الموقع

يحدث في مملكة الصمت: عبدالعزيز الوهيبي…حين ُتغتال الوطنية الحقة!

بقلم د. وليد بن محمد الماجد

نشعر بالحسرة إذ نتخلى اليوم عنهم في السجون، ما عاد تجدي الكلمات…تظل الحروف قاصرة عن وصف مشاعرنا الحزينة  تجاه رجل يربض في السجن فقط لأنه أحب هذا الوطن، أحب أهله، وأحب أن يشاركههم أحزانهم وآلالامهم. كان يستطيع أن يكون كغيره مهووساً ب (همه المعيشي) بوظيفته وأطفاله وبيته وزوجه لكنه أبى…أبى أن يعيش كغيره على قارعة الطريق. طيلة عمره اختار الناس على نفسه فكان مدرسة في التضحية والفداء، لا لشيء فقط من أجل هذا الوطن وهذه الأمة التي أراد أن تكون من خيرة الأمم. كان استاذ جامعي بقسم الفيزياء-جامعة الملك سعود ليقرر بعدها الانعتاق من عبودية الأسوار والتدجين ويدخل في عضوية (لجنة الدفاع الشرعية) لتتعرض حريته بعدها للاغتيال لمدة تزيد عن ثلاث سنين ونصف بدون محاكمة أو قرار قضائي. قرر الوطن بعدها أن يضيّق عليه في لقمة العيش ففصله عن العمل. ألن يشفى غيضك يا وطن لو -على الأقل- نقلته إلى مكان آخر؟! عندما قرر عبدالعزيز الوهيبي التضحية من أجل هذه الأرض أيقن أن البذل في هذا الطريق ليس له حدود ولذلك كان فصله عن الجامعة بداية لمرحلة جديدة للانخراط في عمل المحاماة ويسخر نفسه في حوادث كثيرة مدافعاً عن الأرامل والمطلقات والاصلاحيين أمام القضاء وبالمجان…هكذا تكون حياة المخلصين من أبناء الوطن فبينما استغل الكثير العمل الإصلاحي ليفرط في علاقات تجارية ويجني الكثير من المال ويقتني القصر والمزرعة والسيارات، قرر هذا الرجل أن يكون ملاذ المعوزين والمحتاجين الذين أعياهم دهاليز القضاء وأروقة المحاكم. لقد وقف كالبطل أمام القضاء ينافح عن الإصلاحيين الدستوريين عبدالله الحامد وعلي الدميني ومتروك الفالح ليمنع بعدها من السفر ويسحب جوازه. كان موقناً أن الطريق (وعر) لكن الرجال وحدهم هم من يقرروا المضي في هذا الطريق.
لما اعتقل الدكتورمحمد العبدالكريم، جاءني وقت الظهيرة مسرعاً ووجهه مهموم، لم يصدق أن مقالاً يستحق أن ُيتعدى فيه على حرية إنسان. لم أرى شخصاً متفانياً مضحياً محباً لإخوانه كالوهيبي. لم ينفك يتصل بزوجة العبدالكريم يومياً يطمئن عليهم ويطيّب خاطرهم ويجبر كربهم. ما زالت حاضرة في ذهني تلك اللحظة…اللحظة التي زرنا فيها بيت العبدالكريم، فتح علينا الباب (راكان)، جلبه الى صدره، قبّل وجنة الصغير، ضمّه ثم بكى. لقد تجسد الطهر والزكاء في نفس هذا الرجل بصورة لم أرها في (اصلاحي آخر). لقد اختار الفقر وعاش حياة الكادحين وترك قرناءه يتقلبون في نعيم (الدولة). لقد خذله القريب قبل البعيد وتخلى عنه الجميع ليقف مذهولاً من عقوق الوطن والمواطنين له. شخصية لم تعرفِ التعصبَ قط، لا لمذهب ولا لحزب ولا لفكرة ولم يكن مخاصماً فاجراً، بل مبتسماً بشوشاً سهلَ المعشر، يحب الناس، صغيرهم وكبيرهم ويقضي معهم وقته، يقاسمهم أفراحهم وأتراحهم. إنه بقية من الصادقين المخلصين لهذا الوطن.
ترك اعتقال العبدالكريم أثرا سيئاً في نفسه، تبعه تدهور أعماله في المكتب جراء امتناع أحد حد وجهاء البلد من دفع مستحقاته المالية ليدخل بعدها في ضغوط مالية جرّته سريعاً للإكتئاب. كان متوجعاً طريح الفراش، رغم ذلك جاءه بعض الإصلاحيين ليعرضوا عليه فكرة التقديم للمقام السامي الملكي لإنشاء حزب سياسي سلمي فوافق على الفكرة كعادته من دون تحفظ. تم استجواب جميع أعضاء الهيئة التأسيسية للحزب وأخذ تعهدات خطية على الجميع بأن تأسيس الأحزاب في السعودية محرمة شرعاً بنص فتوى هيئة كبار العلماء ثم اطلق سراحهم إلا عبدالعزيز الوهيبي، بقي في السجن. تم إحالته في يوم الخميس الموافق 13-3-1432هـ إلى سجن الحائر وتصل الأخبار إلى زوجته الملكومة الحامل في الشهر السابع لتتعرض إلى ولادة مبكرة لتكون العائلة أمام مشهدٍ (تراجيديٍ) قاسيٍ جداً، حرية الأب وابنه لا تجتمعان. تفيق الأم المكلومة بعد العملية القيصرية منهكة متعبة وفي يدها (رضيع) بلا أب.
يتعرض بعدها عبدالعزيز الوهيبي إلى ضغط نفسي رهيب جراء وضعه في زنزانه انفرادية لمدة 3 أشهر إذ حرم خلال هذه المدة من جميع الإتصالات والزيارات بزوجته وأولاده. تحاول زوجته أم ابراهيم مع وزارة الداخلية في اتصالات متكررة السؤال عن زوجها الغائب وتبدي قلقها على زوجها وصحته حيث الأنباء تصلها أن زوجها تتدهور صحته بشكل ملفت. أخيراً وبعدة اتصالات، يرن الهاتف عليها وإذا به صوت عبدالعزيز، يسألها عن صحتها وعن ابنه الذي لم يراه. تصف المكالمة أم ابراهيم بانها كانت سريعة ولم يزد عبدالعزيز عن القول بأنه طيب ويلقى معاملة حسنة وبأنه سوف يخرج قريباً ولكن تنتظره مجرد بعض الإجراءات الإدارية. يذهب الأسبوع تلو الأسبوع ثم يرن الهاتف وإذا به صوت موظف وزارة الداخلية قائلاً: هناك زيارة لعبدالعزيز…..تكفكف عبراتها الزوجة محاولة القول له: (جزاك الله خير). يجيء موعد الزيارة وتحمل ابنيها معها ابراهيم والبراء، يمسك الأول في يده (تويكس) والثاني بيده (تشيبس) هدية الصغار، تغالب الجدة دمعها أمام هذا المشهد، لم تتمالك نفسها…تستسلم للنحيب. تتجه بهم أم ابراهيم من حوطة بني تميم إلى سجن الحائر، كان الإبنين كثيرا البكاء ويكثران السؤال: وين أبوي ومتى بيجي؟ موعد الزيارة ينتهي، تحاول الأم سحب أطفالها معها إلى الخارج ويصرالأطفال وهم ممسكين بيد أبيهم يجرونه ليخرج معهم خارج السجن. تتعالى أصوات الأطفال ويزداد البكاء…لا مفر من تطبيق القانون يا أم ابراهيم: يبقى الأب ويخرج الأطفال…المعادلة الصعبة! تصف الزوجة نحيب طفليها بالهستيري تقول: لم يتوقف بكاءهما إلى اليوم التالي، لقد كانت تجربة مريرة لها دخول هذا المكان. تتحدث معي في الهاتف تقول: ما زلت أرى تلك المرأة تبكي في الممر ولدها المسجون منذ سنوات، تبكي بشدة وترفع صوتها بالدعاء على من حرمها ولدها. تقول أم ابراهيم: كان الدعاء يلفه حسرة الأم حيث لا نصير لها في هذا الموقف إلى أن تتوجه إلى الواحد الديان. تسألني أم ابراهيم بعفويتها: ليش يسوون كذا يا أبو ريان؟ قلت لها: ثمة أزمة حقيقة في العلاقة بيننا وبين المسؤول، يبدو يا أم ابراهيم أن الثقة في السعودية معدومة بين الوطن والمواطن.
يتكرر الاتصال من عبدالعزيز على زوجته قبيل رمضان، تسأله الزوجة: هل فيه أخبار عن الخروج يا عبدالعزيز؟ يجيب بثقة العدل الذي يجيب أن يسود هذا البلد…بإذن الله أصوم معكم. في كل يوم من رمضان تجمع الزوجة (المكلومة) ابنيها على وجبة الإفطار وعينها على الباب، تمنّي نفسها أن يدخل عبدالعزيز قبل الأذان. كانت ترسل لي رسائل على الجوال قبل الآذان، مرة فيها دعاء بأن يفرج الله عن زوجها ومرة تحكي في الرسالة آلالام الفراق. يالله كم كانت تلك الرسائل تقتلني قبل الأذان… إذ في اللحظة التي نجلس مع أبناءنا نمازحهم ونضاحكهم على وجبة الإفطار، ننسى أسراً سعودية كثيرة ترفع التمرة ومعها تسقط الدمعة، هذا حالهم في رمضان منذ سنوات. هنا تحس بألالام الوطن وقسوته علينا حين يسرقنا من أطفالنا وزوجاتنا لا لشيء إلا لأننا أحببنا هذا الوطن وترابه، أحببنا أن نكون ناصحين له مشفقين عليه، فضلنا أن نكون صادقين معه ولم نشأ أن نخونه ونسكت عن أمراضه وأوجاعه. كان بإمكان عبدالعزيز وغيره من شرفاء هذا الوطن أن يكون وطنياً مزيفاً منافقاً يعتاش على الكذب وفقه الدجل ثم يذهب بعدها يتسول عند الأبواب أجر نفاقه لكنها الوطنية الحقة التي أملت على عبدالعزيز الوهيبي وتملي علينا جميعاً أن نضحي بجميع ما نملك حتى أرواحنا نرخصها في سبيل هذه الأرض الطيبة من أجل سيادة العدل والمساواة ورفع الظلم والقضاء على الغش والمحسوبية والرشوة والبطالة وجميع أشكال الفساد المستشري في البلد.
يسقط عبدالعزيز الوهيبي اليوم كما سقط غيره أمام المحكمة الجزئية المتخصصة بالرياض مضرجاً بإحدى عشرة تهمة تأتي في مقدمتها (الإفتئات على السلطة) كجريمة لم أعثر عليها في معاجم قانون كل دول العالم ويحرم من حقه في الدفاع والإستعانة بمحامي كأبسط حقٍ عرفته الدول الحديثة لتغتال في النهاية وطنيته الحقة الصادقة الغيورة على هذا البلد وأهله بسبع سنوات في السجن كعقاب موجع غائر يسري آلالامه وآهاته ليس فقط في دماء عبدالعزيز بل في شرايين أبناءه وأحفاده من بعده. إنها لعنة التاريخ ستلاحق الوطن الذي يقرر حبس مواطنيه.

الحرية لعبدالعزيز الوهيبي ولجميع المعتقلين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق