ثقافة المقال

الثقافة والحوكمة وضعف نظام الحوكمة في مجال الثقافة العربية

أسعد العزوني

هناك عناوين محددة تعطينا إنطباعا راسخا عن الدولة أي دولة ،وتكشف عن مستبقلها دون خوف أو وجل،وهذه العناوين في مجملها تنحصر في أدوات الحكومة التي يطلق عليها إسم الوزارات،فعندما تكون وزارة الدفاع قوية وتنتج أسلحة متنوعة وحديثة ،يكون لا خوف على البلد بعكس الدولة الضعيفة، التي لا تقوم تصنيع السلاح بل تستورده وتقع في حبائل المدينين العالميين يتقدمهم البنك الدولي، الذي يدور الحديث عنه هذه الأيام أنه يشتري صواريخ صينية ويقدمها لبعض الدول التي تخوض صراعات إقليمية ،ليس من باب التجارة بالأسلحة بل رغبة في جرها إلى شبكة مدينيه الواسعة .
عندما تكون وزارة الصناعة قوية وتشجع الإنتاج وتدعم المنتجين ،ندرك ألا خوف على ذلك البلد، الذي طبق ما قاله الشاعر اللبناني المغترب جبران خليل جبران:ويل لأمة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تصنع ،وكأنه يستشرف صادقا واقعنا العربي الحالي،بعد أن هجرنا الأرض وزرعنا فيها الكتل الإسمنتية، بدلا من الأشجار المثمرة والمزروعات ،وبتنا نستورد كل شيء من الخارج،ناهيك عن هجرنا للصناعة وإعتمادنا على الإستيراد من الخارج ،وحسب شروط المصدرين.
ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن أحوال وزارة الثقافة في البلد أي بلد تنبئك عن أحواله شعبيا ورسميا ،وتستطيع بنظرة واحدة إعطاء العلامة المناسبة لذلك البلد،لأن من يهمل الكل ،فإنه وبلا شك يهمل الجزء والعكس صحيح،وهذا حالنا في العالم العربي،فقد قبرنا ثقافتنا بكل ما فيها من رقي وغنى وتنوع،وإعتمدنا على الغرب وأخذنا منه أسوا ما عنده ،مع انه أخذ منا أفضل ما كان عندنا ،ونجح في نهضته الصناعية والزراعية والثقافية ،وبات في مصاف الدول المتقدمة بينما نحن نهبط إلى ما هو أدنى من الحضيض،وكأن العلماء والأطباء والرياضيين أمثال إبن سينا وإبن خلدون صاحب المقدمة العظيمة التي تحمل إسمه ،وغيرهما الكثير،ليسوا منا.
الثقافة هي أم الجميع من فنون وعلوم ،وهي أساس التنمية والإنتماء على حد سواء،وهناك علاقة راسخة بين الثقافة والتنمية ،كما ان التراث الثقافي يعد الحارس الأمين للأمم والشعوب حتى بعد إندثارها ،لأنه يبقى دليلا ساطعا على انها سادت يوما ما ،وبادت بحكم الحتمية التاريخية ،بدليل أن هناك من يدفع الأثمان الباهظة لشراء قطعة أثرية إما للإحتفاظ بها أثرا على حضارة أمة ما ،أو رغبة في إجراء البحوث والدراسات عليها لفك ألغاز من تدل عليهم.
التفسير المنطقي لتردي أحوالنا كعرب هو اننا أهملنا الثقافة ونحيناها جانبا ،ومارسنا ذلك فعليا من خلال تهميش وزارات الثقافة نفسها ،التي تعنى بالشأن الثقافي والتي يجب أن تكون وزارات سيادية ذات شأن ،لأنها حارسة الكنز ،كما أننا كعرب حكما على مثقفينا وخاصة الملتزمين منهم بقضايا أمتهم بالإعدام ولكن ليس قتلا ،بل جوعا وقهرا،فهم وبسبب تضييق الدائرة عليهم يجدون أنفسهم يصارعون الموت جوعا ويعجزون عن التصدي للفقر المفروض عليهم ،لكننا وفي ذات السياق نجد مثقفي السلطة ومفتي السلطان ينعمون بالمناصب والمكاسب ،ويمارسون رغد العيش .
نرى أيضا أن حكوماتنا تغدق على وزارات الدفاع ليس من أجل التصنيع العسكري بطبيعة الحال،ولا لحماية الحدود،فنحت نخرج من هزيمة مذلة إلى هزيمة أخرى أكثر إذلالا،لكن هذا الإغداق يكون لشراء أسلحة من الغرب بمليارات الدولات ،لينتهي بها الأمر إلى الصدأ في المخازن لقلة الإستعمال ،ولست أغالي إن قلت أن معظم الصفقات الفلكية مع الغرب، تكون “خاوة”أو رشوة كما يفعل المتمسح بالإنجيلية “المسيحية –الصهيونية”الرئيس ترمب،وهناك من لا ينفذ منها سوى بند العمولات لهذا الأمير أو ذاك صاحب التوقيع الماسي.
يتصدر العرب قائمة مشتري الأسلحة وتأتي السعودية في المرتبة الثانية عالميا،وبلغت حصة العرب التسليحية في العام 2016 “15%” ،من مجموع الفاتورة العالمية وقيمتها 1.57 تريليون دولار،ويبلغ متوسط الإنفاق العربي على السلاح 100 مليار دولار،وبحسب تقرير صادر عن المركز العالمي للدراسات التنموية في لندن ،فإن حجم التسلح العربي في العام 2015 بلغ 165 مليار دولار،ويتوقع أن يصل حجم التسلح العربي بحلول العام 2020 إلى 820 مليار دولار.
أما المشهد الثقافي في الوطن العربي كما أسلفنا فهو معيب ومخزي ،من كافة جوانبه ونواحيه، مع ان الثقافة هي السياج الواقي للهوية والوجود،لكن ذلك وعلى ما يبدو ليس في وارد المعنيين بالأمر ،وعليه لا بد من إعادة النظر في أنسابهم.
الثقافة في الوطن العربي مهانة من حيث إهمالها وتهميش المثقفين العرب والسيطرة والهيمنة عليهم،وتوظيفهم أبواقا جوفاء للسلطة أي سلطة كانت،فميزانيات وزارات الثقافة في الدول العربية متواضعة إلى حد العدم ،حتى ان ميزانيات هذه الوزارات نفسها تكاد لا تكفي لإصدار البيانات اللازمة في المناسبات الوطنية وما أكثرها، التي تخلد القائد الضرورة الملهم الذي لولاه لما تنفس الشعب الهواء.
لننظر إلى أوضاع المثقفين العرب بشكل عام وأعني الذين رفضوا وظيفة البوق الأجوف للسلطة ،فهم متسولون بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى،ويعيشون على الهامش ،وغالبيتهم وأنا منهم نادمون على إنخراطنا في العمل الثقافي بمعناه الحامي للهوية والوجود ،بينما نرى البعض ممن يعيشون على طريقة قراد الخيل يتصدرون المواقف والمواقع وهم يعلمون حقيقة أنفسهم أنهم “الرويبضة”.
لم تقف الأمور عند حد تجفيف المنابع المالية للثقافة ،بل وصلت الأمور إلى التآمر على المؤسسات الثقافية الوطنية وإعلان الحرب عليها ،وتأسيس منصات هزيلة أطلقوا عليها زورا وبهتانا هيئات ثقافية ،وأغدقوا عليها بالمال…هذا هو حال الثقافة والمثقفين في الوطن العربي ،وهذا ما يفسر سوء الحال والواقع الذي نعيش ،فبدون نهضة ثقافية وطنية قومية إنسانية لن تقوم لنا قائمة،فالثقافة هي الأساس الصلد للتنمية والإنتماء ،وهناك علاقة بين الثقافة والتنمية ،وهي أم العلوم،كما ان التراث الثقافي يعد الحارس الأمين للأمم حتى بعد إندثارهذه الأمم.
وفي سياق متصل فإننا نجد ان الحوكمة هي قضية ثقافية بإمتياز ،وربما تكون قاعدة الثقافة نفسها ،فهي ميزان العدل ،ولذلك يجب على كافة المعنيين إعادة النظر في هذه القضية وتبنيها رسميا ،لتكون هي المنارة التي تدلنا على الطريق حين يحل الظلام ،ذلك ان الحوكمة أصبحت مطلبا ملحا للإصلاح السياسي والإقتصادي على حد سواء،لأنها أصلا مشتقة من الحكمة في التعامل مع الأشياء والأشخاص ،ومن تدثر بالحكمة فلن يضل أبدا.
ترتبط الحكمة بالشفافية التي تعني الوضوح التام ،لأن الشفافية في حال توفرت في الحكم ،فإنها ستعيننا على إيجاد الحلول الناجعة لكل المشاكل التي تواجهنا،تماما كما هو الحال بالنسبة للعلاج ،ففي حال أعطى المريض طبيبه وصفا دقيقا لحالته ،فإن الطبيب سيكتب له الوصفة الطبية الصحيحة،ويحدد له العلاج الشافي.
عندما نعتمد الحوكمة المبنية على الشفافية ،فإن حالنا سينصلح في كافة المجالات ،فعلى سبيل المثال عندما يكون لدينا حوكمة سياسية ذات معايير عليا ،فإننا سننجح في الحصول على موقع مشرف لنا بين الأمم في الساحة الدولية،وفي حال كانت لدينا حوكمة إقتصادية فإننا سنصبح أولا منطقة جذب إستثماري للمستثمرين الداخليين والخارجيين ،بينما في حال كانت الديكتاتورية والظلامية هي التي تتحكم بالأمور ،فإننا حتما سنكون في صف المتخلفين إقتصاديا ،لإنعدام وجود قانون تدعمه الحوكمة وتزينه الثقافة بمعناها الشمولي.
البلطجة هي نقيض الحوكمة والثقافة،ففي حال كان هناك نظام بلطجة يفصل الخطط الإقتصادية على مقاسات جيوب المسؤولين الفاسدين،فإننا سنصبح سمكا صغيرا في بحر يعج بالحيتان ،نعاني من الفساد الذي لا مخرج منه سوى بالحوكمة والثقافة،وسنجد أنفسنا مضطرين للجوء للمرابين الدوليين وفي مقدمتهم صندوق النقد والبنك الدوليين ،كي يغرقونا بالديون على طريقة ” القاتل الإقتصادي” ،وسنرهن مواقفنا وكافة فضاءاتنا وإرادتنا لهم ،كما هو حاصل في العالم الثالث،ومن أسباب النجاح الحوكمي إعتماد مقولة”من أين لك هذا”؟ .
لا تأتي الأمور هكذا وبكبسة زر ،أو على طريقة “شبيك لبيك”أو “إفتح ياسمسم”،بل يتطلب الأمر منا في حال أردنا جادين النهوض ،أن نمهد الأرضية لخلق مجتمع مدني وطني وشفاف ،وليس كما هو الحال حاليا ،حيث السعي للحصول على دعم خارجي لتنفيذ مشاريع مشبوهة لخدمة الغرب ومخططاته ،بمعنى تشكيل طابور خامس مرخص ،يتجسس علينا جميعا.
نريد مجتمعا مدنيا منا وإلينا ،يعمل على تعزيز ونشر ثقافة الحوكمة الرشيدة ،وحقيقة الأمر ان هناك دولا عربية مثل تونس بدأت تولي هذا الأمر إهتماما واضحا ،من خلال عقد شراكات بين المؤسسات ذات الإختصاص مثل وزارة الشؤون الثقافية وهيئة مكافحة الفساد والإيسيسكو وإتحاد جامعات العالم الإسلامي واللجنة الإقتصادية لغرب آسيا “الإسكوا”،في مؤتمربعنوان”معا من أجل تعزيز ثقافة الحوكمة الرشيدة”، عقد لهذه الغاية في شهر مارس مآذار 2018،تحت رعاية الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ،ما أعطى الموضوع أهمية كبرى.
وتقوم وزارة الثقافة التونسية أيضا بالتشبيك مع جهات أوروبية فاعلة في مجال دعم الثقافة ،من خلال دعم وتنمية الحوكمة الثقافية المحلية :الآفاق والآليات،بهدف تعزيز اللامركزية الثقافية والنظر في التغيرات المتوقعة في العمل الثقافي،ومساعدة وزارة الثقافة التونسية في مجال السياسة الثقافية واللامركزية.
وبحسب الخبير د.مهند العزاوي ،فإن فلسفة الحوكمة تشكل دليل عمل مؤسساتي لا يقتصر على الإقتصاد فحسب ،بل يشمل مواقع ومجالات حياتية أخرى في البنيان المؤساساتي للدولة،لأنها تعمل وفق مباديء الشفافية والمسؤولية والمساواة.
يظن البعض ان الثقافة مرتبطة بالأدب والشعر فقط ،دون علم منهم أن الأدب والشعر والقراءة بشكل عام،ما هما إلا نقطة صغيرة في بحر الثقافة بمعناها الشمولي ،والتي تسمو بصاحبها في فضاء التميز ،وفي حال إرتبطت الثقافة بالحوكمة،فإن صفة التميز ستنتقل حتما إلى الدولة والحكومة ،وبالتالي تصبح سمة حميدة من سمات الشعب أيضا،بدلا من حصرها في الشاعر أو الأديب أو القاريء.
من هذا المنطلق يتطلب الأمرإعتماد حوكمة الثقافة لضبط المسار ،وضمان الوصول إلى الحكم الرشيد في نهاية المطاف،ويتطلب الوضع أيضا إقرار القوانين والتشريعات العادلة الضامنة لحقوق الجميع ،بهدف تحقيق العدالة والمساواة وتوفير الفرص للجميع.
علينا في حال عقدنا النوايا الصادقات على التغيير الإيجابي في كافة مناحي حياتنا ،ان نعتمد الحوكمة كثقافة تصبح جزءا من حياتنا اليومية ،وتتجسد على أرض الواقع يوميا في كل تصرفاتنا ،لا أن تكون وصفا مهلهلا أمام وسائل الإعلام ،أو تقريرا ركيكا نرفعه لجهات دولية مانحة كي نحصل على منحة مالية والسلام،بحجة أننا نعمل بالحوكمة الثقافية.
من خصائص الحوكمة الثقافية انها تضمن خصوصيات الجميع أصحاب المرجعيات الثقافية ذات الطابع الخاص ،وتجسد بدورها التعددية والتنوع الثقافي ،وتضمن أيضا الحقوق الثقافية المترتبة،كون قاعدتها الحوكة تعد أيضا نهج حياة وقيادة متطور،وللتذكير فإن لفظ الحوكمة يعود إلى كلمة إغريقية قديمة ،تعبر عن قدرة ربان السفينة الإغريقية ومهاراته في قيادة سفينته والوصول بها إلى بر الأمان ،وسط الأنواء والأعاصير المتلاطمة ،لتمتعه بالاخلاقيات والقيم النبيلة والسلوكيات الشريفة النزيهة في الحفاظ على حياة وممتلكات الركاب، وحفاظه على الأمانات والبضاعة التي في عهدته وإيصالها سالمة كاملة إلى أصحابها والدفاع عنها ضد الأخطار والقراصنة ،الذين يعترضون السفن في عرض البحر،ومن هذا المنطلق أطلقوا على الربان لقب”القبطان المتحوكم جيدا”.
يقودنا هذا إلى ان الحكومة أي حكومة ،وفي حال تطبيقها لمباديء وأسس الحوكمة ،وإعتمادها الشفافية وحفاظها على التعددية والتنوع ،إنما تنتقل إلى مرحلة البناء والإستقرار والقوة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق