الإثنين , أغسطس 21 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة المقال | زمن الإحساس الجميل.. والإنسان الجميل

زمن الإحساس الجميل.. والإنسان الجميل

بقلم: زينب.ع.م. البحراني

كُلّما سمعت عن (زمن الفنّ الجميل)، أفكّر بزمن (الإحساس) الجميل. فلولا أنّ إحساس الإنسان العربيّ في تلك الفترة كان أكثر عذوبةً واهتمامًا بالفكر والفنّ والأدب رغم الأميّة والفقر و كوارث الاحتلال في أكثر من بقعةٍ عربيّة…

 

 

ما كُنّا حظينا بهذا الميراث النّفيس من أرقى نماذج الإبداع على اختلافها. وكلّما شاهدت فيلمًا سينمائيّا عربيّا قديمًا، أو تصفّحت مجلّة صدرت قبل أربعين سنة، أو قرأت كتابًا ولدت أولى طبعاته بين ستّينات وسبعينات القرن العشرين، يُفاجئني التقدّم الحضاريّ والفكريّ الذي كان عليه إنسان تلك الفترة، فتتضاعف دهشتي من تقهقر أحاسيس الكائن البشريّ في منطقتنا العربيّة وأسلوب تفكيره وصولاً إلى القحط الحضاريّ الإنسانيّ. مؤخّرًا كُنت أقرأ مقالاً للشّاعر المرحوم (نزار قبّاني) بعنوان: (الله.. والشّعر)، فاستوقفني منه هذا النّص: أكيد أنّ الإنسان وحده يملك نزعة تذوّق الجميل والتّعبير عن هذا الجميل. فالحيوان لا يهتمّ بالنّجوم، ولا يعنى بروعة المغارب ولازوردها السّائل، ولا يلتفت إلى الزّهرة ولا يحملها إلى مسكنه ولا يتزيّن بها. وإذا اهتمّ بالزّهرة فلكي يأكلها ويشرب عصيرها كما تفعل النّحلة. عندها لم أتمالك تساؤلي السريّ السّاخر عن عدد أولئك الذين يستحقّون اليوم مسمّى (إنسان) وفق هذا التّعريف النّزاريّ الشّاعريّ أمام عدد المخلوقات المسجّلة في صحيفة البشريّة رُغم أنّها لا تربطها بالأزهار علاقة غير علاقة الدّهس إن صادفتها؟!. كم عدد الذين يتأمّلون الجمال المعنويّ والحسّي بأبصارهم وبصائرهم قياسًا إلى الكائنات البشريّة النّمطيّة التي لا تعيش لغير اتباع نداء غريزتها مُقلّدة فيها الآخرين بإمّعيّة اتكاليّة لتسيّر شؤون معيشتها الضّروريّة دون تفكيرٍ عميق أو مُحاولة لفهم ذاتها بجديّة تؤهّلها لوعي حقيقيّ تجاه نفسها ومن حولها وما حولها؟. نحن نعيش وهمًا كبيرًا اسمه التقدّم اتّكاءً على انفجارات العولمة التّقنية التي ضاعفت من استهلاكنا لما تتصدّق به علينا دول مازالت تعيش زمن فنّها الجميل، وأدبها الأنيق، وثقافتها الرّاقية، إلى جانب اهتمامها بالعلم المُجرّد. بينما تواصل أحاسيس الكائن البشريّ لدينا ومقدرته على تذوّق الجمال تقهقرها المُتسارع ليفقد هذا الكائن فلذة من إنسانيّته وتحضّره الرّوحيّ بمرور كلّ يومٍ من عمره. وبدلاً من أن يزداد رُقيًا في تفكيره وسلوكه مع سنوات حياته، تكون أقصى مراحل رُقيّه هي مرحلة الطّفولة التي يُغادرها دون نضج يؤهّله للتّفاعل البنّاء مع المُجتمع، فيُساهم في رسم صورة البشاعة والوضاعة والتخلّف الإنسانيّ على أكثر من صعيد، ومُضاعفة شعور الإنسان ذي الأحاسيس المثقّفة بالوحدة والانعزال أمام هذا التيّار الجارف من الخواء الذّهني والرّوحي المُتصاعد. والأسوأ من هذا وذاك أنّ هؤلاء يسيرون على مبدأ: ” رأيي صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ لا يحتمل أدنى صواب”!، ويكاد كلّ منهم أن يُصارع خلق الله لأجل فرض آرائه الشّخصيّة على حركات الآخرين وسكناتهم، وكأنّه موفد السّماء المنزّه عن الزّلل!!. لكن مع كلّ هذا، ورُغم كلّ هذا، يبقى لهذا الزّمن، مثلما لكلّ زمنٍ أشخاصٌ قادرون على صنع ذاكرة جميلةٍ جديدةٍ للفكر والفنّ والأدب بموهبتهم، وإيمانهم، وصبرهم، وإصرارهم، وتعاونهم، وأحاسيسهم النّادرة، ومبادئهم النّقيّة، وحبّهم للخير والسموّ والجمال.

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

عن ايزابيل الليندي وصالح علماني

فوزية خليفي حين تكتشف “ألما” أنها صارت تحتاج إيجاد طرق لتفادي صعود الدرج، أو تخمين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *