حوارات هامة

[النضال السلمي، وإستراتيجية مقاومة الديكتاتوريات]

حوار : نتالي نوغايرد…..  ترجمة: سعيــد بوخليــط*

بعد مرور سنة، على تضحية الشاب التونسي محمد البوعزيزي، واستمرار وقائع الربيع العربي، يستحضر المؤرخ « Jacques Semelin »، ممكنات سلاح المقاومة المدنية ضد الأنظمة الاستبدادية. بين طيات، هذا الحوار، يتحدث مدير البحث بالمركز الوطني للبحث العلمي (مركز الدراسات والأبحاث الدولية في العلوم السياسية)، والمتخصص في أشكال المقاومة المدنية، عن سبل المقاومة السلمية، لإسقاط الأوتوقراطيات. 1) س ـ ماذا تعني “المقاومة المدنية”، مفهوم يبدو، قد ترسخ مع مجريات الربيع العربي ؟
ج ـ إنه تطور تلقائي للمجتمع المدني، بوسائل سلمية، سياسية واقتصادية وقانونية وإعلامية، بهدف تقويض السلطة القائمة. ولأني اشتغلت طويلا، على مختلف مظاهر المقاومة المدنية في أوروبا الشرقية، لا يمكنني حتما  غير الاهتمام بما يقع في تونس ومصر. بشكل عام، يجد خبراء العلاقات الدولية صعوبة، من أجل ضبط هذه الظواهر، والدبلوماسيون، اعتادوا على التعليل بمقولات القوة، سواء عسكرية، واقتصادية، بل والبحث في تأثيرها، ولا يلتفتون إلى ما تفرزه المجتمعات. يقول البعض، بأن المقاومة المدنية، تستند على رؤية مثالية. أجيبهم : “استعيدوا، الانشقاقات التي عاشتها أوروبا الشرقية”.
2) س ـ ما هي أهم مقدمات المقاومة المدنية ؟
ج ـ لقد نسينا ربما، أحد المشاهد. لكن حين ذكر سنة 1986، يتبادر إلى الأذهان الاندفاع الجماهيري المدهش للشعب الفليبيني، ضد الرئيس ماركوس. صور مؤثرة، بحيث احتشد عشرات آلاف، الأشخاص في أهم شوارع وفضاءات العاصمة مانيلا. جمهور يحيط بالدبابات. هكذا، بدأ الكلام عن حركة “قوة الشعب”، كما الأمر هذه السنة بخصوص تونس ومصر. أما، في أوروبا الشرقية، فالمقارنة الأكثر إقناعا مع الثورات العربية، تحيلني مباشرة، على الانتفاضة التي عاشتها ألمانيا الشرقية. تتذكرون الكليشيهات المتداولة بهذا الخصوص : شعب أبله، نتيجة خضوعه طيلة عقود للدعايات النازية ثم الشيوعية. فغير، إضراب سنة 1953 ببرلين، الذي استمر يومان، لم يعرف شعب ألمانيا الشرقية أية حركة مقاومة وازنة منذ 1933. لذلك، فاجأ العالم، بطريقة انخراطه التدريجية والجماعية واللاعنيفة، مما أثار استغراب الجميع.
3) س ـ ما هي المقومات التي ساعدت، على تبلور مسار كهذا ؟
ج ـ هناك عامل من بين أخرى، لعب دوره بالنسبة لألمانيا الشرقية والعالم العربي. أقصد : حيز الديني. فالألمان الشرقيون، اجتمعوا داخل الكنائس البروتستانية، كي يكتسبوا الشجاعة. الكنيسة، قدمت لهم فيلم “غاندي” (1983)، بواسطة شريط فيديو. شاهد شباب ألمانيا الشرقية، العرض لمرات عديدة، وهم يقولون : الأمر إذن ممكن ! سنة 1989، تكدسوا في الكنائس ثم تجرؤوا على الخروج إلى الشارع. لقد، حدث لدي نفس التمثل، حينما علمت أنه في مصر وسوريا، تتجمع الجماهير في المسجد كل جمعة، وتستلهم  الشجاعة كي تندفع نحو الفضاء العمومي بوجوه مكشوفة. في الفلبين أيضا، ساندت الكنيسة جماعة “قوة الشعب”. وبالطبع، وقائع بولونيا لسنوات 1980. إذن، غالبا، ما تستند المقاومة المدنية على الفضاء الديني، كي تبلور أهدافها السياسية.
4) س ـ هل دور الإعلام جوهري ؟
ج ـ مع الأنترنيت، نستعيد ثانية دور الصحافة السرية وكذا المذياع، لتحقيق أهداف انقلابية، كما لاحظنا سابقا في الكتلة السوفياتية، حينما استوعب  الاعلام سياق المقاومة. لقد أصدر “ليش فاليسا” ومعه أسماء أخرى، مجموعة مقالات في الصحافة السرية ثم يلتقطها راديو “أوروبا الحرة”،  مما يمنح الجميع  إمكانية اقتسامها، بمعنى نفس الوضع الذي نعيشه حاليا مع الأنترنيت. الفارق، استطاع الفرد عبر الوسائط التقنية الحديثة، أن يخلق المعلومة بنفسه. سنة 1956،  صرخ شاب من مدينة بودابست : ((أريد إخبار العالم بالحقيقة !))، لذا، تدبر بطريقة من الطرق، جهاز مذياع بموجات قصيرة. لو توفر حينئذ على الأنترنيت، لكان الأمر مختلفا… . مع ذلك، فالتحدي الحقيقي للسلطة الحاكمة، يتشكل في الشارع، وليس على صفحات مدونة إليكترونية.
5) س ـ لماذا ينتمي أغلب مفكري المقاومة المدنية، إلى المنظومة الأنجلو أمريكية ؟
ج ـ لقد أقر أهم الفلاسفة السياسيين بمشروعية العصيان المدني، حتى في ظل نظام ديمقراطي. نتحدث هنا عن “حنا أرنت”، “جون راولز”، “يورغان هابرماس”. ويبدو لي، بأن هذا التصور أكثر عمقا في الولايات المتحدة الأمريكية، نظرا لارتباطه بالمقاربة الأمريكية للحرية الشخصية. مفهوم العصيان المدني، نحته الفيلسوف الأمريكي “هنري دافيد تورو” خلال القرن التاسع عشرة. وبالطبع، الأثر القوي ل “مارتن لوثر كينغ”، على امتداد الولايات المتحدة الأمريكية. أما في إنجلترا، فقد بقيت نضالية غاندي عالقة بالأذهان. سنوات الثلاثينات، وظف إلى جانب أشياء أخرى، أسلوب “المقاومة المدنية”، الذي يشتغل عليه حاليا “آدم روبرتس” “أستاذ بأكسفورد، ومؤلف عناوين كثيرة تصب في الاتجاه ذاته.
6) س ـ تلقيتم دعوة، من قبل جامعة هارفارد، وبالضبط الأستاذ “جين شارب” الذي يوصف باعتباره أكبر منظر للثورات السلمية ؟
ج ـ هذا الباحث، توخى القطع مع الرؤى السلمية أو الأخلاقية، للفعل غير العنيف.مجمل أطروحته، أرادت استلهام استراتيجية للفعل، وطمح إلى أن يكون رهن إشارة كل الشعوب التي تريد التخلص من حكامها الديكتاتوريين. وبالتالي، اهتم، بتعميم “مهارة” كهذه. وجدناه في بيكين إلى جانب الطلبة بساحة “تيانانمن”، أو بلغراد مع المعارضين الصرب ل ميلوزوفيتش. كتابه : [From dictatorship to Democracy]، ترجم إلى 28 لغة، بحيث  استفاد منه الجورجيون (2003) والتونسيون أو المصريون. يلح “جين شارب”، على أنه لتحقيق مقاومة سلمية فعالة، ينبغي ارتباطها ب “تخطيط استراتيجي” وليس فقط الاكتفاء بالعفوية. يلزم المعارضون كي “يقوضوا” النظام، تحديد أهداف كوسائط، ثم الانتقال إلى مباشرة أفعال بسيطة، ترسم الثقة نحو تنظيم حملات وازنة. بخصوص عدم مسايرة الوضع، وكذا العصيان المدني يخاطب “جين شارب” المناضلين الشباب، قائلا : هذا ما يمكن أن يعطي نتيجة، لكن عليكم الامتثال لاستراتيجية مجتمعكم، بالتفكير في نقط ضعف السلطة التي تريدون مواجهتها.
6) س ـ على ماذا يستند نجاح هذه الممكنات. بزعزعة قوى الأمن، مثلا؟
ج ـ إنه جوهر عملي، حول المقاومة المدنية. لقد أردت تقويم القدرات بناء على قياس العنف المتطرف. فحاولت تبني العقلانية في دراسة هذه الظواهر السياسية، التي تدرك غالبا باعتبارها خارقة. أولا، هناك اللحظة، التي يسميها قدماء اليونان ب « Kairos » : يتعلق الأمر بفكرة الفرصة السياسية المناسبة، التي يمكنها أن تقود إلى تفكيك السلطة، وتضعف من سطوة القمع، بل تجعله غير موجود تقريبا. نتوفر على مثال مشهور : مآل إضراب مدينة  Gdansk البولونية سنة 1980، فبينما جميع المعطيات اتجهت ناحية الخوف من تكرار قمع دموي، انخرط الجناح “التقدمي” للحزب الشيوعي البولوني في مفاوضات مع المضربين، انتهت بتوقيع اتفاقيات. هذا النوع من الأحداث الغريبة، تساعد عليه، عوامل تاريخية مثل أشكال الدعم  الدولية المختلفة (إعلامية، مالية، دبلوماسية). هكذا، تتم المقاومة المدنية بثوابت متعددة، وتحتفظ للعقل برؤية الاستراتيجي الصيني « Sun Tzu »: الانتصار في الحرب دون القيام بها. ينبغي، استثمار تناقضات الخصم.
7) س ـ بماذا أوحت إليكم، الحالة السورية ؟
ج ـ الأحداث هناك دراماتيكية وملغزة. لم أعرف في التاريخ الحديث، نموذج شعب، أظهر صلابة في مواجهة الرعب. إنه، في اعتقادي نوع من الاجتثاث السياسي. سعي لتحطيم المعارضين منهجيا. في إطار اشتغالات “مركز الأبحاث والدراسات الدولية” وضمن موسوعة “أشكال العنف الجماهيري”، أدرجنا دراسة حول جريمة “حماه” التي وقعت سنة 1982. فخلال مدة لم تتجاوز خمسة عشر يوما، قتل نظام حافظ الأسد 20 ألف سوري، ويجتهد اليوم، ابنه بشار لإنتاج نفس السيناريو الدموي، وملامسة السقف ذاته. حصيلة مرعبة، خلفت فترة خمسة أشهر، 5000 قتيل. يكمن هدف بشار في أن يشيد ثانية جدارا للخوف. لكن المقاومة عاودت الظهور، وحالات الانشقاق التي تضاعفت داخل الجيش، قد تكون إشارة عن تهاوي النظام. بيد أنه، ينبغي على المعارضة تجنب التورط في مجابهة مسلحة، مادامت السلطة تتحين فقط هذه الفرصة.
8) س ـ لكن المقاومة المدنية، لا تقود دائما إلى الديمقراطية ؟
ج ـ الأمر بسيط. ممثلو هذا النمط من التطوير، ليسوا دائما بالأشخاص القادرين على إعادة صياغة الدولة. فالحكومات التي جاءت بعد ماركوس، لم تكن حقا ديمقراطية. المقاومة المدنية، لا تضمن شيئا، غير أنها تفتح مجالا أكثر رحابة من الصراع المسلح الذي يفضي إلى نتائج عنيفة. تقول صيغة جميلة لغاندي : ((تكمن النهاية في الوسائل، كما الشجرة في البذرة)).

*سعيد بوخليط أكاديمي وباحث ومترجم من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق