ثقافة المقال

الـحكــمة تجــريد الســر لــورود الإلهــام

مصــطفى غَــلْمَـان*

1 ـ الحكمة ليست قضية شجاعة كلامية. وأكيد ليست ربطة جأش.
الحكمة ضالتك أينما وجهت سنام طريقك. يمكن أن تلين على ظهر الحجر؛ في ليلة ظلماء رعدية . يمكن أن تقبض على حكمتك في النزع الأخير من حياتك. ويمكن أن تتسلل بين غيمة ممطرة وحالة حزن عابرة .
الحكمة هي أنت. لحظة بلحظة ، عطر عابر في سراب عابر .
يمكن أن تعلوها فتزيحك عن صعود ضجر ومحادر . أو تقتفيها فتلاغيك عن إدراكها.
الحكمة أيضا ليست رجلا طاعنا يكتب بحماسة المراهق . وليست دفة قديمة لنشر الهرطقات.
الحكمة أيها المدرك السامق الرامق المبين هي تجريد السر لورود الإلهام. هي فهم واف عن الله . أو كما قال القشيري “أن يحكم عليك خاطر الحق لا داعي الباطل، وأن تحكم قواهر الحق لا زواجر الشيطان”.
في الأحراش السخيمة تنبت عليقات الخطل ومنطق إفساد الرأي وجنون العظمة، فلا يبلغ الحلقوم مبلغه ولا العطش معطشه، حتى تزيغ الحكمة عن مقصدها والعقل عن غيه .
أفلا ينظر أهل الرأي والحكمة أن آخر الزمان من الحروب والدم والغدر والحقد الأعمى تأكل القلوب كما تأكل النار الحطب.
لكن الأقرب إلى تطويع المنال وتأويل الآمال تردم الهوة بين الأشراف واللئام :
أرى حمرا ترعى وتعلف ما تهوى
وأسد جياعا تظمأ الدهر لاتروى
وأشراف قوم لاينالون قوتهم
وقوما لئاما تأكل المن والسلوى
قضاء لدين الخلائق سابق
وليس على مر القضا أحد يقوى
فمن عرف الدهر الخؤون وصرفه
تصبر للبلوى ولم يظهر الشكوى
2 ـ الشعور باللامعنى/اللاجدوى ليس رهابا خارج إدراك الذات. وليس قصورا في الرؤية تجاه العالم الذي يتبدد تحت ناظريك!
ذلك الشعور هو نفسه الذي يدفعك للعيش فوق كل احتمالات الوجود، بما هو فعل وتكريس للواقع والمتوقع.
كأنما خلقنا من ضمير بجلجلة صوت خافت هاديء؛ يدوي بين أثلام الروح فيقض عليك مضجعك .. كي لا تحجم عن الأكل والشرب والرزايا البيولوجية الأخرى.
أو حتى لا تتسلل لأنفسنا كآبة الحسرة وضياع المعنى في الوطن والحلم والحياة ..
أتذكر دوما هذا المنادي يخطف بصري لأرى الأشياء القاسية بعيون أخرى :
نرضى الحياة على الهوان كأنما **
كل المطامع أن نعيش إلى الغد
ونذل ذلا للعدى ونجلهم **
وننيلهم منا كبير المقصد
هذي النفوس ضعيفة ربيت على **
ذل الضمير وربقة المستعبد.
3 ـ أقصر طريق لمعرفة معنى الصداقة أن تحجم عن فهم الأفكار الحاقدة .
أن تبلع الخناجر المسمومة؛ دون أن يصدر عن جراحاتك الأليمة، شق بدنك، أنينا أو ضميما، كمثل صنيع الحطيئة في مقام الطعن اللئيم :
مَلُّوا قِراه ، وهَرَّتْه كلابُهُمُ ، وجَرَّحُوه بأَنْيابٍ وأَضْراسِ.
فالجرح إذ يدوي عائقا على التحليق، يباغث الألم بأنفة تطأ الشر وتحشره في زوايا الهزبمة.
أيها الرافضي الميؤوس الذي يكتب على ظهر الأوحاش التائهة، التي لا هم لها زمن الكريهة سوى السلب والنهب، تضرج بدماء أغنياتك، فقد ” دَجَا الليلُ واسْتَنَّ اسْتِناناً زَفِيفُه … كَمَا اسْتَنَّ فِي الغابِ الحَرِيقُ المُشَعْشَع”ُ .
أما أنا فلا شأن لك بي .
لا نهر يجمعنا
لا سماء تشهد إقامتك
لا شمس تستظل بورد عجوز ..
انظر لمرآتك
ستدرك أن لا معنى لقسوتك ..

4 ـ بين ثنايا الظل أختبأ فيك
كنا معا جوهرة واحدة
فانفلقت وصاغت فكرة جديدة برأس واحدة ..
أنا ذلك الإلهام الذي يجس نبض هواك
ويلتحم تحت برق قلبي
منتشيا بجمال عينيك
متعاليا في جلالك المبهر
تهزمني كلمات جلال الدين الرومي حينما أقرؤها فيك :
” أنا لم آت لأعطيك شيئا جديدا لقد أتيت لأخرج جمالا جديدا لم تكوني تعرفين أنه موجود داخلك” ..
كما لو أن عشقك رحلة تأخذني من نفسي إلى نفسي.

*أكاديمي مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق