادة وقصور الطرفين وربما بسبب السفر . تعددت ألاسباب , لكن لماذا البحث ؟ , لقد ” فات الميعاد” لم يبق لأستعادة هذا الحب سوى الذاكرة , تلك الذاكرة التى اختزلت كل أفراحه ولذائذه وأوقات المتعة والبهجة . مع هذا فإن هذه الذاكرة , لاتقدر , على أعادة ذلك الحب للحياة , كما أنها ذاكرة أنتقائية, مراوغة, يصعب أن تثق بها . ربما ألاجدى سماع واتباع نصيحة الكاتب والشاعر الروسى , أندريه فوزنيسينسكى , ” لا تعودوا إلى ألاحبة القدامى , فلا يوجد فى هذا الكون أحبة قدامى ” .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق