ثقافة السرد

هواجس غير معنونة

كتابة: رجاء بكريّة*
تخرجُ آلحكايا من فكرة سِجِلٍ فَلِتَ منَ آلعتمة، وضاع. هكذا غالبا تنتهي، قبل أن يعلِن آلسجّل عن عودتهِ بثوان. هكذا يفاجئنا آلغياب وجها مضرّجا بملح آلسّماء في سرّ آلحكايا، تسجّله أنامل آلوقت على بدن آلشّوق. إنّها آلأشواق تحرق ما نحتاجه لإلغاء أجزائنا آلّتي ظلّت بعدنا عند أماكن آلسّؤال وآلوجع. مقابل كلّ محرقة صغيرة ترتفع منشأة جذّابة لمخبر ورق جاهز لصبغ آلعالم. يهاجمنا بجوع لانهائي لِصُوَرِ ذاكرة.. داخل كابينة قطار، فوق خطوط ميترو سريع، حول فناجين قهوة أُخِذت رشَفاتُها آلأولى قبل طلوع فجر قلق. بين ممرّات حدائق، قصور سلاطين لعصور لم نعشها، على ختم عمائم مذهّبة، تحت سلال آلقش آلممتلئة بخبز آلشّعير وآلذّرة. أفران صغيرة لشيّ آلكستناء، وبائعي رقائق فاكهة آلبحر بآلأرزّ قرب شواطىء آلبحار. دولما باختشي، كيزكولوسيه، سلطان أحمد باشا، جزر آلأميرات آلخمس.
هناك تماما ترتدي آلنّساء خبايا فتنتهنّ، ويقرّرن استرداد شهوة آلسّرد. تخرج آمرأة بشعر قاتم كي تعلن تاريخها آلمغسول بآلحبر أو بآلّدم، لها ما لشهرزاد من مشاريع قتل. 
شهرزاد

ملأتُ فكرك بريقا حين أعلنت، “سأؤدّي دور شهرزاد. في كلّ يوم سأبتكر قصّة جديدة كي تنتظرها بشوق”
كتب إليها ملهوفا يقول، “وصّفي لي أكثر لأفهم!”
” كان ياما كان إمرأة جميلة بضفائر شقراء طويلة، وسنّ ذهب واحدة في زاوية الفتنة يصفّق لحاكورة ورد يحتدّ في الخد. وكان للمرأة أنف مثل حبّة رمّان ممتلئة، ومكان عينيها لوزتان آثنتان، خضراوان بلون سيقان قمح غضّة..”عند هذا آلحدّ توقّفت، ووقَّعت، “في رسالتي القادمة سأخبِرُكَ ماذا حدث لزيت قلبها..”
جُنَّ فُضُولَهُ. حيلة آلحكاية فصلت قلبه عن رأسه، احتجّ مولَّها،  
” أنت تغشّين، لا يمكن أن أظلّ معلّقا هكذا مثل صورتك في السّقف حتّى تعودين إلي، ماذا حدث لتلك المرأة؟ عجّلي بآلإجابة حتّى يستردّ رأسي قلبه.
في رسالتها آللاحقة كتبت:
حين تأخّر شهريار في الردّ على سؤالاتها، ونام بعد الوقت بقليل قصّت شعرها”
ضرب على الحرف الّذي وصلها مقتولا بأظافر سرعته، “يا ويلي، أين سأسرِّحُ إذن مشطَ أصابعي كلّ مساء؟”
ردَّت حروفُ قَلْبِهَا، شاكست قراراته آلسّريعة ببلادتها،  “على ماذا تحتجّ أنت، لستَ آلمقصود بآلكلام، إنّه شهريار! “
ابتسمتْ سطورهُ، حين وصلت إِليها منمنمة ومرتّبة، “لستِ أنتِ من سيفعلُ بي ذلك، سأظلّ أجدّل أصابعي بين خصلات شعرِكِ الأسود، ولو عبر حلم أهوج”
صار آحتجاجه أطولَ من شَعْرِهَا بكثير بعيد أيّام، وتوقّف بريد بورصة عن حمل رسائله تلك بسبب تجاوزها آلوزن آلممكن. أصبح احتجاجه أطول من آلسّطورِ آلّتي تُرْسِلُهَا إِلَيْهِ مثقلة بافتقادها غير آلمبرَّر لرسائلهِ ورائحة جَبَلِهِ، ورائحة آلحبر آلّتي لِقَلبِهِ. جاءت رسائلها تُخْبِرُهُ، بأثر آلدّوخان آلّذي يعنّفها بعد كل صرعةِ فَقْد من آلّتي اعتادتها خلال آلأسابيع آلأخيرة معه. بسببه تعطّلت رائحة آللّويزا عن بثّ إعجابها آليومي برائحة آلعطر آلمنتفض خلف أذنها، كلّما انحنت توشوشه اضطراب قِرطِها، وهي تتذكَّرُه. زلّ خفُّ قدَمِهَا وهي توسِعُ خُطُواتِ قَلبِهَا آلوهميَّةَ نحوه. حين تخلّف عن خطواتها قرّرت أن تعلن لهُ أنَّهُ عِقَابُهَا لَهُ..      
“هو عقابي لتأخّرِكَ المتواصل في الرّد. لقد وعدتُ نفسي بذلك. ببساطة شديدة سأقبض مقصّ شجيرة آلعنب آلممشوقة بيد وخصلات السجّادة الّتي تحبُّها بيد وأصنع من أطرافها خارطة لجغرافيّة السّنة الّتي تدقّ النّافذة. لن تكون سنة سهلة، كرأسي تماما” هدَّدتهُ بخبث، وهي تسرِّحُ أطراف شعرها بكفِّها، وتتهيّأ لإثارة قلبه وصبغهِ بالنّدم. لكنّها تعرف أنّها ستهرع إليه عبر الجبال العالية الّتي تأخذها إليه وتعيدها منه كلّ يوم عدد مرّات، أنّها ستحتضن رعشَ أنفاسِهِ، وتطلبُ إليها أن تتوقّف عن الخوف.
بدأت تحبُّهُ كلّما جَنَّ ليل، وَحبَت تحتّ شجر آلكينا آلعِمْلاق صراصير آللّيل مطلقة غناءها إلى وادي آلعشّاق آلقريب من فروعِهَا آلعالية. آحتارت ماذا تفعل! أتُلْقِي جَزعها في عُمْقِ آلوَادي، أم تصادق صراصير آللّيل آلّتي لا تتوقّف لحظة عن آلبُكاء وآلتحسّر؟ لكنّها قرّرت مهمَا تأذّت ألّا تخبره بالعاصفة الّتي تدوّخ شامة نهدها حينَ يتأخّر في الرّد. كلّما سبقت هاتفه الدّقائق. كلّما فهمت أنّ المجلّة غريمتها فيه. كلّما جاءها آخر العتمة معتذرا لأنّ ذهنه الثّاني ينتّف الأزهار الّتي تسأل عنها داخل الكأس. كلّما أخبرها بأنّ أصابعه لن تملّ الكتابة إليها، وإن زعلت لأيّام أو ساعات، وأنّه سيظلّ يرتكب أخطاء نحويّة وصرفيّة حتّى يفكّك أزرار أعصابها وتهرع إلى سطورِهِ كي تهذّبَ مَا شوّهَهُ عمدا أو جهلا. لا يهم،ّ فالنتيجة واحدة. هذا النّوع من الأخطاء يخرجها عن طورها. قد يستغرق تجاهلها يوما، يوما وثلاثة أرباع على أكثر تقدير تعود بعدها إليه مستاءة ومشتاقة تلوم الزّهر الّذي تفتت، والقلب الّذي تعثّر، والسّقف الّذي تذمّر من عينيه المحمرّتين من شدّة التّحديق في صورتها المرسومة بفرشاة صديقِهِ فّيْصَل.
تفاجأت من ساعات آلّذاكرة آلّتي تستيقظ في رسغه. وساعات هاتفه آلّتي تملأ فضاءات آلبيت، وآلنّاس نيام، فتوقظ جدّتها أوّلا وتتعوّذ من آلشّيطان، ثمّ والدها، ووالدتُها آلّتي تحمرّ جبهتها آنفعالا، وتسرع مُباشَرَةً إلى آلنّافذة كي تتأكّد من سيّارة أخيها آلّذي يتأخّر في آلسّهر. تسمَعُهَا، وهي تَدْفِنُ رأسَهَا تحتَ آلمخدّة، تهمِسُ ، “إنشالله خير، سيّارة إبراهيم بآلكراج، لَكَان هذا آلسّايب ليش بِظَل يرن صُبح وليل؟”    
لم تعرف نوعا كهذا من الحب الّذي لا يدين لأرقام آلوقت، ولا لحيّز أمكِنَتِهِ وشُمُوسِهِ. حبٌ يتشارك فيه إثنان، واحد يعشق وآخر يهيّء سرير العشق لغريمِهِ باللّون والفرشاة، ودون شك أحدُهٌمَا يخون الآخر سرّا.
فجأة، ودون إنذار مُسْبَق، اكتشفت غيابَ الفرشاةِ الّتِي رسَمَتْ وبقاءَ اللّونِ والبورتريت، وقلبِ الرّجلِ الّذي ارتكبَ أخطاءَ فادحةً في النّحو والصّرف والعرَوُض. إنّها تحسّه بقلب جديد لا علاقة للشّوق المحموم فيه. يستفحل في أعصابها على مهل مثل حبّ الكستناء الّذي ينضج بين جمر بائعي أرصفة سُلْطَان أَحْمَد على مهل. هذا آلنّوع آلنّادر من آلثّمار لا يصغي إلى نداءات أصحابه في لفت أنظار المشاة مهما آشتدّ لهيب آلجمر وتجَمْهُرِ آلنّاس حَوْلَهُ. يقرّر نضوجه حين يجد متسكّعا يشتهي أكْلَهُ. لا يحبّ آلّذين يبحثون عنه، بل يسلّم نفسَهُ لِمن يبحَثُ عَنْهُم. يختارُ آكِلَهُ بحرصٍ شديد. هكذا فَهِمَتْ غزْوَ آلرَّجُلِ، آكل آلكَسْتنَاءِ لِحَيَاتِها، قلقٌ وتساؤلٌ ورغبة. وبرغم ركاكةِ كلماتهِ يعرف كيف يشعلُ قلب الشّوق.
بُعيد أيّام اكتشفت بأنّه فهم أنّ لعينيها رائحة اللّويزا. وهل ينبت هذا العشب الغريب في البرد الّذي عندَكُم؟ سألته ذات مساء فأعلن أنّه يملك حوضا واسعا خلف نافذة نومه يكبّر فيها هذا النّوع النّادر من الأعشاب. ثمّ أُضافَ خَلْفَ أُذُنِهَا آلمحمومة بصوتٍ خَفِيض،  “بعد السّابعة والنّصف صباحا أمرّ من هناك، جانب اللّويزا، وأشمّ ضوعَكِ، أقصدُ ضوعَ عينيكِ، أشمّ رائحةَ قلبكِ، وعينيكِ على نحو لا يفسّر. أنا فقط من يفهم تفسيره. أحاول أن أحكي للبورتريت المعلّق في سقف رأسي شيئا عن الرّائحة الّتي تتصاعد منك حين أقف أمام اللّويزا فأتعثّرُ في السّطرِ الواحدِ ألفَ عثرةٍ، حينها فقط أقرّرُ أن أكتبَ إليكِ، بل أن نكتب إليك على بعد ثوان من الثّامنةِ والنّصفِ مساءً. أعرف أنّها تصلُ عند العاشرةِ والنصّفِ تماما”:
” أنا والبورتريت .. نبعث إليك أحلى تحايا المساء. أنظري إليه كما ينظر هو إليك. إحتفظي بالنّسخة الّتي أرسلتها إليك، وأنا سأحتفظ بالأصل معلّقا فوق سريري حتّى لا يبقى وحيدا بين طيّات كتاب. هكذا أفضل، كي أحاوره قبل أن أذهب إلى النّوم وحين أستيقظ مباشرة، هكذا سأكون على يقين أنّك باقية معي. أصبّح وأمسّي على عينيك وأشم رائحة اللّويزا حتّى دون أن أحتاج لزيارة الحوض المفروش خلف غرفتي. أحبّكِ، هل رأيت رجلا يحبّ امرأة عبر رائحة عشبة، عشبة اللّويزا؟ إنّه أنا.”
احتارت وهي تلمس أوراق اللّويزا الّتي بدأت ترعاها على بعد أمتار من بيتها منذ أخبرها أنّه يشمّها، بل وبادرت إلى نقلها قريبا من الممرّ المؤدّي إلى غرفة نومها. هكذا سيلتقيان معا. هو في طريقه إلى النّوم وهي في طريقها إلى قلبه. سيتساءلان معا، ويحتضنَان الواحد أصابع الآخر وهُمَا يغزلان مناماتِ ضجرهِمَا أو شوقِهِمَا. قال لها بعد يومبن من إعلان اللّويزا التّاريخي،” لا شيء يقتل مثل الشّوق، اللّويزا ذريعتي الوحيدة للبقاء”. عابثته، “واللّويزا الّتي تحمل فوق كتفيها شكواكَ تناديني في طريقي إلى قلبك كي أصغي، إنّها تفشي أسرارَ خطيرة عن مغامراتك، النّساء الّلّواتي تلاحقُهُنَّ أو يلاحقنَكَ، الرّجال الّذين تحبُّ زوجاتِهم ولا يمكنك مغازلتهنَّ، الصّحف الّتي لا تستظرفها وتقرأها على مضض، الرّؤساء الّذين تجالسهم بودّ مصطنع، ومشاتل الورد الّتي تزورها كلّ صباح جمعة كي تنتقي منها وردة تهديها لحبيبة وهميّة تدّعي أنّها بانتظارك في أحد مقاهي العاصمة”
ضربتَ على جبهتك من هول المفاجأة، سمعتَ كمَا سمِعتُ أنَا صفقَ كفِّكَ لجبهتِكَ، وأنا أربط السّطر الّذي فَلِتَ من دقّ أصابعِكَ بِشَدَّةِ الوهم، “لا تخف لم تخبر سواي، اللّويزا عشبة ذكيّة ووفيّة جدّا بحقّ خائنيها، أمثالك، لقد وجدوا يا سيّدي أزهارك الخمسة والثّلاثين نائمة الواحدة إلى جانب الأخرى في جارور مكتبك”. ارتبك وهو يهجم على خطوط الوجه الّذي يحبّه، “كلّها لك، وأنت تعرفين، أجمّعَها حتّى نلتقي ذات ربيع، ذات بردٍ، أو ذاتِ مطر، لكن عِديني بألاّ تقصّي شعرك، إنّه بروعة سجّادة فارسيّة مغزولة بخيوط الذّهب”
ضحِكَت مِنْ أعماقِ رغبتِهَا فيهِ، “بل حينَ ترانِي ستجدُني بشعرِ ولَد، قرّرتُ أن أكافئَكَ على المحنةِ الّتي أرسَلتَنِي إليها خلالَ آليومَين آلفائتَين، حتّى لو توسّلتْ إليَّ اللّويزا الّتي تحبُّهَا”
توتّر صوته، “هذه اللّويزا خائنة، سلّمت سرّي بسهولة إليك”. ” وستغفِرُ لَهَا لأنَّكَ تحبُّني”. ابتسم الإبتسامة الّتي تحبّها، “شرط ألاّ تصيرين ولد”. “حين أراكَ سأكونُ أجملَ شهرزاد رأيتَها في حياتك”. “بل أنتِ أجملَ منها، ليس لها الحنكة الّتي لكِ”، قال وتعثّرَ في رعشة ساقه.
بعد انتصاف اللّيل بقليل وصلت إلى شقّتها البردانة. لقد أرسلت إليه دفعات من البرد الّذي تحبّة وطرحته تحت الأغطيّة. أصبح مريضا بسبب البرد الّذي ترسله إلى ثيابِهِ المبتلّةِ بالأّرّق. وقرأت على مهل شيئا فاجأها، مشروع شاعر مغامر. “أنا طريح القلب والشّوقِ والفراشِ| يا سيّدتي الّتي تفوق شهرزاد مكرا وجمالا| من هذه آلبقعة الملتهبة بالحمّى أكتب إليك| أحبّكِ، أحبُّكِ، أحبُّكِ| لا تحزني إن هبّطّ الرُّوادُ في أرضِ القمر| سوفَ تبقِينَ أنتِ في عَيْنِي، دائِماً، أحلى قمر”.
عضّت على إظفرِ قلبها الدّامية، وأخبرته بحنق، “هل ستنتظرُ حتّى يصلُ الرّوادُ
إلى هناك؟ كم يبدو حبّك بلا قلب!      

ديسمبر 011، حيفا

*كاتبة من فلسطين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق