الموقع

الإصلاح في الأردن .. التحدي والاستجابة

د. عيدة المطلق قناة

يتساءل البعض ” أين نحن في الأردن من الربيع العربي؟”.. فمنذ مطلع هذا الربيع والأردنيون في حراك متواصل .. تحت شعارات “عبقرية” تختصر مطالبهم يطلقونها على أيام الجمعة الاحتجاجية من أمثلتها :  (جمعة : الحشد .. الوفاء للوطن  والسيادة الوطنية .. الشعب مصدر السلطات .. الإصرار على الإصلاح ..الإرادة .. العشائر.. الموت ولا المذلة .. طفح الكيل .. العار .. استرداد المال العام والقطاع العام .. لن تخدعونا .. لم تفهمونا.. الإنقاذ .. كفى مماطلة ..وإلى ما هنالك من عناوين.. لمطالب ممكنة التحقيق لو توفرت الإرادة والعزيمة ..  وتحت ضغط هذا الحراك المتواصل بدأت بعض الإصلاحات تأخذ طريقها إلى التحقق .. ويلوح في الأفق فرصة لإنجاز مشروع إصلاحي جذري .. فما صدر عن الملك ورئيس الحكومة من تصريحات وتطمينات يشير إلى هذه الاحتمالية .. فقد أكد “الملك” في أكثر من مناسبة التزامه وحرصه على تكريس “الركن النيابي للنظام” ..وبين – أمام مجلس الأمة – بأن “الهدف النهائي من عملية الإصلاح السياسي هو الوصول للحكومات النيابية”.. كما حدد أولويات المرحلة المقبلة بأنها تتمثل في : ” التأسيس لتطوير العمل السياسي نتيجة التعديلات الدستورية من خلال إنجاز قوانين الانتخاب والأحزاب والهيئة المستقلة للانتخابات والمحكمة الدستورية، إضافة لما تم إنجازه من قوانين الاجتماعات العامة ونقابة المعلمين والتشريعات المنظمة للإعلام” .. كما طمأن الأردنيين بأن “هذه البنية التشريعية ليست نهائية وإنما هي خطوة ضرورية وكفيلة بتأمين التطور الديمقراطي الإيجابي”.. فضلاً عن توجيه الحكومة بضرورة “توفير البيئة الآمنة والمناسبة للتفاعل الديمقراطي، وضمان حرية التعبير المسئول عن الرأي”… كما شدد على ” ضرورة تجاوز الأخطاء، وترسيخ أسلوب حضاري في التعامل مع أي شكل من أشكال التعبير والاحتجاج السلمي، ومنها المسيرات السلمية” ..!!

من جانب آخر فإن رئيس الحكومة ” عون الخصاونة ” أطلق جملة من التصريحات المطمئنة منها : ” أن الإصلاح والتغيير والنزاهة والإنصاف والعدل هي عناوين تحرك حكومته ، وأن الدول ينبغي أن تبنى على هذا الأساس.. وأن مهمته ستكون التأسيس للوضع الدستوري الجديد في البلاد بحيث تحكم وزارة باسم الأغلبية البرلمانية.. وأن مفتاح الديمقراطية يكمن في عدم تزوير الانتخابات ..  وأنه سيعمل على اجتثاث الفساد ومعالجة مشكلتي الفقر والبطالة… وأن احترام الناس واجب وأي حكم لا يستقيم بالقمع وإنما بالحوار.. وعليه فإن  إزالة الاحتقان في الشارع من أهم واجبات حكومته..” !!

ولكن – وحتى تاريخه – فإن هذه التأكيدات والالتزامات والتطمينات لم تتجسد بعد في سياسات وإجراءات تنفيذية .. فما تحقق من إصلاحات – رغم أهميتها – ليست كافية ..  وما زال ملف الإصلاح مثقلاً بعشرات التحديات لعل منها :
•    تحدي الانفراد والهيمنة والحكم المطلق مقابل الحكم الرشيد القائم على المواطنة والعدالة والتعددية والمشاركة وتداول السلطة!!  
•     تحدي الذهنية العرفية الإقصائية الاستحواذية التي تعكس نفسها في تدوير المناصب بين نخب محددة بعضها إشكالي وخلافي .. وبعضها استحواذي وإقصائي .. وبعضها لا يقبل الآخر ..
•    تحدي مؤسسة الفساد بما استحوذت عليه من نفوذ ومقدرات وأموال وسلطة  فانتهكت سيادة الوطن والأمة .. وهي اليوم تقاوم – بكل ما أوتيت من قوة ونفوذ – أي إصلاح وأي تطوير للحياة السياسية وتحول دون الانتقال من نظام التفرد ومقايضة الولاء بالخدمات إلى نظام يستند إلى الجدارة !!  
•    تحدي التغول الأمني على الحياة السياسية الأردنية والسلطات الدستورية الثلاث .. فضلا عما تمارسه السلطات الأمنية من الضغط والترهيب حتى وصل الأمر إلى التهديد بفصل أقارب الناشطين من عملهم لوأد الحراك السلمي بدلاً من الحلول التشريعية والسياسية لتحقيق الإصلاح .. كما أخذ “الحل الأمني” يطل برأسه بين حين وآخر عبر أعمال العنف والتخريب والبلطجة !!
•    تحدي الاقتصاد والتنمية أمام الفقر والبطالة والمديونية والخصخصة وبيع الأصول واملاءات المؤسسات الدائنة !!
•     التحدي التشريعي المتمثل بحزمة الدستور والتشريعات التي تنتقص من منظومة الحقوق والحريات العامة والخاصة !!

أمام هذه التحديات برزت عقبة تتمثل بنهج الحكم الذي لم يغادر نهج “إدارة المزرعة” .. فطريقة تشكيل الحكومات ..وإدارة ملف الإصلاح والمحاولات المستمرة لتحصين الفساد .. والتعدي على الحريات والحقوق.. والتدخل بالتعيينات والبعثات وتقديم الرشاوى.. كلها ممارسات تشير إلى نزعة  “استغفال الشعب واستصغار شأنه” !!

هذه التحديات تنعكس في حالة من التباطؤ والمماطلة .. تطرح مسألة جدية النظام بالإصلاح .. وتستثير جملة من التساؤلات .. :
•    فإن صدقت النوايا والوعود لماذا لم يتحقق الإصلاح المطلوب حتى تاريخه ؟ فمثلاً هل يستحيل أن تستعيد أي حكومة ولايتها وسلطتها الدستورية ؟  
•     وهل سيحكم الأردنيون إلى أبد الآبدين بحكومات “غير سياسية” .. أقرب ما تكون إلى حكومات “تسيير أعمال”.. ترضى من الغنيمة بالإياب .. وكفى المؤمنين شر القتال ؟
•     أليس من الضروري إطلاق حملة واسعة النطاق وعلى جميع المستويات لمكافحة الفساد حتى اجتثاثه .. وإلى متى السكوت على سرقة مقدرات الوطن .. ومتى سترفع الحماية عن الفاسدين ؟ ..
أم أن المطلوب من الأردنيين التعايش السلمي مع مؤسسة الفساد باعتبارها مؤسسة استوطنت الجسد والكيان الأردني ..وتركت تتحرك بلا حسيب أو رقيب ..دون أن تسمع “لا” أو “كفى” ؟؟
•    هل ستستمر ظاهرة البلطجة بممارساتها الاستفزازية المرفوضة .. بالدفع بالمجتمع إلى حافة الهاوية ؟؟
•     وماذا بعد ؟ أليس من المعيب السكوت على هذه الظواهر المشينة في المجتمع الأردني؟.. ألا تدمر نسيجنا الاجتماعي ؟ ألم تقوض هيبة الدولة ؟ ألم تبدد منجزات الإصلاح؟ ألم تخلف أوضاعاً عامة خطيرة مرشحة للانفجار في غير مكان ؟

إن الأردنيين اليوم مصدومون من تحول البلطجة إلى ظاهرة – لها ممثليها في مجلس النواب – .
الأردنيون لن يهدأ لهم بال ولن يطمئنوا إلى مستقبل أبنائهم ما لم تتم محاصرة هذه الظاهرة ومعرفة من يقف وراءها ومن يمولها ومن يجند لها ومن يحميها ؟

وأما عن الفساد فإن الأردنيين لا يملكون ترف التسامح مع من نهب المال العام .. وهم مصممون على ملاحقة الفاسدين والمفسدين واسترداد كل ما نهبوه من أموال منقولة وغير منقولة ؟؟
لقد نفذ الصبر الأردني الجميل ..أو يكاد .. وعلى أصحاب الرهانات الخاسرة أن يتحسبوا جيداً لغضبة الحليم !!  
وأما بالنسبة للحكومة – بما بدر عنها من انفتاح مطمئن – هي اليوم أمام خيار واضح : إما أن تقود عملية إصلاح جدّي، وإما أن تراقب تلك العملية تصنع في الشارع ( وما أدراك ما الشارع إذ يصنع الإصلاح ؟؟)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق