ثقافة المقال

الكاتب عبد العزيز بوباكير: إنسان في قلب الحراك

بورتريه:

ابوبكر زمال*

1
وجد نفسه في مواجهة جنرال ليس لديه من يكاتبه.. تائه في عزلته وفي خريف وخرف حياته، أودى بحماقاته إلى ما لا يحمد عقباه فقد وضع نفسه في فوهة بركان يغلي ويثور ويستشيط اسمه الإنسان عبد العزيز بوباكير.
2
يخطو بوباكير بجسده النحيل المنهك بفعل الزمن والمرض وبعمق الحكيم والصوفي إلى عمق حياته يجترح تفاصيلها من زمن جزائري أثيري يشعلها في سيجارة لا تفارقه أبدا ويحرق بحرائقها دمه المتفرق بين قبائل الكتابة والنص والترجمة.
ليس ثمة في حياته زمن معقد، بل زمنه زمن خاص ورمزي، مولع بالسفر في الكتابة التي يفهم لغزها وملامحها، تمنحه القدرة والقوة على البقاء والوجود والحضور الممكن في أرض واسعة تهتز بين أقلامه ودفاتره، وعندما يفصلها يلجأ إلى لغات أخرى ينتقل إليها بسلالة، العارف بشوارعها وأزقتها ودروبها الصعبة ويمتحن جسدها الذي يلين بين يديه ليس بالمبضع كما يفعل غيره بل يكثر الريش عليها كي لا تـُـجرج أو تصاب بالنزيف.
حاد ولطيف بطبعه تكاد لا تسمع همسه أو لفتته، وحين يمر عليك وإن لم يكن سمعك قوي فلن تقدر على الإنصات إلى وقع أقدامه وهي تنخر التربة والحصى والغبار، ولن يكون بمقدورك أن تلمح طيف الوطن وهو ويتطاير بين جناحيه كأنه ينتمي فقط إليه.

عقله منذور لبياض الورقة وهي تصطبغ بمداد يجريه كنهر يتدفق بتفاصيل المعرفة والثقافة والعلم والدين والتاريخ والجغرافيا والحوادث والوقائع التي تبعثرت في ذاكرة الأمم والشعوب، يمنحها لك صافية وواضحة ومفتولة ومصقولة بمهارة من خبر معانيها ودلالتها وعناوينها ومقاصدها ومراميها ومشتقاتها وأصولها، وحتى تكون أقرب لديك وبين يديك وفي مطبخ عقلك يضيف إليها نكهة سلسلة من التحليل والاختصار والتدقيق والوصل والفصل.. فعنده يـُـفـرَق كل أمر مستعص ومعلومة وخبر ورأي وموقف يتقصى خبره في متاهات الماضي كي تطرق باب حاضرك وتمر إلى مستقبلك.
مسلم وما هو بمسلم بل يجري الإسلام في دمه بخفاء.. علماني وما هو بالعلماني بل تبركت العلمانية به.. وطني وما هو بوطني بل هو وطن وحده، يساري وما هو بيساري بل تـَــشبه اليسار به.. حداثي وما هو بحداثي بل تقمصته الحداثة.. عابر بين لغات وما هو بعابرها بل مقيم فيها.. سياسي وما هو بسياسي بل تأتيه السياسة ويترفع عنها.. ممزوج بها كلها كأنها واحد متعدد.
3
جالس الكل وأستفرد بالعظماء، يكتب حياتهم بجرأة، ويفك تعازيم وتعاويذ خوفهم وقلقهم من الحقائق والرقائق والدقائق المتخفية بين الطيات والإشارات واللامحات والتعابير والتفاصيل، وضمن مناخ من رقابة متخفية ظلت تراقب وتترصد ما يفعله بهؤلاء وما يلقونه إليه من وقائع لفت تاريخهم وعبقت بروائح الحقيقة الساطعة مارس عبد العزيز لعبة الكر والفر مع تلك العيون بدهاء ومكر وحيلة وحكمة وأخرج من الباب المشرع الواسع للنشر مقالات وكتب متفردة في السير والعبر والنوادر فمن الأمير عبد القادر إلى أحمد شوقي إلى حيدر حيدر إلى أدباء ومثقفي الروس إلى ماركس إلى الشاذلي بن جديد إلى عبد العزيز بوتفليقة.. ظل يسردهم ويكشف ما بهم من قوة وضعف وفرح وسعادة وحزن وما كان يشغل بالهم وقلوبهم.. وكيف كانوا من قبل ومن بعد؟.. كيف تربوا ولعبوا الكرة والدومينو والورق والتنس والغميضة ولهو الأطفال؟.. كيف نهضوا؟.. وكيف سقطوا؟.. ما يفرحهم وما يحزنهم؟.. ماذا كان يعذبهم ويسليهم؟.. بطولاتهم وصراعاتهم في معارك العيش والسوق والسماء والأرض.. معارك الوهم والبقاء.. كيف هي حميمياتهم والعائلة؟.. هل يضحكون ويبتسمون؟.. يبكون أم على قلوبهم أقفال من حديد وصلب؟.. معه عرفنا أن ماركس جاء إلى الجزائر “حرّاق”.. وأن الشاذلي بسيط رؤوف بالأهل والعباد.. وأن بوتفليقة قدري تماهي مع نابليون.. أنشغل بالإحاطة ومواكبة هذه النثرات والقصص والروايات، بعضها مبثوث بلغات أخرى في الرسائل والمخطوطات والرحلات والمذكرات والمجاميع والموسوعات.. وصاغ بعضها وطرزها مباشرة من الأفواه والعيون والكلام والوجوه، وبقدر ما كانوا أمناء معه في الحكي والخيال، في الفنتازيا والواقع، في التاريخ والأسطورة والخرافة، كان هو مؤتمن عليهم وأمين لديهم يحفظ أسرارهم ودررهم ومحبتهم له.
4
يروق الحراك لعبد العزيز ويروق عبد العزيز للحراك.. يفاجئه مثلما فاجأ أكثر الغاضبين على ما آل إليه الوطن.. يسير في الشوارع مع الجماهير يرافقهم في لحظة حرية غابت وكادت أن تنمحي في المجاهيل والنكران واليأس.. ينزلق في أتون نارها ويذيع رؤاه حول ما يحدث في لقطات يعرضها في صفحته على الفايس بوك.. يختصرها في جمل بديعة تضرب كالسهم في السهم، وعطفا على المآلات يضع قلبه وعقله في الحروف والأسطر وفي المعاني التي تقاربها أو تلك التي تعاديها، ويتوحش على الذي ينحرف ويتعنتر ويريد أن يتطفل وينفرد ويسرق الوهج والنور والضوء من الأيادي والحناجر المقاتلة بدون سلاح ونار وحديد، يــُضَمــِن تلك الشذرات الفايسبوكية ولقاءاته المتعددة كل ثروته وثراءه وإثراءه حتى تبقى مسالك الحراك تهفو وتشدو وبها ريح طيبة لا تعكر صفوها ريح نكرة قد تفسد اللحظة وتدخلها في الوهم السعيد والفوضى الأبدية.. يقول: “تعبت من السير في الحراك” وهو المعتل والنحيف والخافت ولكن عقله وروحه لا تمل ولا تكل من الركض والمشي والسير والجذب في مقامات الحضرة والنفس الطويل لهؤلاء الذين لم يفقدوا رغبة الركض والمشي والسير حتى النصر والفوز.. أمانيهم من أمنياتي وأحلامهم من أحلامي ـ يقول عبد العزيز ـ، ثم يتلمس ركضه ومشيه وسيره بالقوة والفعل والكلمة.
5
ما الذي أودى و”خبطت في راس” الجنرال المتقاعد أن يشهر سلاح غروره وعنجهيته أمام غرور ونرجسية كاتب وأي كاتب؟.. سيتوه الجنرال في متاهة عبد العزيز حيث لا خروج سالم من حروب الكلمة الحرة والحرف الصارخ والعقل المتنور، وبخلاف ما يتوقعه الجنرال المدوخ من كتاب بسيط هز عرشه المخملي الوفير المحمي بسلاح النفوذ والتهديد والوعد والوعيد، فإن عبد العزيز سيصير مقاتلا وقناصا وسفاحا مولع بالتحدي والصيد، فوراءه الثقة والإيمان وجيوب فاضية وفضفاضة، ومتكأ على جدار صلب وصاحب أكتاف عريضة ونفوذ شفاف وسط حراك لا يعرف عن الجنرال شيء سوى أنه لم يعد له من يراسله، وعنده في الاحتياط جنود مجندة لا قبل للجنرال بهم.. أولهم على رأس الحاء وآخرهم عند هاء لا تنتهي.. إنها روح وصوت الحرية.
6
عند الساعة الباكرة ينهض عبد العزيز بوباكير وينصت.. لقد كان قلب الحراك.

*شاعر / الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق